الرئيسية / دراسات / الدكتور علي غبن والتناغم الوجودي – بقلم محمد الحراكي
علي غبن
علي غبن

الدكتور علي غبن والتناغم الوجودي – بقلم محمد الحراكي

. .

***
ألق المادة الأدبية وسحر بيانها وانطلاقها في فضاءات رحبة مليئة بالدلالات والرموز تمنح الحداثة صلة في عمق التاريخ وإضافة يحتل بها الأديب الشاعر الدكتور علي غبن مكانة لأدبة وقصائدة المنسابة في تناغم وجودي فني بديع وجمالية لغة معنی وتجسيدا.
ليصبح في طليعة الأسماء التي اتخذت المفهوم الفلسفي وإرشيف الذات حيث مزجت الشعر في تناغم وجودي مستلهماً عناوينه من الحياة المُشاهدة في واقعها المأزوم؟ والذي نعيشه في هذه الفترة المظلمة من حياتنا.
ثمة هالة من نور تحملها حروفه العاشقة وهو الذي يدرك مدی حاجتنا للضياء الفكري وإلی رحيق وبلسم نستعيد به مسارنا ورقي مفاهيمنا الثكلی بآمال تقترب بنا من الحقيقة والقبض علی الزمام.

يا أخت أندلس عيناك أندلسي
نور أشع فَجَلّیٰ عتمة الغلس
من الشآم استعارت سحر مبسمها
ومن أمية نالت حمرة اللعس
تراقص الزهر طول الليل في دعة
مختالة المشي مثل الشارد النعس

ــ وقد امتلك أديبنا جوهر المعاني والخيط الناظم ما بين إيصال المعنی المرّ والتذوق الجمالي الذي يشكل الظاهرة المثلی عند المثقفين من الأدباء والذين امتلكوا ناصية البيان.
والآن ماعدت لا التاريخ يقبلني
فَحْلاً لأندلس أو شبه أندلس
مدنس أنا في ذاتي وفي وطني
وعابس في مسراتي ومحتبسي
وردية الخد لا كفاي ناصعة
بالمكرمات ولا مائي بمنبجس

فالنص الجميل هو الذي يشد المتلقي للاندماج بصوره وهواجس الذات فيه وحاجاتها، ومن منا غير ذي حاجة إلی السمو والرفعة وطلب المجد والعلا

تمر٘ ذكراك في غيب الكری عبق
مرّاً جميلاً فمن ماضيَّ فاحترسي
تمرُّ ذكراك والدنيا قد اختلفت
وغيّب الدهر بغدادي وأندلسي
كانت منابرها تشدو بروعتها
فأصبحت بعد عز الصدح في خرس
وكان شدو طيوري مطرباً فرحاً
فصار نعق غرابي غير منخرس
ماعدت سيدتي الحسناء مؤتمناً
عليك، ماعدت أستقوي علی النعس
ماعدت أبكي علی ماضيك سيدتي
يا أخت أندلس، القدس أندلسي

ــ ومن ثم فهو العالم المبحر بأصناف الأدب من شعر ورواية وقصة وخاطرة. وهو ناقد مميز وابن بيئته الوفي لمجتمعة ولأمته.

خاطبت نبض قصيدتي بقصيدتي

وسألتها
ماحالها
مابالها
وعلام ترتبك الحروف
إذا تهادت ـ كالقطيع ـ إلی البديع
وكان فيه مآلها
ووقفت أنتظر الجواب فجاءني
صوت القوافي الصائحات
من الغياب
إن كنت تعلم مالجواب
فما يفيد سؤالها
أنا يا قصيدة قد أتيتك سيداً متكاملاً
رتلت فيك العمر ألحاناً وأزجالاً بقافية
أقامت لي علی الأطلال تمثالاً
تهادی الحرف في واديك
حين شجوت
عذب الصوت
أغنية
أرنمها
وأنشدها
فغرد في المدی شعري
وأزهر بالندی دهري
وفجر طاقة الفصحی
بقافية تخط النصر والفتحا.

محمد الحراكي
محمد الحراكي

ــ وهو الباحث المنقب يستخلص ويستكشف ويحلل مافي هذا الأدب من خصائص بيانية ولغوية وإبداعية ونحوية مستعينا بالعلوم الإنسانية وبالفلسفة والمنطق وأسرار الذات، وقد مكّنه رصيده الثقافي من العطاء وتقديم الأجمل علی الساحة الأدبية.
وبهذا نقف عند رائعته الأخيرة
التي نحی بها منحی القدماء وأدخل الماضي في سياق الحاضر، وذهب مخاطبا سعاد التي نعرف رمزيتها في الأدب،
وكيف لا وهو المتمكن من لغته ومشاعره ومحبتة لوطنه ولأمته، فبانت سعاد في حبه وفي محبته وفي المشاعر الوجدانية والانسانية، وانعكس وجودها على الوطن والأمة والمقدس الضائع.

(سعاد)

في حانتي كأس الحياة تهادى
فعلام أُخلِف للصّفا ميعادا
وعلام أعتكرُ الليالي مفردا
أستمطر الأجواء كلّ جَمَادى
يا خلّ هذي حانتي مفتوحة
تستقبل الزوّار والورّادا
يا خلّ عندي قَينة مهضومة
فادع النّدامى كي أحثّ سعادا
واستقبل الكاسات وهي نديّة
وارشف رضاب الماجنات عنادا
وارفق بساقية المُدام فإنّها
بالكأس تزرع روحنا أعيادا
وانسَ الظّنون فإنّني في حانتي
لا أشتري بالمعجزات بلادا
ثم يتابع

صبي مع الكاسات كحلك إنني
أدمنت شربك ياكحيلة (سادا)
واستقبلي بالورد كل مغامر
مثلي وكوني يا سعاد سعادا
ضاقت عليهم ياكحيلة دارهم
فأتوك من وجع الحياة فرادی
ماهمهم طول المسير علی الجوی
قد أقبلوا من غورهم أنجادا

ــ فأي جمال يرتقي إليه شاعرنا ليعلن عن رفضه ومدی همته واستنكارة وهو يقول.

الصابرون علی المكاره في الوغی
الأصلبون من الردی أعوادا
الحاملون رسالة نبوية
عاشوا بها في ظلها عبادا
المنتشون بثورة عربية
شعوا بها نجما سری وهاجا

ــ ويتابع وهو يفور حمية وحماساً فقد كان الألی من قبل لا يهابون أبداً عدواً ولا يبيتون أمام كرامتهم عجزاً وتخاذلا.

حمر النواظر إن مشوا لكريهة
سدوا الضياء وأبدلوه سوادا
بيض الفعائل دأبهم في دارهم
من لم يشيد مثلهم ما شادا

ثم يخاطب سعاد الوطن سعاد الأهل والأمة والأرض والمقدس

هذي المكارم يا سعاد بدارهم
غرست فأنبت غرسها آسادا
وجع الحياة أطل يخطب ودهم
ردوه وابتدرو الحياة جهادا.

ويستمر شاعرنا في بث الصور بتشكيلات متتابعه، يقول

وادني سعاد فإن لمس أكفهم
سبعا يعادل حجة وجهادا
أوجاعهم شرف يشع بريقه
كرما وينشئ جودهم أجوادا
لا تعجبي منهم فكل مبجّل
فيهم تعوّد أن يكون زنادا
للحرب قد خلقوا فهم من صلبها
مذ كان مرتعهم بها أولادا
عافو الرقاد فلا رقاد بعينهم
مَن ذا يطيق إذا رآك رقادا

ـ

ــ مشاهد شعرية متقنة ودقيقة ومحبوكة بعناية، ومتتاليات لفظية سبكاً ولفظاً وإحساساً ومشاعر أكثر جمالاً وانسياباً وتقبلاً ومتابعة وتشوقاً للمتلقي الذي تعايش بأحاسيسه مع الهمم الشمّاء والمحافظين علی كرامة الأوطان والذين لا يبيتون رقوداً وتخاذلاً، من خلال تلك الصور التي استحضرها شاعرنا الأديب الدكتور علي غبن.
فكل الاحترام لهذه القامة السامقة المدركة لكل المخاطر التي تعيشها الأمة في هذه الأيام وكل التقدير والتحايا.

محمد الحراكي
ابن العابدين

شاهد أيضاً

الشاعر علي ياسين غانم – لبنان يحتضر

عن انفجار مرفأ بيروت المروّع والحزن الذي سوّر وطني لبنان بأسره والكارثة التي ألمّت أقول …

مواكب الروح - حكمت العزة

أبجدية الطبيعة والرسم في مواكب الروح للشاعرة حكمت العزة

بقلم محمد عبد الستار طكو   المواكب : لغة مفردها موكب وهو الجماعة من الناس …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: