الرئيسية / دراسات / تمظهر الشخصية في القصة القصيرة جدا – للقاص : نصر الله عويمرات – بقلم: د/ هداية مرزق

تمظهر الشخصية في القصة القصيرة جدا – للقاص : نصر الله عويمرات – بقلم: د/ هداية مرزق

تمظهرالشخصية في القصة القصيرة جدا
    قراءة في قصة: ابتسامة
    للقاص : نصر الله عويمرات
    بقلم: د/ هداية مرزق
    جامعة سطيف2 – الجزائر
    اولا : القصة:
    ابتسامة
    سنّان في فمه تجعلانه يبدو مبتسما وهو غير ذلك
    كنت اذا قابلته ابتسم ظنّا مني أنه يبتسم
    فأجده غير ذلك ..
    في عزاء والدته كدت ابتسم
    لولا تعثري بحبل خيمة العزاء ..
    ثانيا: الدراسة
    يظل الكاتب /الفنان في رحلة بحث عن الشخصية الملائمة لحمل افكاره ، محاولا اثناء رسمها ان يحشد عبرها مجموعة من القيم والعناصر الفنية ، والملامح السلوكية والنفسية التي يراها مناسبة للتعبير عن واقع في مجتمعه، شخصية حقيقية يعرفها لكنه يعيد صياغتها من جديد لتبدو اكثر قدرة على حمل رؤاه، عرفها او سمع عنها ، او مزجها بشخصية ثانية ليكتمل الرسم، وتنسجم الشخصية مع الفكرة المعبر عنها، وقد اعتمد الاستاذ نصر الله عويمرات في رسم شخصيته على مظهر فيزيولوجي متميز يحيل على رؤية خاصة، فالشخصية عنده تعرف بخصوصية في وجهها تميزها (سنّان في فمه تجعلانه يبدو مبتسما وهو غير ذلك ) لتشكل “بؤرة مركزية لا يمكن تجاوزها، او تجاوز مركزيتها”،فالقصة على قصرها قد جعلت من السنين صفة لصيقة دالة على الشخصية المبتكرة ، سمة تتجاوز الفرد وتتضمنه في الان نفسه، ولان الشخصية تعد احد اهم المكونات السردية في القصة القصيرة، فهي التي “تقوم بتحريك الحدث، وتفعيله وحمل مقولته وتوكيد حضوره ” كان لا بد من الاهتمام بمظهر يجعلها متميزة ومدهشة لا تمر على القارئ دون ان تسجل وجودها، فيتوقف عندها متأملا متسائلا ماذا اراد الكاتب من توقفه عند هذه الشخصية بشكلها المبهر( سنان فقط في فمها) تجعل منها شخصية علامية تعبر عن رؤية… وهو لا يكتفي بالجملة الاستهلالية الدالة المميزة للشخصية المبتسمة باستمرار ودون قصد، لان غياب الاسنان يوحي بذلك فيقول:
    كنت اذا قابلته ابتسم ظنّا مني أنه يبتسم
    فأجده غير ذلك ..
    حيث تتمظهر حساسية التشكيل الشخصي من خلال هذه الصورة التي يصر القاص على رسمها لشخصيته/المحرك الفعلي للقصة، وقد استطاع بذلك ان يجذب اهتمام القارئ ؛ بل ويدهشه ويحمله على تتبع مسار الشخصية… ولان القصة قصيرة جدا، يبدو هذا التمظهر الشخصي مثيرا وفاعلا ودالا، “اذ تتمثل الاحداث صورة الشخصية وتكونها على هذا الشكل، وتعبئ المحتوى الدلالي لها بطاقة تعبيرية علامية عميقة ” تنعكس على الحدث الاخير ( العزاء):(في عزاء والدته كدت ابتسم)، مصرا على خلق المفارقة التصويرية بين الشكل الخارجي للشخصية، وتأثيرها على من حولها، لتبدو مبتسمة باستمرار/وبالتالي سعيدة هانئة في عيشها، رغم ان وجود سنين فقط في الفم يحيل على اكثر من دلالة، قد تكون اجتماعية / الفقر والعوز الى درجة انه لا يستطيع ان يرمم اسنانه او يركب فما جديدا ليبدو في هيئة افضل، او نفسيا /حالة مرضية/بهلول مثلا.. او فنية مقصودة لاثارة القارئ،
ولتكون عنصر غواية له لتتبع مسار السرد لكنها في الاخير تتضاءل وتتلاشى امام حدث السقوط، وكأنها لا تمثل الا حدثا عابرا من اجل تفعيل القص، ما يجعلها علامة ظاهرة/ضائعة وسط مكان وزمان ضاغط قاهر ، انتهى وجودها بموت/عزاء والدتها، واظنه مقصودا ايضا على النحو الذي يجيب عن اسئلة العنوان ( ابتسامة) في تركيبته اللغوية ( لفظة مفردة نكرة)، وكأنها مجرد ابتسامة لا توحي بشيئ، ولا تدل على احساس خاص، حيث تميل القصة الى المفارقة الساخرة في التعبير عن الفكرة، واذا بالشخصية مجرد رقم من الارقام الضائعة في واقع لا يعترف الا بالمظاهر والشكليات، في صورة تتجسد فيها علامات “الغربة والضياع واللاجدوى”…

شاهد أيضاً

شريف صبحي ماضي

قدرٌ  بلا معنى – سامر ادوارد

      خرج الطفل الصغير, ذو الستة أعوام، أسمر البشرة نحيف القوام تنتشر الندوب …

فراس حج محمد

الرجال ما زالوا في الشمس – فراس حج محمد/ فلسطين

بعد مرور 48 عاما على اغتيال غسان كنفاني   تحيل رواية غسان كنفاني “رجال في …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: