الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 7 – من أجل نصف كيلو لحم – أسامة الفرماوي

القصة 7 – من أجل نصف كيلو لحم – أسامة الفرماوي

واصل السير بخطىً متهالكة، قسمات هادئة ميَّزت وجهه المائل للسمرة. كان يرتدى حُلةً تكاد تستر بدنه النحيف. ارتعشت يده، لم يجد ما يبحث عنه، امتدت يده إلى كل مكان فى جسمه، استقرت على الجانب الأيمن. وصل إلى بيته، وضع القليل على القليل، وتوكأ على جنيهاته وذهب إلى الجزار، وقف أمام الذبيحة (اثنان .. ثلاثة .. أربعة .. قلب .. طحال) أحس أنه سيعلقه بجوار الذبيحة لو قال نصف كيلو؛ حاول مرة ومرات لم يستطع، لملم شجاعته وقالها .. ابتسم الرجل ولم يعلقه.

ارتسمت على وجهه الفرحة، تسلم الورقة، وقفت سيارة نزل منها جنود على أهبة الاستعداد، فرضوا كردوناً من أول الشارع لآخره، اتجه بعضهم نحو الجزار يتوسطهم رجل لا تبعث ملامحه على الارتياح، يرتدى قفازاً، ومعطفاً أبيض تشير أصابعه إلى الذبائح التى تنتقل فوراً إلى سيارة صغيرة. ازداد تمسكاً بورقته، وضعها تحت إبطه، جذبها منه بشدة، مقهوراً التصق بالحائط، لم تحمله قدماه، سقط على الأرض، على شفتيه صرخات مقهورة. تطايرت الكلمات من حوله:  جنون البقر، جنون البشر، الجزار، الإنسان، الحيوان. انطلقت السيارة،  راح فى غيبوبة لم يفق منها إلا فى المساء.

انتفض، حاول النهوض، لم تطاوعه قدماه، ورقة اللحم! حلم الليالى وتعب الشهور! نصحوه بتأجيل كل شىء للصباح. ماتت الكلمات على شفتين بللتهما الدموع، وجسد مازال ينتفض حتى غاب عن الوعى. تأخر فى نومه قليلاً على غير العادة، وما أن دخلت الشمس من شباك حجرته الصغير حتى نهض متمتماً ببعض العبارات، لم يقض حاجته. خرج قاصداً مكتب الصحة ودكتور مكتب الصحة الذي اغتصب حلم الليالى “تم تحويل العينات إلى الوزارة للتحليل”، سقط مغشياً عليه عندما أخبروه بالقرار، استرد وعيه، واصل الزحف إلى الوزارة. لم يتمالك الأستاذ رمزي – القابع خلف أوراق عفنه، القابض على (سندوتش) تفوح منه رائحة لا تخطئها أنف – لم يتمالك نفسه عندما شرح له صاحبنا موضوعه، تناثر الطعام من فمه، وتطايرت أوراق العباد من حركات يديه المتتالية.

جحظت عيناه وأمسك برجل كرسي قديم كانت خلفه .. شعر رمزى بخطورة موقفه، ربت على كتفه ووعده بحل مشكلته. مشى فى المكتب بالطول وبالعرض وهو يحاول كتمان فيضان الضحك الذي جرفه إلى كلمات وحركات تمثيلية:

–           وجدتها

–           ما هي؟

–           لابد من تعيينه يا سادة فى مكتب الطب الشرعي لتحليل العينات حتي يستطيع الحصول على حلمه دون أدنى تعب، ومن حسن حظه أن وزير القوى العاملة سيصل الآن. وما أن نزل السلم لاهثاً حتى وجد سيارة فارهة تقف أمام المبنى نزل منها رجل تبدو عليه سيماء العظمة، تحلَّق حوله عدد من الرجال سبقهم عدد آخر.

انطلق صاحبنا بطلبه لاهثاً، طوقته الأيدى، داسته الأقدام، لحظتها فقط قضى حاجته .. “مجنون يحاول اغتيال الوزير”؛ تعالت الأصوات، لحظات وكانت سيارة تلتقطه وتختفي به بعيداً .. بعيداً خلف الأسوار.

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: