الرئيسية / قصص / شُبّاك حبيبي – مقالات ملفقة (26\2) – بقلم محمد فتحي المقداد
محمد فتحي المقداد
محمد فتحي المقداد

شُبّاك حبيبي – مقالات ملفقة (26\2) – بقلم محمد فتحي المقداد

نوافذ البيوت تنقذها من احتمال تحوّلها إلى جحيم القبور، وهي علامة مُفضية إلى العالم الخارجيّ؛ فتسمح بدخول الهواء والضوء والنّور بحريّة تامّة، تجعل التشارك ميّزة بين الدّاخل والخارج. ونطلق عليها شُبّاك إذا شُبِِكت واجهتها بالحديد أو الخشب أو غير ذلك من الشِّباك؛ للحماية من اللّصوص والحراميّة.
وهي إطلالة تفاعليّة ضروريّة لحياة طبيعيّة سليمة تستجيب لقيم الطّبع السويّ؛ فإذا صارت مثارًا للمشاكل، فَسَدّها وإغلاقها هو الأوْلى لدرء المفسدة، وجلب المنفعة.

وتعتبر كلّ نافذة شّبّاك,, وليس كلّ شبّاك نافذة. دلالة النّافذة أوسع بمضمون انفتاحها بحريّة أكبر دون عوائق الشّباك؛ فالشّبابيك بمعنى النّوافذ، ولكنّها تختلف عن النّوافذ، بأنّها نافذة لها شَبَك أو شِباك تغلّفها من الخارج؛ كدِرءٍ وحماية من خطر مُحتمل في ساعة غفلة. والحماية للشُّبَّاك أعتقد أنّها حدّ من حُريّة النّافذة المُنفتحة بشكل كامل.
هذا المنحى أوقفني تأمّلًا أمام أغانٍ مألوفة؛ نُردّها تلقائيّا بطرف واهتزاز، وتُعدّ أغنية المطرب “صباح فخري”: (ومن الشباك لارميلك حالي \ومن الشباك لارميلك حالي يا عيني \من كُتْر خوفي عليك ما بنام). على ضوء ما تقدّم من التفريق بين النّافذة والشّبَّاك، أعتقد أن كاتب كلمات الأغنية المجهول، لم يُوفّق في هذا المنحى مع وجود الشّبَكَ والشّباك على النافذة، فهي تحدّ من عملية الخروج والدّخول، فيستحيل تحقيق أمنية العاشقة المشبوبة بغرامها حد الهّيام.
وتكرّرت كلمة الشّباك في أغان كثيرة أيضًا، منها أغنية “نجاة الصّغيرة” للشاعر الغنائي “جميل مرسي عزيز”: (أنا أنا بَسْتَنّاك, من الشباك وانا خدي على الشباك، أنا والشوق وناره الحلوة بَسْتَنّاك). قلق الانتظار على الشّبّاك لمراقبة عودة الحبيب الغائب.
أما عند الفنّان “ملحم بركات” في أغنيته الشّهيرة “شبّاك حبيبي”: (شباك حبيبي جلاب الهوى \ هوا حبيبي يا أول هوا \ يا شمس غِيبِي أنا وحبيبي). القصيدة هي من كلمات “الأخوين رحباني”، وهي تعطى المعنى التفاعليّ الدقيق للشُّبَّاك، من سماحه لدخول الأشواق وهواها، مجازيّة المعنى أعطت البّعد الحقيقيّ للمعنى بدقّة مُتناهية.
وفي معين اللّغة العربيّة ما يطفىء لظى البحث المُضني، فالشِّبَاكُ جمع شبكه وشِبكات وشِباك وشَبَك، ومنها ما يتّخذه الصّيّاد من شِرَاكٍ برًّ وبحرًا، ويكون معظمها من الخيوط والأسلاك المُشبّكة المُتداخلة. و”شُبّاك” النّافذة تُشبك بالحديد أو الخشب أو غير ذلك من مواد أخرى، وجمعه شبابيك.
في العام 1970 جاءت مُبادرة “روجرز” لإنهاء حالة الاشتباكات المستمّرة على الجبهتيْن السّوريّة والمصريّة بعد حرب حُزيران 1967 مع الإسرائيليّين، فيما أطلق عليه “حرب الاستنزاف”، التي شهدت معارك محدودة بين إسرائيل وكلّ من سوريا، والأردنّ، والفدائيّين الفلسطينيين، واشتبكَ، يشتبكُ، اشتباكًا، فهو مُشتبك، ومن اشتبك مع زميله بالأيدي فهما قد تشاجرا؛ فتضاربا، والتحما بالأيدي. واشتباكات الجيوش في الحروب التحامها، ولا تنفضّ هذه الاشتبكات إلّا من خلال اتفاقيات دوليّة من خلال الأمم المُتّحدة ومجلس الأمن الدّوليّ، كما حصل في اتفاقيّة فكّ الاشتباك (فصل القوّات) 1974 بعد حرب تشرين (أكتوبر) 1973، بين طرَفيْ الصّراع سوريّة وإسرائيل، برعاية وزير الخارجيّة الأمريكي “هنري كيسنجر”. والاشتبَاك مع العدوّ التحام أو شُروع في حرب معه. وإذا شبكت أو تشابكت الأمور تكون قد اختلطت والتبست.
المدن الكبرى تمتاز بشبكات طرقها الرّئيسة المختلفة المُتشابكة السّريعة، التي تقدّم الخدمات لمرتاديها، وتتكامل العملية مع شبكات السكك الحديديّة، وشبكات أساطيل شاحنات النقل البرّي والبحري والجويّ. هذه الشّبكات دخلت عهد الحداثة بتطبيقات شبكات الأنترنت العالميّة، وارتباطها بشبكات الأقمار الصناعيّة لتسهيل تداول المعلومات، بأقل التكاليف، والأداء الأفضل والأسرع .
وأذكر أيّام شبكة الهواتف الأرضيّة اليدويّة القديمة، كثيرًا ما كنّا نطلب من المقسم مكالمة خارجيّة، ننتظر ربّما ساعات حتّى يستطيع عامل المقسم من الحصول على الطلب، بينما شبكات الـ (GMS) اعتمادها المباشر على شبكات الأقمار الصناعيّة، عملت الشّركات على تخفيف تكلفة الاتصالات، من خلال شبكات الألياف البصريّة، ذات الأداء العالي. وشبكة الأنترنت عملت بتقنيّاتها على ربط كافّة جوانب الحياة في جميع أنحاء العالم بها، ليصبح الكون قرية عالميّة صغيرة. وجميع ذلك يتمّ عن طريق تقنيّات الأجهزة الحاسوبيّة والهواتف النقّالة الذكيّة؛ وغير ذلك. وأتمتة معلومات شبكات مؤسّسات مكاتب الطيران، والجامعات والمكتبات العامّة، ومعظم جوانب الخدمات. لتوفيرها في أفضل صورة للجمهور.
وبالانتقال إلى عالم العلاقات الدوليّة، وما تعتمد عليه من شبكات الجاسوسيّة العالميّة من خلال الرّشاوي؛ لتجنيد العملاء لها في كافّة مواقع المسؤوليّة، بهدف الوصول لأدقّ المعلومات الشخصيّة عن كافة جوانب الحياة الفاعلة. كما أنّ سلطات الدّول جميعها تُكافح شبكات غسيل الأموال، وتهريب المخدّرات، وتجارة الرّقيق الأبيض (الدّعارة). بنفس مكافحة شبكات الجاسوسيّة.
في صغري لم أفهم دلالة شبكة خطوط الطول والعرض على مجسّم الكرة الأرضيّة أيّام دراستي الابتدائيّة، إلّا في المرحلة الإعداديّة من خلال مُدرّس مادّة الجغرافيا، وعلاقة هذه الخطوط بالزّمن، وليس لها وجود على الأرض، فهي على الخارطة فقط. وتبتدئ بالتعداد غرب وشرق من نقطة مدينة “جرينتش” على ساحل المحيط الأطلسي في المملكة المتحدة.
والشّبْكَة الهديّة التي يُقدّمها الخطيب إلى خطيبته عند إعلان الخطوبة، وشَبَكَ الشّاب الفتاة، قدّم لها الشّبكة. والخيوط إذا تداخلت مع بعضها تشابكت، وكذلك أصابع اليدين، وتشبيهكما في المسجد وأثناء الصّلاة منهيٌّ عنه؛ لدلالة تعقيد الأمور. وأسنان المشط كذلك من الشِّبَاك.
وفي أغنية عبد الحليم حافظ “جانا الهوى” للشاعر الغنائي “محمد حمزة”: (جانا الهوى جانــــــــــــــــــا ورمانـا الـهـوى رمــــــــــــــــانا \ ورمش الأسمرانـــــــــــــــــي شبكنـــــــــا بالهـــــــــــــــــوى \ آه ما رمانا الهوى ونعـــــسنــا واللي شبـــكنا يخلصنــــــــــــــا)، معنى جديد للشّبْك والتّشابُك من خلال الرّموش، وتتشابك العيون بنظراتها إذا التقت، ومثلها تتشابك شِباكُ صيّادي السّمك ببعضها، وتحتاج لجهد كبير لفكّها، والأفكار تتشابك إذا تشوّشت، والطّرق إذا تقاطعت، والمشاكل إذا تعقدّت واختلطت.
والشّبّاك نافذة للغرفة والمكتب وسواهما من الأبنية، كشبّاك السّينما والبريد والباص والقطار والطائرة والبنوك ومكاتب الصّرافة، أمّا الشّبّاك الأوّل في البنك الدوليّ، فهو نافذة الإقراض بشروط السّوق.
ونبتعد قليلًا إلى عالم الثّقافة، فهناك مجموعة قصصيّة “همس الشّبابيك” للكاتب الأردني “سمير أحمد الشّريف”، ورواية “شبابيك زينب” للروائي الفلسطيني “رشاد أبو شاور”، يتحدّث فيها عن مدينة نابلس أيّام الانتفاضة الفلسطينية الأولى (انتفاضة أطفال الحجارة) 1987، لتنتهي بمجيء اتفاقيات أوسلو 1991. أمّا رواية “شبابيك منتصف اللّيل” للروائي التونسي “إبراهيم درغوثي” فقد منعت طبعتها الأولى في تونس من التداول، لتصنيفها في قائمة الأدب الإباحيّ. وأبارك للصديق الفنّان “محمد العامري” الأردنيّ بصدور روايته “شبّاك أم علي” اللّاجئة الفلسطينيّة في الأغوار التي رأت الحياة ومجريات الأمور من خلال شبّاكها ونافذتها للعالم الخارجيّ .
تتلاطم الأفكار في رأسي متشابكة دافعة لي، لتشبيك المعاني المتقاربة والمتباعدة؛ لتكوين ملفّقة شُبّاك حبيبي، أملي أنّني أحسنت تشبيك المُتشابك والمتناثر في مادّة أدبيّة جيّدة المحتوى، لأنال دعوة صالحة من قارئ مخلص في ظهر الغيب.
عمّان – الأردنّ

شاهد أيضاً

الشاعر علي ياسين غانم – لبنان يحتضر

عن انفجار مرفأ بيروت المروّع والحزن الذي سوّر وطني لبنان بأسره والكارثة التي ألمّت أقول …

مواكب الروح - حكمت العزة

أبجدية الطبيعة والرسم في مواكب الروح للشاعرة حكمت العزة

بقلم محمد عبد الستار طكو   المواكب : لغة مفردها موكب وهو الجماعة من الناس …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: