الرئيسية / قصص / أعشاش العصافير – حلفاوي محمد

أعشاش العصافير – حلفاوي محمد

 

 

الذاكرة خليل الإنسان في حياته ،يصيبه ما يصيبها من هموم ، وأقراح وأفراح ومتغيرات. فينحت الزمن فيها بصماته الخشنة .توقظها الأيام بين الفينة والأخرى فتلبسها لباس العروس، أو لباس شؤم يجعل إستعادتها تعكيرا وحكرا للذهن والنفوس.

وقد تنسى ويلبدها الدهر بطوله ولياليه،فلا تسمع لها خريرا في سيلها الجارف حتى قد قيل عنها : (ناقوس يدق في عالم النسيان) .هذا العالم الذي لم ينس قصتي مع أعشاش العصافير،خصوصا وأنها ترتبط ارتباطا حساس مع شخصية عزيزة على قلبي وذاكرتي.

كانت أمي وما أدراك ما أمي ،حين غاب أبي وقسى قلبه كالحجارة، تسعى بضعفها لكسب القوت ،ومصارعة مرارة الزمن ، فتنهشها  الهموم كالكلب الضاري تسترجل لتواكب عالم الرجال فيدفعها دفعا يطيح بقواها ، وستتأنث لأجلنا فلا تطيق ذلك ، فهي كالمعلق من عرقوبه أمام هذه الصراعات النفسية، ونظرة المجتمع القاسية اليها   …

توقظنا باكرا ، أنا وأختي ، تلبسنا ، تغسل لنا ، تطعمنا بسرعة، ونحن نتناعس نتقاعس …

(هيا يا أحبائي) (هيا يا عمري).

كلمات كلها عسل وحنان، يتبعها ما هو أسوء وأمر وأدهى.

(سوف تبقون عند خالتي الزهرة وفي المساء أغدقكم بالحلويات)

خالتي الزهرة  كابوس نشأنا في أحضانه، لا يطلب من أمي إلا مقابل شهري إزاء تلك الممارسات السيئة والقهر واللاحنان والتمييز بيننا وبين أبنائها ، تنثر عليهم كل ماهو حلو على حساب راحتنا وفرحنا حتى ألعابنا من نصيبهم كل الوقت.

تمضي السويعات ببطء تعتصر الملل والمأساة والغبن ، حتى يحين زمن الساعة الربعة والنصف ، ونادى جرس الباب ، فرحنا بعودة امي فأهرول أنا نحوها بسرعة وتمارس اختى طقوس إستقبال من نوع خاص إذ تبقى تدور في ارجاء البيت وتصيح ماما جاءت كلما تذكرت هذا الطقس لم أفهم سببه،رغم أن خالتي الزهرة عادة ما تفسره بتمتمتها (عائلة مجانين)

قد يكون ضربا من الجنون لكن عودة أمي كانت كالغيث حين يسقط على الأرض القاحلة.

نخبرها ، نعاتبها ، ونشكيها .لكن دون جدوى  ليس هناك سبيل أخر ، تطلب صبرا والصبر أكبر وأعظم من الأطفال ، كان مصيري أرحم من مصير أختي ، حين طرقت أبواب المدرسة لأول مرة في سن السادسة ، فقد كانت فضاءا وعالما أكسبني أصدقاء وإنشغالات جديدة جعلتني أنسى وجود فكرة أم ثانية بلباس القسوة والمرارة.

هذا الفضاء لم يدم طويلا إذ جائت العطلة ككابوس في أطراف حلم جميل .فانتابني جنون وعصبية جعلتني أفقد صواب ورشد الطفولة .أبكي بصوت عال وأضرب الطاولة بهستيريا فائقة .

(لن أذهب إلى بيت هذه الشريرة)

(دعيني وحدي أنا أكرهك).

(أبقي وحدي في المنزل أنا كبير).

( لا سوف لن يرتاح لي بال).

كنت أسبب لأمي مشكلة حقيقية ، حتى إذا تعنت رأيي ،بكت بكاءا  يخرج عذاب سنين ، فابكي وتبكي أختي .

رحمة بأمي أذهب عند الشريرة .

أجلس على كرسي ، لا لعب، لا أكل، لا كلام .فاسمعها بين الفينة والأخرى .

(من شاء أن يغضب فليغضب عند أمه)

(فليبحث له عن أم ماكثة في البيت).

عادت أمي كعادتها في مساءها ، دخلنا وكرنا ننتظر الليل لنتعشى ، وأجلستنا أمنا مقابل التلفاز ووضعت أمامنا المكسرات ، أتأمل حصة عن العصافير ، فالأم تجلب الأكل ، ولن تغيب طويلا بل هنيهة حتى تكون أمام فلذات أكبادها.

لم أكن اعلم أن حياة بني البشر ، أصعب وأدهى وأمر من حياة الحيوان.

أناديها لأخبرها دون قصد، في طياته الكثير من العتاب والسخط.

(أنظري ، حتى أمهات العصافيرلا تترك صغارها عند أخرى ن ولن تغيب كثيرا)

كان هذا الكلام أكبر من سني ، وقاس على أمي ، بل كطعن سكين على قلبها المنكسر ، وجبر القلوب صعب، سأجمع كل أعذار الدنيا ولن تكفي ، لأني فعلا كسرت قلبها الطيب.

فستجبر مرة أخرى على إيجاد إجابة تطمئن بها قلبي الرهيف.

(هي عصافير وأبنائي أجمل من العصافير ، فهي لا تطلب أكلا ولعبا غالية مثلكم ،أنظر إلى بيتها هل يحميها من المطر والبرد .عيشكم يا بني تحلم به كل الحيوانات ليس فقط العصافير)

(أتعلم لما لا تغيب عنهم أمهم كثيرا، لأنهم سرعان ما يكبرون ويعتمدون على أنفسهم ، ليغيبو عنها مدى الحياة).

ثم تغير مجرى الحديث وهي تكتم وتتألم ن لتنسينا موضوع الأعشاش وتطرق أخر تتعلق به أفكارنا الهشة.

لتختم بمقولتها الشهيرة:(ستكبر وتفهم كل شيء).

عندما كبرت لم أفهم شيء ، بل حملت كل الشيء لوالدي، لأن أمي المسكينة لا ذنب لها فقط لأجلنا جمعت بين المتناقضين  الأبوة والأمومة.

ومازالت الأيام تدور ، ويعزف لحنها ، وتركض جيادها على سرح الدهر ،وأرض الدنيا  فتمتلئ جيوبها بالصور الجميلة تارة وبالصور المزعجة تارة أخرى.

فتبقى وتبقى صورة أمي رحمها الله ، في عرش ذاكرتي ،مشرقة ، واضحة مزدهرة ، طاهرة إلى الأبد.

 

حلفاوي محمد  –  الجزائر

 

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: