الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 45 – من أجل عزة – محمود فاروق سيد شعبان

القصة 45 – من أجل عزة – محمود فاروق سيد شعبان

 

تلتهب رأسه رويدا رويدا و صهد الشمس يأبي ان يأخذه به اي رأفة  وتلك اللافتة  التي تغير لونها بسبب الزمن ما يزال يرفعها باستماته و هو يدرك ان ذلك الجهد هو ما يملكه حالياَ .

في البداية لم يكن احدا يعيره اهتمامه .

ربما لأنهم كانوا مثله. كل لديه ما يعانيه .

او ربما كانت الدنيا بمشاغلها قد غيرت الناس فصار الواحد منهم لا يري غير نفسه فقط .

يحصي النقود القليلة اتي جمعها علي مدار الايام فلا تكفي لأي شيء .

لا تكفي لاستكمال علاج تلك الطفلة البائسة اليتيمة التي تتطوع جيرانها لجمع مالاّ يكفي لإجراء عمليتها الجراحية.

والتي تكاد حياتها تتوقف علي اجرائها .

يقاوم اليأس الذي بدأ يتسلل في نعومة الي قلبه مستبدلا اياه ببعض الامل .

لابد ان تنجو هذه الطفلة .

لكن الامل يحتاج أرضاّ من الرحمة حتي يستطيع ان ينبت ثمرته .

بدأ هو الاخر ينساب خارجاّ .

اخذ يقاوم اكثر ربما استطاع حبس بعضه في صدور قلبه .

و الوقت يمضي و الشمس تزيد حرارتها و الناس تتصلب قلوبهم اقسي من الحجارة .

ثم سقط المطر .كعادة الطقس حين يتقلب فجأة فلا يدر المرء ماذا يكون اليوم انهمرت قطرات المطر تتحدي توقعات خبراء الطقس كعادتها .

وكعادة الناس فرحوا بانتصارها .

غرقت اللافتة فتغيرت العديد من ملامحها.

اللون صار باهتاّ وان كان محافظاّ علي بعض اثاره.

و الحروف تتداخل فلم يعد هناك بد امامه غير ان يمسح بيده علي اللافتة كأنها جهدت وتحتاج من يمسح عرقها .

مستكملا معاناة وقوفه محاولا ألا يهتم بأي شيء و لا حتي ينظر لما يحمله.

ولكنه فوجئ بالناس و قد صارت تقبل عليه وتعطي له اكثر و اكثر .

في البدء استبشر خيراّ بناقوس التضامن الذي بدأ يدق في فراغ القلوب.

لكن وجود نقوداّ بكميات مبالغة جعله يسمح بتسلل الشك.

لا يمكن ان يتغير الناس من النقيض الي النقيض بهذه السرعة .

حتي ان بعض الوجوه قد تكررت .

و لا يمكنه الركون ساكناّ لفكرة بركة الامطار .

فهذه البركة من الكثرة لدرجة السيل .

فبدأ يتحدث .

بضعة كلمات شاكرة تعاون الناس و تراحمهم و مشاعرهم الطيبة.

و بدأ الناس يتحدثون بدورهم.

و بدأت الحقيقة تفتح  ابوابها هي الأخرى لدرجة جعلت عينه تلتمع من خليط المشاعر المتلاطمة علي شواطئ عقله .

اللافتة تغيرت حروفها فزادت ما يشبه النقطة علي حرف العين في عزة – اسم الطفلة – فصارت غزة.

ولكنني لن اقبل خداع الناس.

انا اجمع مالا لعلاج طفلة وليس لمساندة بلداّ بكامله .

يحاول ان يوضح للناس حقيقه موقفه .

في البداية كانت النظرات تحمل من الدهشة ما يجعله يأمل في ثبات نزعة التعاطف عند اصحابها .

لكن ثمة غضب بدأ يرتسم احجام الناس عن الاقتراب منه .

لكني لم اشأ خداعكم .

يتهاوى الصوت أرضا و يدوسون عليه.

يجلس صامتاّ .

يتأمل اللافتة .

من أجل عزة .

من أجل غزة .

هل كانت النقطة وحدها سبباّ في تغير فكرة الناس ؟

لم يجد إجابة تشفي غليله غير وقوفه مرة ثانية و هتافه بأعلى صوت لديه.

-لن تتحرر غزة قبل أن تشفي عزة.

لن تتحرر غزة لو لم نحرر انفسنا من انانيتها .

نحتاج وحدتنا .

نحتاج تضامننا .

لا يهتم بسماعه احد.

تنهمر دموعه وهو يعاود الجلوس في اسي و ثمة احساسا بالعار يجد طريقا سريعاّ إليه .

قبل ان يلملم نفسه و يغادر المكان بلا عودة .

تاركاّ اللافتة خلفه تصر علي رسم نقطة واضحة فوق حرف العين.

شاهد أيضاً

ما أليلك – طه عبده سالم

يا غصة الليل المخمر بين أفلاكه المثقله!!! وأنا ومسبحتي الهموم تقنطرني ! نياشينها الأوله؟ فتبصق …

بن حليمة امحمد

  غفرانك ربّي – بن حليمة امحمد

  . إلهي  ظلمتُ  فأظلم عيْشي //  و ما لي سواك  يعـيد المَنارْ      حبستُ …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: