الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 49 – شهيد البئر – نهى أحمد

القصة 49 – شهيد البئر – نهى أحمد

.

اليوم الأول:

خمسة أمتار تحت الأرض، دقات قلبي مضطربة بشدة بسبب الهلع، و بالكاد أستطيع رؤية

شيء آخر غير دائرة الضوء من المكان الذي وقعت منه في هذه الماسورة الضيقة. أحاول التقاط أنفاسي

لكن شح الهواء هنا لا يساعد. العرق البارد الذي يتصبب مني يزيد الأمر سوء، الألم يعتصرني، تحريك

يديّ شبه مستحيل. كل ما أستطيع فعله هو الصراخ و طلب النجدة بما يمكنني التقاطه من هواء، و إلى الحد الذي تستطيع أعصابي احتماله. أصرخ، أطلب النجدة، أنادي كل من أعرف بأعلى صوتي. الشمس على وشك أن تغرب، و رأسي يكاد ينفجر من الصراخ، أحاول التقاط كل ما يمكنني الحصول عليه من الهواء و مع ذلك أشعر أن رئتيّ منكمشتان و أن صدري مملوء بشيء ثقيل جدا…. يبدو أن أحد الأطفال سمع صراخي أخيرا، الحمد لله.. الحمد لله.. أسمع صوت أحدهم.. أصرخ مجددا.. أخي.. هذا أخي، أستطيع سماعه يناديني فأناديه بدوري..

يناديني:” عياش خويا.. عياش هل تسمعني؟ سأعود لك في أقرب وقت و أخرجك من هنا”

شعرت كأن الروح بُثت فيّ مجددا، صوت أخي ملأني أملا…

 

اليوم الثاني:

أسمع جلبة حول البئر طوال الليل لكنني لا أدري ما الذي يحدث هناك. التنفس يصبح أصعب مع الوقت، و من الصعب أن أشعر بالجوع أو بالدوار من عدم النوم طيلة الليل مع هذه الماسورة التي تضغط على جسدي بشدة حتى فقدت الإحساس به، لكن أجفاني صارت ثقيلة و عيناي تكادان تخرجان من محجريهما، و أشعر كأن عقلي مغلق، و على الرغم من أن جسمي يتصبب عرقا إلا أنني أشعر بالجفاف في حلقي، و لم يكن العطش ليكون مشكلة الآن، خاصة أن الجو بارد و أن الرطوبة عالية هنا، لولا الصراخ المتواصل الذي جعلني أفقد الإحساس بحلقي أيضا. أحدهم رمى حبلا فحاولت أن أتشبث به إلا أن المكان ضيق جدا و قوة الجذب كانت لتقطعني إلى نصفين فتركت الحبل. ستصل الجهات المختصة في أقرب وقت و سينتشلونني من هنا لا محالة. علي فقط أن أصبر، مازال هناك أمل…

اليوم الثالث:

فقدت الشعور بحواسي، أستطيع سماع صوت آلات الحفر و الكثير من الأصوات الأخرى، يبدو أن الكثير من الناس قد احتشدوا هناك لإخراجي لكنني مازلت هنا. أستطيع تمييز صوت أخي لكن لا يمكنني فهم ما يقوله.

أي أخي.. أي حبيبي.. أول أمس كنا أنا و أنت نرعى أغنامنا في هذه الأرض، هذه الأرض كانت مصدر رزقنا منذ نُفخت فينا الروح، لم أتخيل يوما أنها ستكون مصدر هلاكي أيضا. كنت تنفخ في نايك تحت الشجرة و تصنع ألحانا تعزف على أوتار قلبي، تفتح شهيتي لأحلم. أحلم بحياة لم أعشها بعد و صبية لم أتزوجها بعد. أتذكر أيام كنت أؤدي الخدمة العسكرية، واجبي نحو هذه الأرض التي تبتلعني الآن. و أدركت أن لا فرق بين هذه الحفرة التي انتهيت إليها، و الحفرة التي كنت فيها على كل حال. هذه الحفرة تشبه الواقع؛ هوة عميقة مظلمة و موحشة، و هناك دائما ضوء فوق رؤوسنا يشبه الأمل، يبدو قريبا جدا لكننا لن نستطيع الوصول إليه أبدا…

اليوم الرابع:

هل لازلت حيا أم لا؟ لست أدري. فقدت الإحساس بالحياة أيضا. لم يعد مهما الآن إن خرجت أم لم أخرج. أنا رقم من بين ملايين الأرقام، و الروح بداخل هذا الرقم لا تبدو مهمة جدا لأولئك الذين في الخارج. الآن أريد فقط أن ألفظ روحي لأحررها من هذا الجسد. هذا الجسد تعفن هنا و هذه الروح أغلى من أن تعود للواقع الذي رماها هنا.

أي أخي.. يا ابن أم، أتمنى أن تخرج من الحفرة التي أنت عالق فيها أيضا. ما معنى كل هذا؟ ما معنى أن تكون نهايتي هنا؟ لست في وضع يساعدني على التفكير في كل هذا، لكن من بالخارج لازالوا يفكرون و سيكتشفون معنى كل هذا. ستنشر الجرائد أسباب وفاتي، ستقول أنني متت جوعا أو عطشا أو اختناقا، ستقول أن المياه الباطنية غمرتني فمتت غرقا. لكن كل ذلك مجرد هراء. أنا فقط غمرني اليأس. أنا متت طواعية، سرّحت روحي خوفا من أن تعيدوني للحفرة الأكبر التي كنت فيها، الحفرة التي لن يحاول أحد إخراجي منها.

اصعدي الآن أيتها الروح و أريحيني، و قبل أن تصعدي للسماء العني كل الحفر الضيقة في العالم. أشعر بالنعاس بشكل لذيذ، لا أحاول المقاومة، لأول مرة أرى العدم ماثلا أمامي، أغرق في مكان ما شيئا فشيئا.. إذن هذا.. هو الموت…

 

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

تعليق واحد

  1. لا اجد كلمة توصف ابداعك راااااائعة انتي واحساسك في الكتابة جميل جدااا اتمنى لك توفيق عزيزتي نهر

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: