الرئيسية / قصص / صرخة من تحت الأنقاض ! رشيدة مولودي

صرخة من تحت الأنقاض ! رشيدة مولودي

صرخة من تحت الأنقاض !
رشيدة مولودي

بعثرت كل الأوراق، تشد الرحال إلى عالمها الذي لم تفقده يوما رغم مضي السنين.. تبحث في ذكريات طواها النسيان لكن لم تطوها ثنايا تفكيرها الذي يحيا بها ودقات نبضها الذي يتنفسها .
تعتصر ألما على فقدانه.. أحبته كثيرا ولكن لم يكن الحب كافيا أنذاك …
الزواج حلم أي فتاة، وحلم العائلة ككل .. طرق الباب الخطاب وكلما كثروا لابد من تلبية طلب أحدهم وإلا أصبحت البنت سيرة على كل لسان ، ربما لأنها تخشى من فضيحة أو مغرورة ولا أحد يرضيها أو تحب رجلا آخر .. وهكذا حال كل فتاة تتمنع عن الزواج …
لا تريد إخباره بالأمر لأنها تدرك أنها ستؤلمه وهو الذي وعدها بأشياء كثيرة وطلب منها أن تنتظر تخرَّجه من الجامعة، حبها كان يشفع له لكن من يقنع أباها بذلك وكيف توقف السنين كي لا تمر حتى تنال مرادها !!
قاومت كثيرا ورفضت الكثير وجاء اليوم المحسوم فأصبحت بين المطرقة والسندان؛  إذا اختارت حبه ستتبرأ منها العائلة وإذا وافقت على الخطيب الجديد ستحكم على نفسها بالتعاسة.. إذن في حكم الأعراف ستكون الضحية وسترضخ لآهات كل أنثى ولدت لتكون هدية لرجل هو اختار أن تكون له.
اصبح الحي كله يعلم بخطبتها، مصطفى رجل غني وأنيق ووسيم، فتايات الحي أتين بسيرته الذاتية بل رأين صورته أيضا .. ياليت لنا حظك يا سعاد!! .. هكذا كن يمازحنها ويضحكن بدلع وخفة تخفيان حسدا وغيرة.
لكنها تخفي خنقة تمنعها عن الكلام، تفضل الصمت وتكتفي ببسمة مجاملة…
عرس من أجمل الأعراس ، أُعِدّ له جيدا، رغم أن الوقت لم يكن كافيا لأن أهل العريس استعجلوا الزواج ليصبح ابنهم رب بيت وأسرة، وهم ميسورون يستطيعون إقامة الحفل في أي وقت. كان لهم ضيعة خارج المدينة يربون فيها الأغنام والأبقار بالإضافة إلى زراعة بعض المنتوجات مثل الخضر، وفيلا مجهزة بعناية بالغة رغم وجودها خارج المدينة!!.
كانت سعاد عروسا جميلة، بهية المحيا، رشيقة القد، عيناها صغيرتان تلمعان كلما بسم ثغرها، حديثها هادئ وقليل تكتفي بابتسامة حياء كلما خاطبها أحدهم .. اليوم نظراتها شاردة ومسحة الحزن تغطي وجهها الجميل، لاتدري كيف سيكون مصيرها بعد هذا الزواج الذي قُدِّمَتْ فيه كبش فداء …
مرّت شهور على زواجها، أقامت مع عائلة مصطفى الكبيرة في الضيعة والبيت الكبير، حاولت أن تتأقلم مع الحياة الجديدة، أن تستسلم لواقع مفروض عليها، لكن كل الظروف تعاكس تلك الرغبة في الهدوء وتكوين أُسرة مستقرة!!
أشغال البيت الكبير لاتنتهي، تخرج من غرفتها منذ الصباح الباكر ولا تعود إليها إلا للنوم، تعب يهد جسدها ويحطم فيها كل يوم امرأة ظلت تحلم بالحب والسعادة وراحة البال.
زوج لا يكترث لمشاعرها، يعود متأخرا، أحيانا كثيرة كانت تتظاهر بالنوم لكي لا يلمسها؛ أصبحت تشمئز من مضاجعته ومن طريقته في إشباع رغباته وغرائزه الحيوانية التي تنم عن سادية مقرفة وتبجح برجولة مهينة !
أصبحت مجرد شيء، يأخذ حيزا من غرفة النوم أو من المطبخ، شيء لا يتكلم ولا يعترض بل ينفذ فقط !!! بيت كبير يستقبل أعدادا كثيرة من الضيوف، العمل لا يتوقف فيه، يشبه خلية النحل .. كل من فيه تحت حكم الشيخ وزوجته أما الأولاد مهمتهم الضيعة والأرض وبيع وشراء الأغنام والأبقار لتتراكم الثروة ، وفي المساء لهم حق الترويح عن أنفسهم بالنزول إلى المدينة والسهر والتسلية ومعاقرة الخمر والنساء …
سعاد هذه الليلة لن تنام، ستنتظر مجيء زوجها لتعلن تمردها على الوضع والمطالبة بحقها في بيت زوجي هادئ، في عش تنسج خيوطه بنفسها وفي راحة بال تفتقدها كثيرا.. عاد متأخرا كالعادة يترنح ويتمايل وطلب منها الإذعان لرغبته والاستسلام لساديته المعتادة، لكن هذه المرة دفعته بقوة حتى سقط أرضا، وقاومت جبروته بعصبية..صرخت في وجهه معلنة الرفض لكل ما تعيشه، قابل صراخها بالضرب والركل والكلام الساقط؛ بدا أمامها وحشا ضاريا وظِلَّ رجل لا ملامح له ولا إنسانية تشفع له…
في عُرْف الأسر الكبيرة والغنية النساء جاريات مسخرات لخدمة أسيادهن ولتلبية رغباتهم حتى يشعروا بالفحولة الجنسية والمباهاة بالرجولة التي لاتستقوي إلا على الجنس اللطيف الضعيف والناقص كما يتصورون!!!
قال لها “احمدي الله على كل هذه النعم التي تتمناها غيرك ولاتجدها” وخيرها بين أمرين  :”إما أن تعودي إلى رشدك، وترضي بما أنت فيه، وتبقي زوجة مطيعة وهادئة وإلا سأتزوج أخرى وتصبحين خادمة لها لتتعلمي كيف يجب أن تطيعي زوجك، ولن تظفري بالطلاق أبدا “.
باتت سعاد ظل امرأة لا رغبة لها في الحياة، اشتدت قسوة كل من في البيت عليها، لأنها في قانونهم متمردة وخارجة عن الحدود التي رسمها المجتمع لها …
كرهت مصطفى ونفرت من قربه، كانت تصده كلما اقترب منها وهو بدوره ينتقم لرجولته بالضرب والشتم وينال مراده بالقوة ويغتصب منها كل شعور جميل بالحميمية والسكون والسعادة !! باتت مهزومة المشاعر، ملامح امرأة شاخت أنوثتها وتجعدت أحلامها لتتبخر في شمس أحرقت كل الأماني..تزوج مصطفى امرأة أخرى وأسكنها نفس البيت وهكذا كسر فيها كبرياءها ودنس وشاح أنوثة جُرًدت من الدلال والغنج وداست عليها كل الأقدام…
أجهضت جنينها الأول بسبب التعب الجسدي والنفسي اللذين أنهكاها وأصيبت بصدمة عصبية ونفسية نُقلت على إثرها إلى المستشفى، اضطر أبوها لمساومة الزوج على الطلاق مقابل التنازل عن كل مستحقاتها الزوجية واستعادة ما بقي من حطام ابنته.
رغم مرور السنوات لازالت سعاد تعاني من صدمة ما حدث لها، وتفضل الصمت والتأمل في عمرها الذي خمد لهيبه في قوة الاشتعال.
تفتش في كتبها ثانية علها تجد سعاد القديمة، تنكب على استرجاع الذكريات والحب القديم.. ” فيم يجدي كل ذلك” تحدث نفسها وهي تتأمل موج البحر وتستغرب لمده وجزره، وهدوئه وصخبه، وحنانه وغضبه.. وتدرك في الأخير أن الحياة تشبه البحر وأن بقاءها رهين ببقائه!!
تقرر سعاد بداية جديدة، تتنفس عميقا هواء البحر وترقب بتأن غروب الشمس، وتضرب لها موعدا في الشروق، عازمة على التصدي ومواجهة ضعف الانثى فيها وإقامة جسور لعبور كل امرأة عانت من ظلم المجتمع ومن استبداد الرجل، ستتخلص من غواية الجسد وتنطلق حرة لتحقق ذاتها دون ظل رجل !!!

شاهد أيضاً

يا عمري الذي بكى..| رويدة الضمور

يا عمري الذي بكى.. من وخز حنيني اغرق بحور الشعر بين طيفك و ندائي.. ووحشة …

(كان عليّ أن أودِّع الغابة) سعيدة عفيف

كنت فيما مضى أحطب في اليوم أنشودتين وكنت مطمئنة أن الغابة لم يكن ينقصها شيء …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: