الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 6 – كذبة سامر – عائشة بوشارب

القصة 6 – كذبة سامر – عائشة بوشارب

في صباح يوم الخميس استيقظت الأم باكرا كعادتها وقامت بإعداد فطور الصباح وقد كان طبخها لذيذا جدا فقد جهزت خبزا محمصا وجبناً وملأت الأكواب بالحليب الدافئ، استيقظ سامر من نومه بنشاط أكبر من المعتاد فقد كان هذا اليوم الأول لعطلته الدراسية، وتوجه مباشرة الى المطبخ ليتناول فطوره الذي أعدته والدته بكل حب، بعدما انتهى من الطعام غسل يداه وتوجه الى منزل صديقه المقرب زياد كي يلعبان معاً، لكن سرعان ما خاب ظنه عندما فتحت والدة صديقه الباب وقالت:

–           اهلا يا بني، يؤسفني اخبارك أن زياد اخذه والده لزيارة عمته ولن يعود قبل المساء.

ابتسم سامر معها بالرغم من الإحباط الذي داهمه وعاد بأدراجه الى المنزل حائرا فيما يفعل فلم يعتد اللعب وحده خصوصا أنه عاشقا لكرة القدم، جلس فوق الاريكة مسندا رأسه على يديه وغاص بشروده نحو الأفق، لمحت الام حالة ولدها التي لم تسرها ثم توجهت اليه وسألته قائلة بصوت دافئ:

–           خير يا سامر مالذي يشغل بالك؟

تنهد سامر متحسرا وقال بأسى:

–           لا شيء يا أمي فقط ظننت ان العطلة ستكون ممتعة.. لكن خاب ظني.

ربتت الأم على رأسه بلطف ثم ابتسمت وقالت بحماس:

–           اتعلم شيئا يا سامر هناك درس اريد منك ان تحفظه جيدا.

تأفف بتململ ثم قال بتمتمة يائسة:

–           ترينني بهذا الشكل اليائس وتطلبين مني حفظ الدروس؟ هل نسيت ان اليوم هو اول يوم في العطلة.

ضحكت معه بخفة وقالت بإصرار:

–           كلا لا تقلق أيها المتململ فدرسي لا يشبه دروس المدرسة بل اعتبره درسا يفيدك في الحياة.

صمتت قليلا ثم امسكت بيده بعدما نالت تركيزه وأكملت قائلة:

–           يجب عليك ان تتوقع الأسوء لكن لا تتشائم، تفائل خيراً لكن لا تأمل كثيراً، ارسم احلاما كبيرة ولا تخشى شيئا لأني سأقف دوماً بجانبك ولن اترك يدك أبدا.

أكملت كلامها ثم قامت من مكانها مباشرة الى الصلاة وأخذ سامر يفكر بما قالته بجدية بالغة ثم تنهد وقال بينه وبين نفسه “أمي فعلاً عميقة”.. عاد المرح الى قلبه بعدما سمع كلام امه المطمئن ونهض يلعب بالكرة بسعادة وحماس، مرر الكرة للأريكة التي كانت من نفس فريقه وأخذ ينتظر عودتها اليه بشوق كبير فيقوم برميها بقوة اكبر نحو الحائط ويصرخ بأعلى صوته “جوووول” وبعد تسجيله للهدف الرائع الذي حققه رفع الكرة عاليا بفخر وراح ينحني ملقيا سلامه على مشجعيه الذين رسمهم خياله والقى بالكرة على الأريكة لكنها غيرت وجهتها واصطدمت مع زاوية الحائط مما أدى بها للالتقاء بمزهرية امه المقدسة فأسقطتها ارضا ولم يتبقى منها شيئا سوى اجزاء مكسرة، انتابه خوف كبير من فعلته الشنيعة فقد كانت من اقرب الأثاث الى قلب والدته فلطالما اعتنت بها واوصته على عدم لمسها كأنها كانت تحفة اثرية، اخذ قلبه يخفق بقوة ولم يعرف ماذا يفعل او كيف ينقذ نفسه من هذا الموقف وتمنى في تلك اللحظة ان يكون كابوسا ويستفيق منه، بينما كان شاردا في أفكاره انتبه الى صوت امه حينما صرخت خلفه قائلة:

–           يا الهي مالذي حدث ومن فعل ذلك بمزهريتي؟!

ارتبك سامر وارتعدت قدماه خوفاً ولم يجد قولا ينقذه من الموقف سوى الكذب فقال مترددا:

–           لست انا من اوقعها فقد كان القط مشمش!

عقدت ذراعيها عند صدرها وقالت بصرامة:

–           اه منك يا مشمش قط سيء! قط سيء!!

جلست ارضا بالقرب من فتات المزهرية واخذت تلمسها بحنو والذكريات تجتاح عقلها، ثم تنهدت باستسلام وقالت بنبرة حزن:

–           لطالما كانت المفضلة عندي فقد اهداني اياها جدك رحمه الله.

تبدلت ملامح سامر وأصبح وجهه مكتئبا ولم يستطع مواجهة والدته ومنعه الخجل من النظر الى عيناها كما انه لم يجد مهربا سوى النوم فاستأذنها مغادراً لكنها استوقفته قائلة:

–           ماذا عن الغداء يا سامر الن تأكل شيئا؟

ادار عيناه نحو الحائط محاولا تجاهل نظراتها اليه وقال متمتما:

–           كلا يا امي لست جائعا أفضل اخذ قيلولة.

استلقى فوق سريره وأغمض عيناه بقوة بعدما داهمه ندم قوي ولم يشعر بالوقت حتى غاص في نوم عميق..

فتح سامر عيناه بعد برهة من نومه فوجد مزهرية ضخمة تجلس فوق صدره وقد كانت تملك عينان وفم صغير به اسنان حادة كأسنان القرش وكانت تبث فيها الحياة، تسمر سامر مكانه واخذ قلبه يخفق فزعا فنطقت المزهرية بغضب والشرارة تتطاير من زخرفاتها:

–           انت أيها الكاذب لم يكفيك قتلي بل وبكل وقاحة كذبت على والدتك التي تكون صديقتي.. وقد اتيت الآن كي اقتلك وانتقم منك!

اتسع بؤبؤ عيناه واخذ يصرخ ويحاول بأقصى جهده ابعادها عن صدره لكنها كانت اقوى منه بأضعاف وفجأة جعلت تقترب من وجهه ببطء مخيف وحطت أنيابها فوق خده ثم قامت بعضه بقوة لم يشهدها من قبل وانتشرت دمائه في كل مكان وانهزم سامر من قبل المزهرية الجبارة..

استيقظ من نومه العميق وراح ينظر بترقب الى جميع زوايا غرفته ثم تنهد براحة وشكر ربه أنه كان مجرد كابوس مخيف، استوى جالسا في فرشته واخذ قرارا مصيريا شجاعاً، توجه الى المطبخ باحثا عن والدته فوجدها جالسة تشاهد التلفاز فتنحنح وقال بهدوء وندم:

–           اريد اخبارك بشيء مهم يا امي فاسمعيني جيدا واعلمي بأني استحق أي عقاب تختارينه لي بعد الذي سأقوله.

حملقت فيه الام بحيرة وتنصت بتركيز لما سيقوله فأكمل كلامه:

–           لقد كذبت عليك.. مشمش لا ذنب له فأنا من قمت بتكسير المزهرية.. لكن دون قصدي.

قامت من مقعدها بهدوء واقتربت من سامر دون ان تبدي اية تعبير على ملامحها وقالت:

–           انت تعرف شعوري جيدا بخصوص الكذب فلما كذبت علي يا سامر؟

ابتلع ريقه بصعوبة وطأطأ رأسه خجلا ثم قال:

–           اعتذر منك يا اماه لكني فعلت ذلك بسبب معرفتي لحبك الكبير لتلك المزهرية.

انحنت بجسدها نحوه فأغمض عيناه بقوة خوفا من أن تقوم بضربه فربتت على رأسه بحنان وقالت مبتسمة:

–           آه منك يا سامر، مهما كان حبي كبيرا للأشياء فتأكد ان حبي لك أكبر من كل شيء.. لكني أريدك أن تتعلم شيئا مهما وهو مهما كانت الحقيقة مرة فتبقى أفضل بكثير من الكذب.

شعر سامر بالراحة بعد ما قالته والدته ووعدها بقول الحقيقة دائما مهما كان مرها.

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

تعليق واحد

  1. نالت اعجابي

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: