الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 51 – قطار الرابعة مساء – محمود العربي السيد

القصة 51 – قطار الرابعة مساء – محمود العربي السيد

 

        يعلو صوت قطار الساعة الرابعة مساء رويدا رويدا , ها هو قادم من بعيد , ولكن هذا لا يهم الان فقطعة الأرض الفضاء التي لا تبعد عن  شريطي القطار الا عشرة امتار مملوءة بالصبيان يلعبون الكرة وها أنا في حراسة المرمى ارتمي يمينا ويسارا لصد الكرات التي تسدد علي  بقوه وبسرعة من هنا وهناك وخصوصا من صديقي العزيز احمد , حيث الاقدام حافية والكرة من البلاستيك فلا نستطيع ان نشتري كره أصلية , وليست مطلوبة هنا بالذات فببساطة ازعاج الجيران بهذه الكرة أمر محتم  , وكم من كرة اخذت منا ,  بل وقطعت بالسكين في مشهد لم نكن نراه الا في فصل الصيف عندما توضع سن السكين أعلي البطيخة الخضراء فتقسمها الي نصفين حمراوين لذيذين كم هي فرحتنا بهذا المشهد مع الأسرة ؟ !  ولكن رغم تشابه المشهدين في كل شيء الا ان وقعهما علينا نحن الصبيان الصغار يتضادان تماما . ارتفع صوت القطار وهو بقربنا لكن لم نسمعه ؛ فانتباهنا الي الكرة  كان اكبر من ان نسمع معه صوت ديزل القطار ذو الثلاث آلاف حصان .

     آه  لقد نسيت ان اعرفكم بنفسي انا هاني هذا هو اسمي . مرت سنوات طفولتي  و انهيت دراستي النظرية واعمل الان في مجال يعمل به معي كثير من الشباب  ألا وهو البحث عن الذات و الهروب من الشتات  فانا ومنذ كنت صغيرا يراودني سؤال  : في اي مجال سأعمل ؟ هل سأكون معلما مثل عمي احمد؟  ام مثل سائق القطار الذي كان يمر بجوارنا كل يوم ؟  أم سأكون طبيبا يداوي المرضي ؟!

 

      كانت هذه الأسئلة تراودني في كل يوم تقريبا اثناء دراستي و منذ طفولتي حتى انهيت تعليمي الجامعي فشهادتي الجامعية في تخصصي لا مجال للعمل بها مثل كثير من سبقوني  فلا ارتباط في بلدي بين التعليم النظري وسوق العمل الفعلي كنت و مازلت ابحث عن ذاتي اشعر باني ابحر بقارب في محيط  ولكن بلا شراع ؛ اين شراعي ليوجهني حيث  اريد , فتعليمي هو قاربي وهو فقط يحميني من الغرق  , ولكن لا يدفعني للأمام  فقد محوت جهلي  بشهادتي الجامعية ولكن اين سوق العمل لشهادتي ؟ !

     استيقظت على صوت عال ولكنه معتاد هو صوت  قطار الرابعة مساء  الذي كان يمر بي وانا صبي لم يتغير منه شيء تقريبا ولكن انا من كبرت ولم يتغير في شخصي شيء فمهاراتي لم تتجاوز بعد صد بضع كرات في حراسة مرمى اثناء لعب  للكرة في ارض فضاء , ولكن حتي هذه الارض الفضاء لم تعد كالسابق فقد  تطور الوضع كثيرا وأقيم ناديا كبيرا  يضم عدة ملاعب مجهزة  بالعشب الاخضر والانوار الساطعة يلعب فيها الصبيان والشباب ليلا ونهارا . تطور وضع الارض الفضاء ولكن لم يتطور حالي , تساءلت بيني وبين نفسي هل ستستمر شخصيتي هكذا مستقرة لا تتفاعل مع الدنيا لا مشاكل ولا ناتج و لم اتعلم شيئا جديدا و لم يستفد أحد مما تعلمت , فبحثت عن ماذا أجيد فعله في هذه الحياة ؟ ما اعرفه جيدا  عن نفسي اني لدي معلومات عامة عن طرق الدفع الالكتروني و شبكات الاتصال و الالكترونيات . لم أتأخر كثيرا واقترضت المال من أبي واشتريت الأجهزة اللازمة و افتتحت  مشروعا  في هذا المجال  .

      بدأت المشروع و واجهتني صعوبات لم اكن اظن انها موجودة  في هذه الحياة ؛ الا وهي اني لا اعلم شيئا عن مهارات البيع والشراء ومهارات التعامل مع الزبائن ولا عن مهارات صنع عروض شيقة للعملاء  فانا في تخصصي الجامعي  لم أدرس مثل هذه الاشياء ولم اختلط بتجار اتلقى عنهم , كنت اظن أن معرفتي العامة بالأجهزة و التكنولوجيا فقط هي التي تمكنني من مزاوله النشاط التجاري .

 

 

كنت استغرب كثيرا من المحلات التي بجواري  ؛ فملاكها ربما لم ينه أغلبهم  تعليمهم الثانوي ورغم ذلك يمارسون نشاطهم التجاري بكل احترافية وكأنهم قد درسوا في جامعات عالمية. لم استمر طويلا في مشروعي فكل الشواهد تنذر بالخسارة الكبيرة عما قريب ولكني علمت سر نجاح جيراني التجار فقد سقي الأجداد للآباء سر المهن وسقي الآباء للأبناء سر البقاء في المهن  ؛ ولهذا لم استطع مجاراتهم وانفض عني الزبائن وعدت الى مكاني ألملم شتاتي وأبحث عن ذاتي مرة  اخرى .

  و كعادتي كل يوم استيقظت على صوت قطار الساعة الرابعة مساء و لماذا استيقظ مبكرا فليس لدي ما يشغلني فقط هو  التفكير في الحال و المآل . بعد مرور الشهور  رن هاتفي واذ بالمتصل هو أحمد صديقي القديم منذ الصبا الذي كان يحرز في الاهداف عندما كنا نلعب . احمد : لماذا لا تمر على في محلي فلك عندي مفاجأة؟  حسنا :  سأمر عليك بعد العشاء.  أحمد : انتظرك لا تتأخر.

     قلت لنفسي هل يريد أحمد  مني ان اذهب معه في رحلة من رحلاته الكثيرة  والتي كان اخرها عندما ذهبت معه الى شرم الشيخ لمقابلة الوفد الصيني الذي يتاجر معه في بضاعته التي يبيعها في محله ام انه يريدني لمصلحة ما          له وخصوصا ان أحمد  محددا لأهدافه تحديدا واضحا ولا يتأخر في تنفيذها ولا يسمح لأحد أن يعطله عن تنفيذها .

 

       الساعة الآن التاسعة مساء ذهبت الى أحمد في محله الكبير بأحد الشوارع الرئيسة في المدينة و الترحاب باديا علي وجهه من بعيد  . أحمد : مرحبا بك يا هاني . و لم يتأخر في مفاتحتي برغبته ان اعمل معه في هذا المحل  وسبب ذلك أن  التحول الرقمي للبيع والشراء على الأجهزة الحديثة لا يجيده العمال القدامى  . أحمد : اريدك ان تعمل معي وفي اثناء عملك معي تدرب كل هذه العمالة على استخدام التقنية الحديثة للأجهزة في البيع والشراء وادارة برامج المحاسبة للجرد الشهري و السنوي والعجز والزيادة ورواتب العاملين في المحل .  لم اتردد للحظة في قبول العمل فهو صديقي من ناحية و هذا عمل أظنه مناسبا لي من ناحية أخري و الاهم ان الفراغ يملأ قلبي و اريد شيئا ما افرغ  فيه  همي و طاقتي  ؛ قبلت على الفور , وخاصة اني سأعمل مع صديقي العزيز فلن اجد صعوبة في التعامل معه ولا اظنه سيعاملني معاملة مرؤوس عند رئيس أو هكذا ظننت في البداية .

     بدأت العمل من صبيحة ثاني يوم مباشرة , وبعد حوالي سبع ساعات اشتقت لسماع صوت قطار الرابعة مساء فأنا لست علي وسادتي في غرفتي وسط  بيتي  وكأن صوت ذلك القطار اصبح إدمانا لمادة  تجري في دمي , ولكن لا يهم فأنا الان مشغول في العمل  ادرب مدير المحل وادرب العاملين به على البيع والشراء بالأجهزة الحديثة  وألقى معاملة حسنة من صديقي أحمد  الذي كان يشجعني ويجزل لي العطاء,  لم اشعر للحظة انني أعمل في محل كأجير أو لأني لم اعتاد ان يتسلل الي قلبي مثل هذا الاحساس ؛ فقلبي مازال بكرا في الحياة لم يجرب من الناس غير أبي و أمي و لم أتفنن في صنعة من الصناعات ولم أتحمل مسؤوليات كبيرة تثقل معها خبراتي فقط شهادتي هي ما تثبت اني متعلم .

      كنت اجتهد في العمل  اجتهادا لضميري واجتهادا  آخر لصديقي ؛ فعنيت بإدارة المحل أيما عناية ولك أن تتخيل مدي تعبي ؛ فكل شيء أفعله هو أول مرة لي ؛ أدقق و أجرب و أنظر . ليست لدي تلك الاحترافية التي تغنيني عن بذل مجهود مضاعف ولكن علي أية حال  اهتممت بتعليم الاخرين وتدريبهم واصلاح اخطائهم حتى لا يخسر المحل جنيها واحدا وكنت أراجع كل العمليات الحسابية التي كان يعملها العاملون داخل المحل , لدي شعور بالسعادة الخفية لاني لست نائما في البيت انتظر صوت ذلك القطار ولدي احساس آخر بعدم الأريحية في طبيعة عملي هل تتخيل معي شخصا بالغا ينام في سرير أطفال هو نائم و مستلقي لكنها ليست النومة المريحة التي تعيد اليك نشاطك ,  اذا هي نومة مؤقتة حتي أبحث عن قالب مناسب لي يسعني وأشعر معه بانعدام الشتات .

      ولكن حتي سعادتي المؤقتة تلك لم تدم طويلا ؛ فبينما انا اعطي تعليماتي للعمال حتي يكون العمل في اتساق واحد يأتي صديقي أحمد  عفوا يأتي صاحب المحل ويهدم تعليماتي فيما أنا مكلف به وكأني غير موجود حدث هذا مرة وتكرر مره فضاق صدري بالإضافة الي  ان أحمد  كان يضحك دائما في وجهي  ضحكة تاجر له غاية وهدف يريد احرازه بأية طريقة وأظنه نجح في احراز هدفه مثلما كان يفعل سابقا في ملعب الارض الفضاء .  اين هذه البشاشة في انفاذ القرارات ؛ لقد وكل الى امر لا استطيع الاعتناء به ,  فبعدما دربت كل العمال علي حسن استخدام التكنولوجيا الحديثة في البيع والشراء شعرت بان مهمتي  انتهت او ان أحمد يريد انهائها فقد مر  ثلاثة اشهر  و أنا أتقاضي مبلغا كبيرا  , ربما يريد انهاء عملي فقررت أن افاتح أحمد في أني أريد  ان أعفي من مسئوليتي في المحل والعجيب ان أحمد  لم يتردد في قبول استقالتي و داعبني قائلا ربما تريد ان تذهب لاحدي الشركات الكبرى اعلم انك مجتهد ذو خبرة في هذا المجال ولا اريد ان افوت عليك الفرصة.  بهذه الجملة انهيت عملي في المحل .

 

    استيقظت على صوت قطار الساعة الرابعة مساء ,  لم يتخلف القطار يوما وكأنه شيء ثابت في حياتي وكأن حياتي قد ارتبطت بهذا القطار و ان بعدت عنه فتره وجيزة اعود إليه .  رن هاتفي مجددا فاذا هو صديقي جمال  فهو ايضا كان يلعب معنا كرة القدم في تلك الارض الفضاء وهو في هذا الاتصال يدعوني  للعب معه في ذلك النادي الكبير المقام على تلك الارض الفضاء وكنت اتمتع في هذه اللحظة بلياقه عالية لأني ومنذ  ثلاثة اشهر اقطع  الى محل صديقي أحمد يوميا أربع كيلو مترات ذهابا وايابا مما ابقاني في قوه وعافية , تقبلت  هذا التحدي مع صديقي وسألته عن الموعد فقال اليوم الساعة الثامنة مساء  .  لعبت كرة قدم من جديد و عندما ذهبت وجدت فريق متكامل به من عرفته وبه من لم اعرف , وجدت نفسي ألعب في وسط  الملعب , تخليت عن حراسة المرمي واذ بي استطيع مراوغة الخصم ببراعة واتقان وفن .

 

تذكرت  طفولتي وانا ارفض اللعب في وسط الملعب لأني لم اكن اثق في نفسي ولا أثق في  قدرتي علي مراوغة اللاعبين . ولكن اليوم وبعد مرور تلك السنوات وتغير الفكر وتغير المواقف وتلك اللياقة التي أتمتع بها قررت ان العب في وسط الملعب لمراوغة اللاعبين , و اليكم المفاجأة لعبت واستمتعت و احرزت كثيرا من الاهداف وسط تعجب زميلي خالد فهو يعرفني منذ الصغر ؛ كيف لي أن العب بهذه المهارة ؛ ربما فقط كان ينقصني الثقة ولا تنقصني الامكانيات هل هذا حقا حالي في هذه الدنيا أيضا  ام انه  فقط في كره القدم ؟ عدت الي بيتي وبت ليلتي تلك منشغلا بأمر هذه المباراة كيف تطور حالي و لعبي ولم تتطور شخصيتي ومهاراتي وتذكرت شيئا مهما ؛ فعندما كنت صغيرا ورغم خوفي من صوت القطار وانتظاره برهبة كنت لا أسمعه ولا انتبه اليه وهو مار بقربي  ؛ وذلك لأن تركيزي العقلي و الجسدي  الفائق علي تفاصيل المباراة منع قلبي من الخوف ومنع اذناي من السمع . هل لهذا الامر حقيقة فقررت ان ابحث عن مثل هذا الامر في الشبكة العنكبوتية واغرب واطرف ما قرأته في هذا الامر ان مطعما ايطاليا يفد اليه السائحون من كل انحاء العالم ورغم ارتفاع سعر الوجبة به الا انك مضطر للحجز بالشهور مقدما حتي تحصل علي وجبتك في هذا المطعم وبعد كل هذا الانتظار ويحين دورك تأتيك وجبة غريبة الاطوار مكونة من طبق واحد كبير ابيض بلا الوان او زخارف وليس به الا عدد ست حبات معكرونة الحبة الواحدة علي هيئة صدف البحر محشوة لحما طبخ بطريقة مميزة ولون حبة المعكرونة مميز وفقط عدد ست حبات من المعكرونة لتأكله فيدفعك قلة عدد الحبات وعدم وجود الوان اخري غير الابيض في هذا الطبق الكبير الي تأمل المعكرونة جيدا مدققا علي تفاصيلها و تقدير قيمتها قبل الأكل وأثناء الأكل فانك تستشعر طعما لا يوصف فقد تهيأت جوارحك للتذوق وتهيأ قلبك للاستمتاع وفرغ ذهنك من سوي هذه الست حبات من المعكرونة في ظاهرة تسمي less is more  وهي تعظيم المتاح و التركيز الشديد عليه ؛ تنتج لك نتائج مبهرة علي عكس التشتت و العجلة في الامور ولكن ما علاقة كل هذا بي ؟ ……  

 

 

   استنتجت من تلك الظاهرة ان شخصيتي لم تكن مناسبة للنجاح في الحياة فمعرفة شيئا نظريا دون ممارسته ثم طلب النجاح فيه كمن ينتظر اللبن من ثور البقر ؛ فحياتي مجرد تفكير و أوهام فقط أفكر و أفكر في كل شيء , شتات علي شتات أقيس نفسي مناسبا للمجال كذا وكذا عن بعد دون ممارسة فكثيرة هي الافكار وكثير هو الوهم , لم أركز علي شئ  ثابت الا في مرة او مرتين ولفترة قليلة جدا , نعم استفدت من تلك التجربتين , واكثر ما استفدت منهما اني لا اصلح لهذين العملين بيقين فاليقين ليس فقط ان تعلم ولكن احيانا يكون اليقين في النفي ابلغ .

 

    مرت الايام والليالي وانا على نفس حالي , والقطار يمر يوميا الساعة الرابعة مساء , تمكنت تقريبا من ممارسة التواصل الاجتماعي وانا في مكاني على جميع المنصات الاجتماعية,  وذات يوم وصلتني رساله من صديقي توم من المملكة المتحدة يريدني ان اعلمه اللغة العربية؛  فردت عليه ساخرا انا فقط  اتحدث العربية ولكني لا استطيع ان اعلمها لك . حزن توم حزنا شديدا لان من شروط قبوله في جامعته التي يريد الالتحاق بها تعلمه للغة اجنبية وقد اختار اللغة العربية لمعرفته بي سابقا . وقعت في حيرة من امري . هل اتخلى عنه فهو صديقي منذ 3 سنوات ام ابدأ في تعليمه وبذل ما يمكنني بذله من مجهود معه ؟  فقررت ان ابدأ في تعليمه ولا اخفيكم سرا عن تلك الحماسة والسعادة التي وجدتهما كلما كان يتعلم حرفا جديدا وصلت معه الي تعلم الحروف ثم تركيبها ليكون كلمة ثم تعلم كلمات كثيرة ليكون جملا وهكذا … شعرت أثناء تعليمة اللغة وكأن ابنا لي يكبر رويدا رويدا أمام ناظري ما أجملها و ما أعظمها من مهنة ! , لم اكتفي بالممارسة بل وجدت نفسي انساق وراء نزواتي في دراسة      ( تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها  ) وطرق تدريسها وعلمت كثيرا من زملاء توم اللغة العربية عن بعد بل افتتحت في القاهرة مركزا خاصا بي يعتني بتعليم الطلاب الاجانب اللغة العربية لتأهيلهم للجامعات المصرية و العربية والعالمية وأيضا لتدريب معلمي اللغة العربية علي تعليمها لغير الناطقين بها , وما هي الا سنوات قليلة حتي حصلت علي درجة الماجيستير في هذا الفن , ولكن هل لي أن أتساءل عن حبي المفاجئ للغة العربية ؟ في الحقيقة هو ليس حبا مفاجئ بل هواية قديمة كنت قد أهملتها ونسيتها ولكن لم تنساني هي رغم ذلك فبمجرد مروري عليها أثناء تعليمي لتوم احتضنتني بعد غياب و رفضت تركي بعدها أبدا وسط ترحيبي بها وانجذابي اليها . فلا أنسي تلك الايام التي كنت احضر فيها أمسيات شعرية مع زملائي من قسم اللغة العربية رغم اني طالب في قسم الرياضيات , تلك اللحظات التي كانت تطرق سمعي  فيها الابيات الشعرية التي كنت اسمعها من دكتور اللغة العربية ومن زملائي , كنت اتصورها وكأني  اشاهد مشهدا  حيا أمامي لا فقط كلمات و لم أكن انتبه أن هذا المجال وهذه اللغة هي ملجأي من الدنيا  , وها انا اليوم وبعد عشر سنوات في هذا المجال أعمل  أستاذا في جامعه أمريكية بقسم تعليم اللغات الأجنبية لغير الناطقين بها وقد تخرج على يدي اكثر من 1000 طالب يشغلون الان مناصب كبري في بلادهم وفي سفارتهم فجميل أن تري غرسك قد كبر و خرجت ثمرته وانتفع بها الناس  .

       بحثت  عن ذاتي فوجدتها في غير ما كنت اعلم , وجدتها في العطاء , وجدتها في تلك المهمة أن تجعل لسانا أعجميا يلين للحروف العربية وكأنك تعمل حرفيا في تشكيل المعادن ؛ تطوعها لترسم بها ما تشاء ؛ بحثت عن نفسي كثيرا يمينا ويسارا ولكني لم ابحث عن ذاتي بداخلي ,  لم اتذوق طعم لساني كنت أحدث الناس كثيرا وأكتب كثيرا بلغة هي كنز ولم أكن أعلم جودتها و نفاستها لأني وقتها أعتدت أن أكون فقط حارسا للمرمي و مستمعا لصوت قطار أما اليوم فأحرز الأهداف وأسافر بالقطار بدلا من مجرد سماع صوته وقت استيقاظي في الساعة الرابعة مساء تلك الساعة التي جعلتها موعدا ثابتا لبدء محاضراتي اليومية في مركزي الذي أنشأته تحت اسم ” مركز الرابعة مساء ”  لتعلم اللغة العربية للناطقين بغيرها .

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: