الرئيسية / دراسات / عيد بنات _”قماشٌ رماديٌّ” قراءة د.ريمان عاشور

عيد بنات _”قماشٌ رماديٌّ” قراءة د.ريمان عاشور

 

ريمان عاشور

قراءةٌ في : قماشٌ رماديٌّ..
“عيد بنات”من أولئك الذين يصعب علينا إغفالهم طويلًا؛ خشيةَ أن يعمِّر أسلحته من جديد ويفاجئنا من حيث لم ننتبه!!
كيف أتحدَّث عن اللامنطق بما هو منطق!
وأنَّى لي أن أُخضِع نصوصَه لمجاهرَ نقديَّةٍ قد تخدشها وتشوهها!
لا بدَّ أن أخلع نعليَّ وأعدو حافيةً عند ضفاف نصِّه، مخلِّفة بعض أثرٍ فوق رمالها، دون أن أرمي حجرًا في ماء نهره؛ فأعكِّر صفوه..

هكذا، كنتَ قد حكمتَ علينا سلفًا حين توسَّلتَ لغةً تشبه أبجديتنا، بيد أنَّ دم عروقها ليس كدمِ حروفنا التي عهدناها..
لغةٌ اتخذتْ في محرابها نُسكًا؛ لتعود فيه إلى ذاتها بعد أنْ تعلنَ عن توبتها أمام “عيد بنات” متنازلةً عن آثامها المرتكبة سابقًا في حقِّ معنى استُهلِك؛ فتُحرِّر إرادته وتمنحه حقَّ اعتناقٍ حديثٍ غير مطروق.

لا بدَّ لمن يدنو من نصِّ “عيد بنات” هذا أن يعتصم بحبلِ الحيطة والحذر، موقنًا أنَّ رأسه قد يصطدم بجدار لوحات نثيرته؛ ثمَّ ينزف حدَّ الذهول..

لا بدَّ أن يُسقى ترياقًا غير مجرَّب أو مسبوق؛ لعلَّه يقيه عدوى الجنون، أو فتنة السقوط في سرياليَّةٍ قد تدفعه إلى بواطن العقل في ذاك الركن المظلم حين يصعب علينا بلوغه أو مواجهته، تدفعه إلى فراغه؛ مخلِّفًا إياه وقد عُلِّق بين سماءٍ وأرض، بين حقيقةٍ وخيال، بين عقلٍ وجنونٍ، بين أصلٍ وظلِّ، بين ما هو كائن وما كوّنه عيد بنات..

لعلَّه ينجو ببعض عقله بعد القراءة، وقد لا ينجو حين يتشبَّث به أثرٌ وينشب أظافره بجلد ذاكرته..
فيغدو لا هو القادرُ على نفضه والعودة إلى ما حيث كان قبل التلقي، ولا هو المستكنِهُ صورته جليَّة؛ ليتصالح مع المعنى الجديد المنضاف إلى فكره..
كمن يعبُّ الماءَ ظانًّا أنَّ طعمًا ما سيعلق على لسانه، ارتوى نعم، لكنه لم يعُدْ يذكر ما الطعم الذي تذوَّقه وقتئذٍ حين بلغ الماء بلعومه وتخلَّله..

ذاك العنقود المتدلِّي منذ عتبة العنوان، ثمَّ فوضى الألوان التي نثرها عيد في بياض مساحاته..

في البدء: جاء باللون الرماديِّ تحديدًا الواصف للقماش، وقد وضعنا بين حاستي: اللمس والبصر؛
ليعبِّد لنا موطئًا نهبط على مدارجه، فنشهد على صورٍ ثلاث.. نلِج فيها اللوحة ونخرج منها فتمتزج الحقيقة بالخيال والخيال بالحقيقة..
مَن الرسَّام هنا ومن المرسوم؟
أصاحبُ (الأنا) في النص هو الرسَّام! أم هي تلك الساكنة اللوحة هي من كانت صاحبة اللوحة وهو السجين خلف بروازها..

إن ما فعله عيد في هذا النصِّ المنهك هو جعلنا نقف بين حيزين نتشكَّك أيهما الأصل وأيهما الظلّ..
دافعًا بالمتلقِّي إلى التأرجح بين كلِّ ما يؤمن به ويعتقده ويعتنقه ويصدِّقه، بل ويدافع عنه إن لزم الأمر..
لعلَّ ما يظهر من حداثة شعريَّة، ورمزية لغويّة في نصوص “عيد”، ثمَّ قولبتها في قوالب لم تكن من ذي قبل، إنما تحضر متوائمة،متسقة، منسجمة، مع كلِّ ضروب الحداثة التي نشهدها في عالمنا على الصعيد التكنولوجي والفنِّي والإيهام البصري والسمعي المتمكِّن من خداع الحواس جميعها.
للدرجة التي غدا المرؤ في زمننا هذا يشكُّ في حقيقة وجوده الفيزيائي في مكان ما، بينما يمكن لأحدهم أن يثبت وجوده في مكان آخر في الساعة نفسها والدقيقة عينها..

ولعلَّ رمزيَّة اللون الرماديِّ هي المفتاح الأوَّل الذي يفتح أقفال الإطاحة بنا إطاحةً تجعلنا نقف بين بين، فهو المزيج من اللون الأبيض واللون الأسود، وهو لون الشيب والنضج والحكمة الموروثة من تقدُّم العمر ، المانح ذويه القوة المستمَدَّة من سنوات عبرت على صاحبها وخلَّفت فيه نضج التجربة..
وهو رمز للغموض والتعقيد، لا سيما إن طغى فيه الأسود على الأبيض، وهذا ما صرَّح به عيد في لوحته الأولى(أذيب الليلَ في كأسها الأبيض)
الليل كلُّه بسواده البهيم سيذاب في بياض كأسها، بالطبع سيغلب السواد على البياض في هذه المعادلة، وسيضحي الرماديُّ قاتمًا غامضًا مبعثًا للتعقيد والإبهام والالتباس..
ثمَّ يربِكنا بحركة سريعة تنكشف في حركةٍ أحدثتها يدُ الرسَّام حين عزم على رسم جدائلها، إذ بالقمر ينكسر وينسكب منه بياضُ لونه فيعود للرمادي درجة من درجاته الفاتحة فتشرق الصورة من جديد لتنبىء عن انفراجة تنأى عن الغموض، لا سيما حين انشقَّ نهرٌ عسليٌّ في ركن من أركان اللوحة..
وفي هذه اللحظة التي أخطُّ هذه الحروف وجدتُني قد هويتُ في شِرك نصِّ “عيد”، فما عاد دربي يميِّز بين رسم بالكلمات ورسم بريشة وألوان..
حين جعلنا “عيد بنات” وكأنَّ خيطانًا كثيرة كثيفة متشابكة نشبت بنا وعلقت، فنستمتع في محاولات حثيثة لفكِّها عن أرساغنا، عسانا نقوى على المضيِّ ومتابعة الطريق دون أن يعلق بنا بعض الخيطان، وكثيرٌ من دوالٍّ لم نتلمَّس مدلولاتها الحديثة إلا في فضاءات “عيد بنات”..
تحيَّةٌ لكلِّ ما يتحفنا به عيد بنات ويأخذنا إليه، ذاك المختلف حقًا..

اسطنبول/٢٥-١٢ من عام الجائحة..

عيد بنات

قماش رمادي

أرسمها…
على قماش الريح
على مناديل أشجار لا تنام
أرسمها بألوان لا تخاف الليل
أذيبُ الليلَ في كأسها الأبيض
وحين ترشف بشفتيها طرف الكون
تتساقط الكواكب مغشيا عليها
تصطف النجوم أمام عينيها
وحين أمدُّ الفرشاة نحو جدائلها
ينكسر قمرٌ أبيض ويسيل ضوء لذيذ فوق جبينها
ألقي
في زاوية اللوحة نهراً عسليًا
أسكب فيه ماء روحي
وأدعيتي المطلية بالنعاس
كي ينام قريراً بلا لون…

أرسمها
مثل فراشة
أطلقها كي تطير على القماش
من فمها ينبعث همس النعناع
أجلسها على عشب البهجة
أرش في عينيها
بخور البحر
ألونها بكحل المجرات
أنثر حولها رملا خائفاً
في الممرات،
وزهراً… وشرقاً وغرباً
كي لا ترى وجهتها الشهية.

أرسمها
بفرشاة من ألف طير
برفرفة فجرية…
أطلقها نحو السماء
أُسكنها في بروازي السحري
وأنام حول جدرانها المزركشة بالدعاء
من أجلها
أطفأت كل المصابيح،
كي أنام في سريرها
حتى الصباح.

كيف أنام
حين يتجمهر لونها على خدي
وتمد يدها على يدي
وحين تحلّق كل طيور الليل على صدري
أركض مذعوراً في ممراتها
لكني أصدم بالخشب المذهب
حول خصرها…
من قال أن الأنثى في اللوحة قد تنام
حين تقطف الكواكب من جدائلها مثل التفاح…
أنظر للأفق المبتل بدموعي
من بين النجوم
لأرى من نافذتها المعلقة على الجدار
كرسياً خائر القوى،
وغرفة رمادية
أرى وجهاً شاحباً ينظر إلي
أراني في اللوحة رمادياً بلا عينين
رشة لون أسود
من يرسمني أنا
والريشة في يدها
وهي ما تزال
مثل جنية مسروجة باللون
تحدق بي …
وأنا
منذ خلقت غريباً عنها
لم تمسسني الألوان

 

 

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

إسبانيا تحتفظ بسجل أسماء من يرفضون أخذ لقاح كوفيد-19

  قال وزير الصحة الإسباني سلفادور إيا، إن إسبانيا ترغب في الاحتفاظ باسماء المواطنين الذين …

قراءة في رواية (ديوان الغجر) للروائي هاشم غرايبة _ بقلم الروائي/ محمد فتحي المقداد

التراث الشّفاهي عند الغجر من المعلوم أنّ معظم تراث الشّعوب قاطبة ما زال شفاهيًّا، تتناقله …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: