الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 47 – الطفل البائس – سمية أحمد

القصة 47 – الطفل البائس – سمية أحمد

 

 

في إحدى الجامعات كان سند وبشرى طالبين في كلية القانون ، كانت بشرى طالبةً مجتهدةً في مطالعتها واجتهادها ، كانت قوية الشخصية ،جميلة القلب والضحكة،عنيدة الرأي،واثقة الخطوات في مسير حياتها، أحبها سند بروحها وقلبها وتقدم لخطبتها في السنة الثانية من دراستهما ، لم توافق بشرى على طلبه ، ورجع سند مكسوف القلب ،و ما أن لبث قليلاً حتى تقدم مرة أخرى دون تردد ، حتى وافقت بشرى لرغبته بها .

تزوج سند من بشرى وهما على أدراج الدراسة ، حتى أكملوا الدراسة مع بعضهما البعض ، و كانت السعادة تغمر حياتهما ،والحب يعطي دافعاً لحياتهما، والأيام يوماً تلو يزداد بها روح الحياة المعسّل بالجمال ،حيث امتلأت حياتهما رونق النزاع تارةً  بعقل بشرى العنيد والدفئ تارة أخرى ، في كل يومٍ يزداد الارتباط بينهما .

في صباح يوم مشمس أزهرت الدنيا بربيعها وحملت بشرى فلذة كبدها في مسير رحلة وهنٍ على وهن ، هلّت السعادة على وجه بشرى وسند ، وبدأت التجهيزات لقدوم  ذاك الطفل ، نقاشٌ حول اسمه ، وتعالٍ في الاصوات حول أين سيجلس؟ وأين سينام؟  صراع حول من سوف يختار اسمه ،ومن سيحمله حينما يأتي ، من سوف يغني له حتى يخلد في نومه،ومن سوف يأتيه بأول دمية ، منتهيةً تلك النزاعات بضحكةٍ جميلة ممتلئةَ المشاعر والحب .

جاءَ وقتُ المخاضِ ،وجاءتِ الساعةُ المنتظرةُ ، في منتصفِ ليلةٍ قمرها بدر ، ريحها يعبقُ بنبتةِ الأقحوانِ والياسمينِ ، أهلّتِ الدنيا بطفلها الجميلِ ، ببسمةِ ذاك الطفلِ تغيرتِ الدنيا وتبدلتِ ، تغيرتِ الأيامُ في مجراها نحو الحبِ والدفئِ من نوعٍ آخر ، اتفقَ سندٌ وبشرى على تسميةِ ابنهما بأنيسٍ ، أنيسٌ بجلوسِهما ، أنيسٌ بضحكتِهما ، أنيسٌ بخروجِهما .

كَبُرَ أنيسٌ في ظلِ حبِ أمِه وأبيه ، وكانَ في كلِ يومٍ يُزهرُ في قلبهما حباً للحياةِ حُلوَ المذاقِ ، يصحو في كلِ صباحٍ بشقاوته يُزينُ البيتَ، حيثُ كانت لعبةُ الإختباءِ هي سرُ سعادتِه مع أبيه وأمه ، لعبةُ رمي الصحونِ وسماعِ صوتِها المزعجِ مصدرُ ضحكته العاليةِ ، وصراخُ أبيه من شدةِ انزعاجِه منها  راكضاً نحوَهُ حتى يعاقِبَهُ بزرعِ قُبلةٍ على جبينِهِ.

التمسَ سندٌ وبشرى أولى خطواتِ أنيسٍ في مشيه وخروجهِ للعالم ، كانَ كلما تلعثمَ في مشيه أسرعا في إسناده وإعطاءه القوةَ والجرأةَ من جديدٍ دونَ كللٍ ومللٍ ، أحضرا له كلَّ أنواعِ المغريات والمثيرات لتلفتَ نظره وتساعده على المشي ، حتى جاءت لحظةُ مشي أنيسٍ وحده ، يا إلهي، ما السعادةُ التي غمرت قلبهما! ما الحبُ الذي شعرا بهِ في تلكَ اللحظةِ! ما الغرابةُ التي التّفت حول قلبِ ذاكَ الطفلِ الجميلِ عندما رأى نفسه يمشي دونَ يدِ أمه تلتفُ حول يديه تساعده وتعينه!  ابتهجَ وجهُ أنيسٍ بسعادةٍ لا تساويها أيُّ سعادةٍ ، وما كانت المشاعرُ في تلك اللحظةِ إلاّ أن عانقَ سندٌ بشرى بقوةٍ عجيبةٍ  وبكى بكاءاً شديداً دونَ أي مبرر، حتى شعرت بشرى من ذاك العناقِ  بالأمر العجيبِ الغريب .

بدأ أنيس يكبرُ يوماً تلوَ يومٍ وهو بجانبِ أبويه ، وكان في كلِ صباحٍ يحضرُ لأمه كأسَه ذاتَ الألوانِ الجميلةِ وعسلاً وحليباً ، كان ذاك شرابه المفضل في كل صباح ، حيث كان أنيسٌ طفلاً حنوناً ،ففي كلِ صباح يصحو ويأتي برأس أبويه ويحضنهما لصدره وكأنه يريد أن يعطيهما الحب وليس هما .

 

كان سندٌ وهو في عمله يتصلُ ببشرى ليطمئنّ على أنيسٍ ، كيف حاله؟ وماذا فعل بغيابي؟ماذا أكل ؟وماذا شرب؟ متى صحوَ من نومه ؟ هل سأل عني وعن قدومي بكلامه المتبعثر؟ حتى يأتيَ أنيسٌ سارقاً الهاتفَ من أمه مسرعاً بخطواته الصغيرةِ ، محدثاً أباه بصوته الجميلِ النديّ ،أن أحضر ليَ “عثيراً وثبثاً وثوكولا” ، حتى يثيرَ غضبَ أمه بفعلتهِ هذه منهياً المكالمةَ ، مسرعةً الأمُ بحضنه وتقبيله على شقاوته الجميلةِ المثيرةِ لحبه .

في كلِ يومٍ يرجعُ سندٌ من عمله ، يأتي أنيسٌ ويلتف حول أبيه مقبلاً إياه ،يسأله ببراءته هل أحضرت لي الشوكولا ، هل أحضرت لي شرابيَ الذي أحب ، حتى ينظر الأب لابنه نظرةً تملأها عيون الحب والحزن في آنٍ واحد ، كانت بشرى تزداد الدهشة والغرابة من طريقة تعامل سندٍ معها ومع أنيس ، حيث بدأ القلق والحيرة والاضطراب يسيطر عليها ، بدأت تسهر تفكر في حالِ سند ، حيث كان قلبها يشعرها أنّ في الأمر شيء ، ما باله يجلس معهم شريد الفكر والحال  .

 

تعلقَ قلبُ أنيسٍ تعلقاً شديداً بوالديه ، حتى أصبحَ كل وقته الجميل يقضيه معهما ، ما إن انشغلا عنه حتى أصبحت علاماتُ الكآبةِ على وجهه الصغيرِ ، والحزنُ بين عينيه ، خروجه معهما ،ملاعبتهما له في الأرجوحة وترقب ضحكته وفرحته بها ، شراءِهما لهُ أحبَ الطعامِ لقلبه حيثُ كانت فطيرة البيتزا  الأحبَ لقلبه من بعد لعبه ، كانا عند جلوسهما معه على طاولة الطعام ينسوا الطعام والشراب ناظرين إلى أكله وشربه ،ناظرين إلى فرحه وسعادته ، كيف يأكل ؟ وكيف يحرك فمه الجميل ؟ مستأنسين بأنيس قلبهما .

 

ذاتَ صباحِ يومٍ  كانت  الغيومُ السوداءُ تملأُ السماءَ ،الأشجارُ اصفرت معلنةً الرحيل بسقوط ورقها ، الأرضُ كأنها شخص يحدِثُ بشرى  بصوتٍ خافت أن هيأي نفسك لوقعٍ جلل ، انتابَ قلبها شعورُ الخوفِ ،حتى أصبحت الدنيا تدور بين عيناها ، حتى لبثت قليلاً وجلست على رسلِها  مستعيدةً نفسها ، ذهبت لأنيسٍ واحتضنته وقالت له بهمسٍ :  اذهب إلى والدك وأيقظه حتى نتناولَ وجبةَ الفطور ، ذهب أنيس بخطواته الصغيرة لغرفة والده وهو يناديه بصوته المتلعثم  “بابا بابا اثحى ماما عملت أتل”،أمسكَ أنيسٌ يدَ والده وهزها منادياً إياه ،حتى بقي يناديه ويناديه دون سرعة إجابة كالمعتاد ، شعرت الأمُ وقتها أنّ في الأمرِ شيءٌ ،ذهبت مسرعةً إلى الغرفة وخطواتها مثقلةً بعض الشيء قلبها يتسارع نبضه ، حتى اقتربت منه تناديه لكن دون إجابة ،تنادي بــ يا سند استيقظ ! يا سند أجبني ! ياسند لا تذهب ! ياسند ردّ علي ! ياسند نادني باللقب الذي أحب ! لكن، دون أيِّ ردٍ ،في تلك اللحظة انقلبت الدنيا ، تبدّل الحال ،حلّت لحظة الفقد ،امتلأ القلب بالهم ، وكأن جبالاً من الدموع والحرقة قد هبّت على قلب  بشرى،أنيس يقول لأمه : لماذا يا أمي يد أبي قد بردت ؟ سأقوم بغطاءه لأنه قد شعر بالبرد ،  لماذا  لا يرد علي أبي ؟ هل غضب مني ؟ أنا لم أفعل له شيء سأقبله حتى أراضيه، امتلأت عيون بشرى بالدموع ،امتلأ قلبها بالحرقة الشديدة ، حتى أسرعت لحضن أنيس وهي تقول له : كفّ عن فعلك يا أمي ،ذهب أباك لسفرٍ طويل ، تعالى صوت بكاء أنيس وهو يقول: كيف لأبي أن يذهب دوني ؟ إنه لا يحبني ،أنا غاضبٌ منه لأنه يريد أن يسافر دوني ،أسرعت الأم ولملت حزنها ودموعها ، وقالت لطفلها : لا يا أمي فوالدك لم يكن يعرف أنه سيذهب فجأة ، إنه بسفر وسيرجع لك قريباً ،وذهبت بقوتها الخارجية تطعم طفلها وقلبها المحطم من الداخل يعتصر ألماً .

سافر سندٌ مخلفاً وراءه طفلاً قلبه معلقٌ به ، يصحو في كل صباح يريد أن يضم والداه ، يصحو وهو ينتظر قدوم أباه ،يسأل عن أبيه ، يريد أن يخرج مع أبيه وهو يحمله فوق رقبته يداعبه ويضحكه ، لكنّ بشرى  تعبت وتعبت بعد ذاك الفقد ، كانت تريد أن تُشعِرَ أنيساً أنّه ليسَ كغيره من الأطفالِ دونَ أبٍ ، أنّه لا ينقصه شيء ، باتت في كل يومٍ تنسى نفسها حتى تمدَ أنيساً بالقوةِ وتعطيه دون كللٍ ومللٍ، كانت له الأم والأب ، فهي  لا تحب أن يتذكر أباه حتى لا يتعثر قلبها بالتفكيرِ  بماذا تجيبه ، ففي كل يوم تختلقُ آلاف الأجوبة حتى تنسيه آلمه الداخلي .

 

لم يعد أنيسٌ صاحبَ الروحِ العاليةِ  والضحكةِ الجميلةِ كما عهدته بشرى ، بل تغيرَ إلى طفلٍ عدوانيّ ، كثيرُ الصراخِ ،كثيرُ البكاءِ ، في كل يوم يقول لأمه أريد أبي ، أريد أن أخرج معكِ ومعه ، أريد أن نذهب إلى الحديقة ونطعم الحيوانات، أريد أن نأكل مع بعضنا البعض ، أريد أن نذهب للشراء والتسوقِ وأجلس على عربةِ التسوقِ ، وماكانت الأم إلا أن تبحث عن بعض التبريرات  التي كانت متيقنةً أنّ أنيساً لم يقتنع بها .

ذَبُلَ قلبُ أنيسَ المعلقِ بحضنِ العائلةِ ، تغّشى قلبَهُ الحزنُ الشديدِ ، كان يُحضرُ لأمه دائماً علبة عطر أبيه ويقول لها: أريد أن أضع من عطر أبي ، لأن أبي كان يضع من هذا العطر، أريد أن ألبس ثياب والدي يا أمي ، في كل مرة كانت بشرى تعتصرُ ألماً من الداخل مخبأةً دموعها أمام أنيس ، كلماته كانت كالإعصار الذي يهب على أرضٍ فيعيث بها فساداً .

كان أنيسٌ يلتمسُ في كلِ رجل ٍ أنّه أبوه ، فيذهبُ إليه راكضاً حاضناً إياه ، معبئاً شعوره الداخلي لأن يكون عنده أبٌ ،لكنّه ما يلبثُ حتى يرجع مكسورَ الخاطرِ أن ذاك الرجل ليس أبي ،فرائحته مختلفةٌ ودفئه مختلف ، في كل مرة كان لسان بشرى يلهج  “بـ اجبر كسري وكسر أنيس يا الله “، في كل ليلة تقوم بوضع طفها في فراشه وتسرد له بعض الحكايا حتى ينام ويتناسى أسئلته المعتادة لرحيل أبيه .

تستيقظ بشرى في كل صباح متناسيةً  الألم الذي في قلبها من كل ليلة ، متناسيةً  لدموع ذرفتها مستذكرةً أنيساً بصفاء قلبه وروحه ، فلا  عاد أنيسٌ أنيسَ الروحِ ، ولا عادت روحه مثل روحه السابقة  ، ولا عادت شخصيته تحمل ذاك الطابع المستقل الواثق من نفسه ، تغير حتى أصبح يستوحش بوحدته المعبئة بالفقد ، الدموعُ تترقب بعينيه لأهون سببٍ باكياً بكاءَ قهرٍ وألم، صحيحاً أنه كان طفلاً والبعضُ ظنّهُ غيرَ مكترثاً  لما حصل فهو ابن السنتينِ والنصفِ  ، لكنّه لم يكن طفلاً بمشاعره الحزينةِ ، كان شاباً يحمل المشاعر المتكاملة في قلبه ، كان كثيرَ الصمتِ شديدَ التفكيرِ، عميقَ النظرِ للأمورِ ، يحملُ بقلبه الصغير وطناً من الحب الحزين ، ينظر لي في كل يوم ويقول لي : أتذكرين يا أمي يوم خرجنا في رحلة أنا وأنتِ وأبي أتذكرين وتذكرين وتذكرين !

 

كبرت بشرى آلاف السنين وهي تحملُ بقلبها الألم والحزن والحسرة في ظل سنةِ فقدٍ وألمٍ، فأنيسُ قلبها وحزنُ دهرها أنساها مشاعر الفقد لزوجها ،حتى باتت نحيلةَ الجسمِ ،معذبةَ القلبِ، شريدةَ الفكرِ والحسرةِ ، تذهبُ إلى عملها بقلبها المهزوم ، وكأنّ ربّان السفينةِ الذي رحل قد هدم أواصر السفينة العظيمة هذه، وجعل منها فتاتَ خشبٍ ، بقاربٍ صغيرٍ يلملمُ نفسه حتى يكمل مسير هذه الرحلة .

كَبُرَ أنيسٌ بقلبه البائسِ الذي كان طفلاً بقلب وعقل رجل ، كبر وفي جعبته الكثيرَ من الآلامِ والأحزانِ ، يذهبُ لمدرسته وفي قلبه جبالاً من الهموم ، سامعاً تلك الأصواتَ من حوله تقول: أحضرَ ليَ أبي قطعةَ حلوى ، صحِبَني أبي لمتجرِ الألعابِ ، كافئني  أبي رحلةً إلى البحر ، في كل يومٍ يرجع أنيسٌ من مدرسته والدموعُ تتغرغر من عينيه ، مسرعاً إلى بشرى معانقاً لها  بشدةٍ ، ويقول لها  :سوفَ أرمي بهمي وحزني في حضنك يا أمي ، فقلبي لا يجدُ طعمَ الراحةِ  سوا في هذا المكان الدافئ الصادق ، أرمي بهمومي من هذه الحياةِ القاسيةِ داخلَ قلبك وعلى صدرك الدافئ ، حتى تحضنَهُ بشدةٍ وتقول له رغم مرارة صبرها : اصبر يا ولدي الصغير يا صاحب العينين الجميلتين، فعيناك لا يليق بهما سوا الابتسامةِ ، وقلبك النقي المحملِ بالأسى لا يُزرَعُ به إلا اخضراراً وربيعاً ، امسح عن قلبك  تلك الغمامةَ السوداءَ ، فحزننا واحدٌ، ووحدتنا واحدة، وذكرانا واحدة ، لكن ليس لقلبٍ قوي أن يعيش بهذا التشائم ، كانت تحدثه بلسانٍ كاذبٍ فهي تعلمُ أنها تتألمُ أكثرَ منه ، وتعلمُ أنّها في ظلمةِ الليلِ الحالكِ تكونُ أضعفَ من على وجهِ هذه الأرض ، لكنّها بشرى صاحبةُ القلبِ العظيمِ .

مرّت الأيام حتى كبر أنيس وكبرت معه والدته ، وهي تربيه وتعمل ليل نهارٍ حتى تبني له مستقبلاً خالياً من الهموم والأحزان ،تريد أن تعوضه عن رحيلِ والدِهِ الذي غيّر مسار حياته، حتى لا ينقصه ذرةُ شيءٍ ، حانت لحظة تخرجه من مرحلته الجامعية ، جلست الأم من بين الحضور ترتقب مجيء اسم ابنها في كوكبة الخريجين،مستذكرةً تخرجها وسند ،حيث همس في أذنها يوم تخرجهما :سأنتظر ياحبيبتي أن أجلس معكِ مرتقبين تخرجَ أحدِ أبناءنا ، استذكرت والدموع تملأُ عينيها ، حتى أقبل ابنها من بين أصدقاءه ، يلوحُ بيديه لأمه وينظر لها نظرة الحب المعبأ بالفخر نظرة الحزين الذي ينقصه الشيء الكبير ، لكنّ والدته قد أعطته الكثير الكثير حتى جعلته يتناسى لو جزءاً بسيطاً من فقده ، أكملت كوكبة الخريجين ركبها حتى وقف الجميع بصمت عمّ المكان ، وقف أنيس وقال كلمته أمام الجميع ، وقف بكل شموخ يكسوه ألم داخلي لا يفهمه سوا بشرى التي عاشت معه كل آلامه التي عاشها ، وقف قائلا : “في هذا اليوم الذي أنهيت به مسيرة ستِ سنوات من كلية الطب  ، الجميع هنا تواجد أمه وأباه وربمّا إخوته ، لكنّي الأن عكس كل من وجد هنا ، فقد تواجد هنا لأجلي شخص واحد ،  تواجد من هي مصدر  قوتي وعزيمتي ، من ربّتني وسهرت لأجليَ الكثيرَ من الليالي ، من صَحُوَت من وسط تعبها حتى تُأمِّنَ لي حياةً وسعادةً ، من انتشلتني من وسط وحدتي وحزني وألمي ، من كبرتني وتعبت على غرسِ كلِ ما هو جميلٌ بي منذُ كنتُ طفلاً صغيراً ، من مسحت دموعي بصغري رغم حاجتها الشديدةِ لمن يمسح عنها حزنها ، من فهمت ما بداخلي وقرأت حزني بكل عمق ، من شعرت بي دون أن أتكلمَ ، من إذا حلّ الليل وجدتها قد وقفت بين يدي خالقها ترجو جبرَ الكسرِ الذي تعيشه ، من إذا بكيتُ أعطتني القوةَ والطاقةَ الإيجابيةَ رغم ماهو مخبأٌ بين عينيها من حزنٍ، من تبقى بالسهر ليلاً باكيةً مقهورةَ الحالِ ظانّةً أنني لم أراها وأنا مختبئاً تحت فراشي أنظر لحال قلبها ، من أعطتني حباً صادقاً ، من كانت لي الأمُ والأبُ ، الأن زملائي أقف بين أيديكم مختلفاً عنكم فأنا سيدتي هي أمي وأبي،سيدتي هي عائلتي ، أهديها نجاحي هذا ، أهديها تفوقي ، أهديها قلبي الذي ضحّت لأجله طوال هذه السنين ، أهدي نجاحي لوالدي الذي هو تحت التراب ، أهديه لمن عرفته وأنا ابن السنتين والنصف لكنّه، خلّد ذكرى في قلبي صعبةَ النسيانِ ، والدي الذي بفقده عشتُ أياماً جراحها كانت صعبةُ التضميدِ ، لكن بفضل تلك المرأة تجاوزتها ، أمي يا سادتي سيدة نساء الأرض ،تفضلي أمي لألبسكِ تاج تخرجي لأنه يليق بسيدةٍ مثلك ، فهو لك أنتِ وليس لسواك ” ، طأطأت الأم رأسها وقلبها خاشعٌ لكلمات ابنها الذي أثلج قلبها ،دموع الفرحة والحزن بين عينيها، سارت الأم خطوةً خطوة نحو خشبة المسرح حتى جلس الإبن على ركبتيه مقبلاً يديها، مقبلاً رأسها ، وقف الجميع وصفقوا دون توقف ، تعالت أصوات البكاء في المسرح حتى تناسى الجميع مواكب التخرج ونظرات الإنذهال على وجوههم ، في تلك اللحظات وقف رئيس الجامعة وأساتذة أنيسٍ مصفقين بشموخ لأمه العظيمة ،محيين عزيمتها وقوتها وصبرها ، مادين لها يد الشكر والعرفان على جهودها العظيمة الجبارة .

خرج أنيسٌ من حفل تخرجه يمسك يد أمه ،متوجهين إلى قبر سند ، حتى يهدوه تلك الفرحة ، ما إن وصلوا إلى قبره حتى قرأوا له الفاتحة ،وأوصلوا له السلام ، نظرت بشرى لابنها نظرة عميقة وكأنها تريد أن تشبع نظرها منه ، ومن ثم توجه نظرها لقبر سند قائلة مبتسمة: كم اشتقت لك يا سند ، نظر أنيس لأمه وقلبه يتوجس أن في الأمر شيء،ثم قال لها :هيا ،هيا يا أمي أريد أن أطعمك اليوم طعاماّ لن تنسيه طوال حياتك ، ذهب أنيسٌ وأمه لتناول طعام العشاء في إحدى المطاعمِ محتفلين بذاك النجاح العظيم ، كانت الأم مكثرة الحديث مع ابنها ، تضحك كثيراً ،تتحدث كثيراً ،تستذكر الأيام تحدث ابنها عن طفولته ، عن شقاوته ، عن لطافته،عن أكاذيبه ، حتى قاطعت حديثها بحزنٍ فجأة قائلة : يا ليت سنداً بيننا الأن فأنا مشتاقة له يا أنيس ، قال لها : يا أمي هلاّ انتهيتِ عن هذا فأنتِ مصدر قوتي ، هيا أكملي عشاءكِ حتى أطعمك حلوى لم تتذوقي منها سابقاً ، أكملوا تلك السهرة طويلة المدة ،وخرجوا إلى مركبتهم متجهين إلى البيت ،وهم يضحكون  والحب يغمر قلوبهم ، والبهجة على وجوههم ،وما لبثوا وهم يقطعون الشارع حتى صدمت سيارةٌ مسرعة أم أنيس ، صرخ أنيس بصوت مرتفع :أمي أمي أمي، أسرع لحمل  أمه احتضنها لصدره،أنيسٌ ذاك الطبيب الذي لم يستطع تمالك نفسه وإسعافَ أمه ،فموقفه عصيبٌ ،أسرعَ يحدثها بنبرة خذلان:أرجوك لا تتركيني ،إنني محتاج إليك، أحتاجك يا أمي لا تذهبي ، بدأ الدم يخرج من كل مكان في وجه بشرى ،حتى سمع أنيس  صوت سيارات الإسعاف  من حوله ، جهاز التنفس على وجه أمه ، دقات قلبها انخفضت ،يداها قد بردت ، استذكر أنيس شريط الذكريات عندما أتى حتى يوقظ والده ووجد يداه باردتان ،صرخ قائلا لرجال الإسعاف :أرجوكم أمي لا تدعوها تذهب  ، أنقذوها ليس لي سواها ،بقي أنيس يتحدث لأمه داخل سيارة الإسعاف ولكن ليس من مجيب ،وصلت سيارة الإسعاف للمشفى ،وأسرعوا لنقل بشرى لغرفة الإنعاش ، وقف أنيس ينظر لأمه من وراء الزجاج ودموع الحرقة والألم داخل قلبه تعتصر كالبركان ، وما إن كان يترقب خروج أمه حتى رأى جهاز القلب قد أعلن صفيره ،استقامة الدقات ، لم يعد هناكَ حتى نبضٌ ضعيف ، أن لا رجعة ، أن لا نبض، أن لا بشرى بعد الأن، ودعت بشرى الحياة، انتهت حياتها التي كانت عامرةً بالمآسي والآلام ، صرخ أنيس بصوت رجّ أنحاء المشفى بقول : لا …

 

خرج أنيس في الطرقات يبكي والسماء اشتد نزول المطرمنها ،خرج تائهاً ،يجلس تارةً على حافّة الطريق ، ويصرخ تارةً راكضاً لطريقٍ مجهول، الكل ينظر له بعينِ الشفقةِ، يحدث نفسه ، إلى من أذهب الأن،كنت أذهب إليكِ من ضجيج هذه الحياة ،إلى من أذهب يا صاحبة القلب الحنون، لمن أتحدث بألمي ، من ليَ الأن ، لمن أشكو ، لمن ألتجأ بعدك يا مصدر الأمان ، ذهب الحنان ، وحلّت القسوة لكن بحلة جديدة ،شديدة الوقع والألم، لماذا ذهبت يا شمعة عمري ؟ ألم تقولي لي : أريد أن أراكَ عريساً يا أمي ، ألم تقولي لي : أريد أن أرى أبناءك يا أنيس،أريد أن نسّمي أحد أطفالك بسند ، لماذا ذهبتي ؟ خلفتي وراءك جبالاً من الحسرات والحرقة ، من لي بعدك ، من يطبطبُ على يداي يا أمي ، مع من أشرب حساء المساء مكلماً له عن تفاصيل يومي ، مع من سأتناول طعامي يا أمي ، لماذا ذهبت ِ أنت وأبي وتركتموني بوحدتي، لمَ كل تلك القسوة يا دنياي، هل لي أن أعرف ماذا علي أن أفعل بعد فقدكما ، خذوني معكم سألتكم بالله ولا تتركوني ،فدنياي قاسيةٌ بعدكم …

 

 

#سمية_أحمد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

5 تعليقات

  1. نعم وانصح الجميع بقراءتها

  2. رائع

  3. راااااائعه

  4. نعم قصة رائعة وفيها جانب من الواقع

  5. نعم قصة رائعة

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: