الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 46 – فتاة أفكارى – بافلى سليمان

القصة 46 – فتاة أفكارى – بافلى سليمان

” إلى متى سيظل الطبيب مريضًا بما يداوى؟ ” قالتها امى بتهكم.

ضحكت ” إلى أن اجد ما ابحث عنه يا امى انتى تعرفين ” اجبتها مبتسمًا.

” اذا ستظل اعزبًا ابد الدهر يا صغيرى ” قالت لى ذلك و قبلتنى على جبهتى بحنان ثم استدارت و خرجت خارج الغرفة.

انا وحيد و اظن إنى قد نلت من اسمى نصيبا وافرًا و قد حدث ذلك الحوار الصغير – الذى يتكرر كل يوم تقريبًا- فى غرفتى الصغيرة الهادئة حصنى المنيع الذى الجأ إليه لكى اؤنس وحدتى، لى القليل من الاصدقاء الكثير من المعارف، و لكى اؤنس تلك الوحدة الجأ لصديقتى الأقرب الآلة الكاتبة الخاصة بى – نعم انا قديم الطراز و احب هذا.

انا كاتب قصص رومانسية، و كما لمحت امى انا اعزب رغم اننى لست صغير السن، و وحيد كأنى احد تلك الكائنات وحيدة الخلية، و اغلب وقتى اقضيه وحدى إلى أن جاء ذلك اليوم.

بدأ كأحد تلك الايام العادية التى تكاد ألا تفرقها عن بعضها البعض، استيقظت صباحًا تأتى امى إلى غرفتى غير المرتبة الصغيرة لتيقظنى و تخبرنى أن الوقت قد تأخر فأجر قدمى جرًا إلى حجرة الطعام، و اخذ فطورى مع العائلة، ثم اذهب لأقضى حوائج المنزل من السوق و البقالة و غيرها؛ كى اكون مفيدًا على حد قولهم، و عندما يخيم الظلام و تغيب الشمس اعود الى ملجأى الهادئ الفوضوى لأجد آلتى تنتظرنى .

و لكن على عكس العادة فى ذلك اليوم فى السوق رأيتها نعم هى هى تلك الفتاة التى دائما اكتب عنها و إليها فى جميع كتاباتى، وسط هتافات الباعة و الزحام و ذلك الطفل الذى يبكى و هو ممسك ليد امه و الرجل العجوز الذى يسعل خلف اذنى و كل تلك الشوارع الطينية و العربات انا اراها اراها بوضوح كأنها تلمع كنجمة وحيدة وسط عتمة الليل.

ياللجمال ! تمامًا كما تخيلتها وجهها الملائكى، رقة ملامحها، تلك الابتسامة التى تأسر كل من يراها، عيونها الزرقاء كمحيط يحوى من الاسرار الكثير، شعرها البنى الحريرى الذى يعكس اشعة الشمس و تداعبه الرياح .

يا إلهى يبدو أن قلبى قد انخلع من بين اضلعى تجاهها، لا اعلم ما حدث لكن لم ادرى بما افعله إلا و انا اسير تجاهها، نعم اقتربت كثيرا منها و لكن عندما اقتربت بما يكفى إنها لا تقف هناك لقد ذابت وسط الزحام او إننى اهذى، حسنا لقد علمت أن كثرة العزلة و كتابة القصائد و الروايات الرومانسية سوف تذهب بعقلى لكننى لم اتوقع أن يحدث هذا و انا بهذا السن الصغير.

على كلٍ سرت عائدًا للبيت و لكن صورتها لم تفارق خيالى، تلك الابتسامة ثم اعود لرشدى نعم لقد جننت يا ليتنى انصتُ الى والدتى و تزوجت مبكرًا و لم انتظر فتاة احلامى الغامضة تلك، سرت هائمًا للبيت لم اذكر سوى بعض الابيات الشعرية :

صورة حسنٍ صاغها لبه        و حدها فى الحسن حد الكمال

فأينما سار تراءت له            كما تراءى خادعًا لمع أل

عدت للبيت و قد خيم الظلام، ذهبت لغرفتى الصغيرة كالعادة، انا متعب لا اظن أنى سأقوم بالكتابة او ما شابه اليوم، كل ما ارغب فى فعله هو النوم؛ فربما قد احلم بها اراها مرة اخرى، مرةً واحدةً غططتُ فى نوم عميق.

ثم استيقظت من ذلك النوم وحدى على عكس العادة، لأجدها جالسة على طرف سريرى، هل انا ما زلت احلم ؟! اخذت افرك عيناىّ فرأيتها تضحك بشدة.

” ماذا تفعل انا لست حلمًا؟ كف عن فرك عينيك ” قالتها مداعبة.

” اذا ما انتى؟ انا لم امت صحيح؟! و انتى لستى احد الجنيات التى اكتب عنها فى رواياتى؟ و بالتأكيد لستى امى اذا ما انتى؟ ” سألتها بدهشة ثم هلعت ” امى لا بد انها صاعدة الى هنا الآن اذا رأتك فى غرفتى مهما اقسمت انى لا اعرف من تكونى لن تصدقنى ”

اتجهت بسرعة الى باب غرفتى، و هممت لأنزل كى لا تصعد امى و تراها، و عند باب الغرفة نظرت لها مستعطفًا ” رجاءًا لا تهربى كالبارحة ابقى حتى اصعد لن اتاخر ”

ابتسمت ثم اومأت برأسها موافقة.

انهيت فطورى، ثم اتجهت لغرفتى مباشرة، لأجدها تنتظرنى طار قلبى من السعادة، و لكننى استعدت رباطة جأشى و سألتها ” حسنا ماذا انتى او من اين اتيتى؟ ”

” ألا تعرفنى؟! انا كل ما تخيلته و كما تخيلته، انا من كتبتَ عنها و اليها، انا هى فتاتك ”

يا الله كم تمنيت ان اراها و اسمع منها تلك الكلمات، كم احببتها، قد احتجت اليها لأوجه لها كل ذلك الحب، اريد أن اخبرها كل ذلك، كيف اشتقت اليها قبل وجودها، كيف كنت احلم بها، كيف احتجتها كثيرا فى اوقات حزنى فقط لتربت على كتفى و تخبرنى أن كل شئ بخير و إنها تحبنى، و لكن لم استطع أن اخبرها بكل ذلك.

اخذت تلك الافكار تتصارع فى عقلى و تجرى هنا و هناك، و فمى فقط مكتفى بالانغلاق، و عيناىّ تتأملانها فى صمت، و ارتسمت على وجهى ابتسامة صغيرة، و نزلت منى دمعة تعبر عن كل ما افكر فيه دون أن اتكلم.

مدت يدها مسحت دمعتى، و ابتسمت و ربتت على كتفى و هى تتكلم بصوت خافت جميل كأن سرب من الملائكة يعزف الكمان و يترنم ” هون عليك، انا اعلم كل ما ترغب أن تقوله، افهم احاسيسك و نظراتك، لا تخف كل شئ سيكون بخير، انا معك، انا احبك ”

اشفقت عليا عيناىّ فانفجرتا بالبكاء ” و لكن كيف تعلمين ما ارغب فى قوله؟ كيف تشعرين أنى”

قاطعتنى قائلة ” لا تنسى إننى فتاتك تكونت من افكارك و مشاعرك، اعرف كل قصيدة كتبتها بقلمك و ختمتها بدمعك، اعرف وحدتك و حاجتك لى ”

” و لكن لما الآن؟ و كيف؟ “

” لا اعرف لماذا الآن او كيف؟ كل ما اعرفه أنى خرجت من كتاباتك لاقضى معك بعض الوقت و اخفف عليك، و لتعلم أنى موجودة دائما معك، و إن لم يكن على ارض الواقع فانا فى قلبك ”

” ماذا تعنى ألن تبقى معى هل سترحلين؟ ”

” انا معك فقط لبعض الوقت، و بعدها سأعود كما كنت إلى داخل عقلك و كتاباتك و افكارك ”

“و لكن لماذا لماذا لن تبقى؟ ”

” لا تضيع الوقت فى الاسئلة فلم يتبقى منه الكثير، هيا فلتجفف عينيك و نتكلم و نمرح، اطرح عنك الحزن قليلًا ”

خرجت من البيت لأجدها قد سبقتنى الى الطريق، رغم أنى قد تركتها فى الغرفة ” حسنًا انا لن اندهش فقد كنتى فى غرفة نومى المقفلة عندما استيقظت، و اختفيتى فى السوق، فلما العجب ” قلت ممازحا

فضحكت فى دلال ” لا شئ فىَّ طبيعى، فانا فتاة خرجت من عقل و كتابات شخص، و ظهرت له ما الطبيعى فى هذا ”

اخذنا نضحك، لا اعلم كيف مر الوقت لقد سُرق لم يمر، ضحكنا كثيرًا و تكلمنا و تنزهنا فى الحدائق، إلى أن جاء وقت غروب الشمس، و عندها كنا قد وصلنا إلى شاطئ البحر فجلسنا نشاهد منظر الغروب سويًا.

الشمس حمراء كفتاة خجلى تمامًا كفتاتى الجميلة، و السماء صافية من السحب، و الجو مملوء بشئ لا اعرف كنهه و لكنه يبعث البهجة، منظر الشمس و هى تختفى خلف البحر و تلقى اشعتها الحمراء عليه.

عندها نظرت لى ” حان وقتى ” همست بحزن.

” ارجوكى ابقى قليلًا بعد ” قلت لها

اقتربت منى ” انت لست وحدك، انا دائمًا معك حتى و إن لم ترانى فانا فى قلبك فى فكرك متغلغة فى روحك، لقد خلقنا لأحدنا الآخر، و وقتما تشعر بالحزن تذكر دائمًا انا معك، انا احبك، انا هنا على الدوام ” قالتها و هى تضع يدها على قلبى، ثم طبعت قبلة خفيفة على وجنتى، و اختفت تحولت لبريق اصفر فى الهواء امام عيناىّ.

لا اذكر ما حدث بعدها كثيرًا، هل كان حلمًا؟ هل كان خيالى؟ كيف خرجت من كتاباتى؟ هل للأمر علاقة بى ام ان آلتى الكاتبة قد اشفقت علىّ و قررت أن تمنحنى بعض الوقت معها؟!

لا اعلم، كل ما اعلمه أنى الآن لست وحدى، انا اشعر بها فى قلبى، هى فتاتى حتى لو لم ارها.

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: