الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 8 – أبناء عبد المال – حلفاوي محمد

القصة 8 – أبناء عبد المال – حلفاوي محمد

 

يوم جديد ،صباح تشرق به النفوس راجية رضى ربها ، نبضة أخرى من نبضات الحياة، تشرق مع أول نسمة تبعثها رموش العين ، وأنفاس الصباح.فأستيقظ وقد سكن البنفسج قلبي الهادئ، الذي ودع دقات جميلة  من دقات العمر،وداع الكريم للضيف العزيز. فيرسل الأمل تباشير الطمأنينة والسلام، لألبي ما ألفته وشبت عليه من صلاة وعبادة .ثم أستقبل بيد مصافحة عملي الذي لا يختلف عن إخوته ، في الأيام الماضية.

نبدأه بالإستقبال والتوجيه ، نفتح مكاتبنا لننشغل بشؤون العامة ، فأرسم صورة  لهذه الأخيرة كأعشاش العصافير ، حين تطعم الأم أبناءها ، كل يمد يده ، ويشغل فاه بالكلام والعتاب حتى إذا أخذ أوراقه إنصرف دون رجعة ، مجتمع يعيش مع القلق وأناس ترافقهم السرعة ليلا ونهارا.

أحببت في مهنتي أصدقائي ، نكمل بعضنا البعض في كل شيء، حتى لا يعلم أمر الغائب منا ، وأمر سارق السويعات، التي نخطفها لقضاء حوائج المنزل، كلنا واحد كبيرنا صغيرنا مديرنا ، رئيس مصلحتنا ، حارسنا…

الكل منهمك انهماكا، بينما يخرج محمود كالبرق من مكتبه أسكت الجميع وبدد سحب الإنهاك، ليقف رئيس المصلحة في وسط الرواق. فنلتف حوله نستفسر ونستعلم …كم نتلذذ بهذا الاستفسار.

(لا حول ولا قوة إلا بالله، لقد توفي والده فجأة).

(إسمعوا سنذهب نحن الأربعة لمساعدته، فلان وفلان وفلان، وحين الظهيرة سيذهب البقية).

وقد خصني بالذكر ، وضمني إلى فرقة المساعدة.

كنت أحسب ذهابنا بالسيارات، لكن قيل لي أن المنزل قريب من هنا .ماهي إلا دقائق حتى وصلنا مدخله الجميل المزخرف ، وأمامه بعض المعزين .منزل يخطف الأنظار بني من أول الشارع  حتى نهايته ، طول وعلو وفخامة ،وألوان وألواح ومحلات تبيع كل شيء إذ لا يعقل أن يكون منزل موظف ، وخلاصة الأمر ان صاحب هذا الروض ، رجل فاحش الثراء.

همس صديقي في أذني قائلا:

(لا تذهل ياصديقي هذا فعلا منزل المرحوم والد محمود).

هممنا لبناء خيمة ، نستقبل فيها جموع المعزين، بدأناها بإيقاف الأعمدة الحديدية، حتى توقفت أمامنا شاحنة بها أثاث منزلي فاخر، يمتطيها رجل ضخم ، تتبعها سيارة بها ثلاثة شبان يهاب الريح مس صدورهم ، نزلوا بسرعة وبدأوا يدخلون الأثاث، دون أي تحية أو كلام أو سلام.

همس صديقي في أذني للمرة الثانية قائلا:

(هذا إبنه الأكبر ، كان المرحوم قد طرده وأبناءه من السكن ، فلنعزهم)

توجهنا إليهم ، لنقدم  العزاء وصديقي محمود منهمك مع الدموع و إستقبال المعزين.

بعد هنيهة ،تتوقف شاحنة أخرى والشيء نفسه.

يهمس صديقي في أذني للمرة الثالثة قائلا:

(هذا ابن أخر، كان المرحوم قد طرده وابناءه من السكن ، فلنعزهم).

قلت في نفسي : (ما هذه الجنازة الغريبة، لما لا ينشغل أبناءه في لقاء المعزين ، ولما لا يبدو  عليهم الحزن ).

يتقدم صاحب البنية العظيمة ، ويصرخ في وجه محمود.

(أيها الإنتهازي أين مفاتيح مرأب السيارات). وإذ بمحمود يفقد أعصابه ، ويضرب أخوه بالعمود الحديدي ، سبحان الله كأنما الكل كان جاهز، العصي الأعمدة الحديدية .حرب بين الأهل يسمع لها قرع عظيم وهول كبير .حاولنا جاهدين فضها ولولا تدخل الجيران ، والمصلحين والمارة ونواح العم الأكبر .

(إكرام الميت دفنه)

(ادفنوا أبوكم ، مذا فعلت يا أخي في دنياك).

وهدأ الوضع وعادت المياه إلى مجاريها ، بعد أن أبعدت أخر شرارة ،وهو إبن الأخ  الذي ظل يصيح في وجه محمود (سأقتلك ، سأقتلك )والجماعة تمسكه من يده ورجليه وتدخله السيارة .

  • طلبت من رئيس المصلحة العودة إلى عملي ، لأن معطفي تقطع ويدي تِؤلمني ، فقد تلقيت ضربة عنيفة عن طريق الخطأ.

(إصبر دقائق معدودات، سنعود كلنا، لا تندهش هذه الأمور ألفناها، الحمد لله أننا هنا، لولانا لحدثت كارثة أكبر).

جلست على الكرسي أدعك يدي ،وأتحسس إن كان بها كسر، أم مجرد ألم وأدعو الله أن يحفظها لمسك القلم ، أمامي شؤون ناس وعدتهم بقضائها.

فجأة. تتوقف سيارة فاخرة ، تنزل منها إ مرأة تلطم ، وتبكي ، تتجه مسرعة إلى البيت، ثم رجل معه تنانين بشرية ، قيل لي أنها أختهم وزوجها ، وإبنيها .هنا توقف قلبي وقلت لن ، ولن أنهض من مكاني .

رأيته يتجه نحو الإخوة .

إسمعوا 🙁 المحلات الثلاث الأولى لي، من يتدخل سألحقه بأبيه)

…دفع به إلى الأرض، ينهض مسرعا إلى صندوق سيارته  وناول أبناءه تلك العصي المستعملة في لعبة ” البايزبول” ، كأن الرجل قد جهزنفسه  للشجارمسبقا  ، لا للعزاء .وهنا تبدأ المعركة الثانية الأشد ضراوة وشراسة ، رأيت ما هو أغرب ،وأدهى وأمر .

–  نساء في النوافذ، تمطرنا بالصحون والأواني، وكل ماوجد في المنزل.

-لصوص تنتهز الفرصة لتسرق،أين كانوا ومن أين خرجوا، محلات تقتحم ، ملابس فاخرة تنهب ، أجهزة إلكترونية تركب عل سطوح السيارات.

-رأيت رئيسي في العمل يسقط أرضا  ووجهه مخضوب بالدماء ، توجهت إليه لأنقذه ، لكن شيئا أصاب رأسي أسقطني أرضا .أحس بالدم الساخن يعبر عيني ووجنتي ليلامس رقبتي، ملقى على الأرض شبه صريع أتأمل الشرطة تفك النزاع بالعصي ، تغمض مقلتاي لتفتح في المستشفى، والإبرة توخز رأسي لتخيطهن ثم يديرون شيئا عليه ليخيطونه.لم أنطق بأي كلمة ، أتأمل يدي فأجدها مغطاة هي الأخرى بالبياض

يناولونني حقنتين ، تحرر الطبيبة وصفة طبية وشهادة راحة ، رافقتها تمتمة ساخطة على ما يحدث بعدما سألتني عن إسمي وسني .

(حمقى يتقاتلون من أجل المال).

كانت الشرطة كلما خرجت فرقة ، إلا واقتادتها الى قسمها.

أجلس ، أنتظر وأنين المكسورين والمجروحين يؤرقني ، ينادي الشرطي على الأشخاص ،تفقدت أوراقي الثبوتية وكم حمدت الله عندما وجدتها .

تقدمت أمام المحققين ، سألني الضابط إن كنت من الورثة.

قلت: (ياسيدي يقال : عرس تحول إلى مأتم ومأتم تحول الى مذا؟… إذا لم نعتبر من الموت فمما سنعتبر؟…أنا موظف في إدارة جئت أقدم واجب العزاء  فوجدت نفسي كما ترى )

(وهل لك ما يثبت ذلك؟)

قدمت له وثائقي.

(هل تريد رفع دعوة قضائية).

(لا يا سيدي أنا رجل مسالم ، وهذا صديقي في العمل وهل سنزيد حزنا أخر؟)

( المهم اذهب واسترح ، هذا استدعاء ليوم غدا سنكمل التحقيق).

إستقبلتني زوجتي بالنواح واللطم ، بعدما طال غيابي.أدخل غرفتي أستلقي ، ليحوم حولي جيراني، يسمعون قصة ،اللفائف البيضاء التي تحيط بي ويتحسرون على الأوضاع ثم يغادرون ويتركونني .

في الصباح أسمع صوت زوجتي :

(إرفع دعوة ضدهم ، سيرثون الكثير ، نحن بحاجة إلى المال لا تنسى ذلك)

نظرت إليها نظرة إشمئزاز.

(الحمد لله الذي خلقني موظف بسيط).

رن هاتفي، صديقي في العمل.

(أين أنت)

(سامحني تأخرت قليلا ، سأوافيك إلى مركز الشرطة).

(ألم تسمع).

(مات محمود البارحة في المستشفى).(الله أكبر )

بسم الله الرحمن الرحيم (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا () وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا () )

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: