الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 43 – الدائرة – محمود محمد فهمى

القصة 43 – الدائرة – محمود محمد فهمى

هى تلك الدائرة التى تجمعنا جميعاً ، لا مفر منها ، ولا خروج مطلق ، لا مجال للخداع او تزييف الحديث ، لديك فرصة ذهبية لتبلغ من صدق القول ما لم تبلغه من قبل ، لديك ما يكفي من الوقت ، وعليك أن تلزم الصمت بعدها وتُحسن الانصات.

كانت تلك الكلمات العجيبة صادرة من شخصية مجهولة لا اراها فى غرفة مظلمة لا تحتوى سوى على بعض دفقات الوميض المسلطة على وجوه خمسة اشخاص يجلسون فى دائرة كنت انا احدهم ، اتعجب كيف وصل بي الطريق الى هنا ، ثم ما هى إلا لحظات ويغادر ذلك التساؤل من ذهنى ، تعجبنى كثيرا تلك الاجواء وكأنى خُلقت من أجلها ، أظن اننى كنت فى حاجة ماسة الى ذلك ، ماذا اطلق عليها … ( جلسة اعتراف) اظن انها ستكون الكلمة المناسبة هنا.

 

بدأ اول شخص بالحديث ، لا اعرف لمَ هو تحديداً ، تتضح علامات الوهن والضعف وتأثير تقدم العمر على وجهه ، وفى صوت ضعيف كافى أن يصل إلى جميع اطراف الدائرة قال: “الكذب ثم الكذب ثم الكذب ثم إمعان الكذب ، حتى صرت لا استطيع التمييز إن كان هذا الطريق قد بدأ بإحدى كذباتى الشهيرة ام أنه طريق قد بدأ على أسس سليمة ، تلك كانت حياتى ، لا أتذكر حديث ليِ لم يتضمن احد مهاتراتى التى طالما استطعت إقناع مستمع الحديث اياً كانت هويته بها ، كنت دائم الشكوى والتذمر بأننى لا انال ابدا ما استحقه ، كان معظم الوقت يضيع فى ذلك التبرير السفيه والحجج الواهية بدلاً من اى عمل حقيقي على ارض الواقع قادر على الوصول بي إلى مبتغاى ، لم اتوقف عن اللوم ، كل شخص وكل شئ وكل الظروف ، لم اواجه ابداً حقيقة اننى من اخلق كل هذه الفوضى ، كانت الصدمة حينما فطنت أخيراً أننى الخاسر الوحيد حتى و إن نجحت فى اخفاء ذلك من خلال الكذبات المتتالية ، فطنت أننى قد خسرت سنوات عمرى على اللاشئ ، ها أنا ذا على مشارف النهاية ، لا توجد سفينة قادرة على العودة بي إلى الوراء لأُصلح ما افسدته بيدى ، ربما حتى يكون هذا اخر حديث لى والوحيد الصادق إن أردت الدقة ، فلتأخذوا عنى تلك الكلمات ربما تنفع أحدهم ألا يسير على نفس دربي، تذكروا دائما ان  اعظم ما يمتلكه الساحر هى تلك القبضة الفارغة والتى يُوهم الجميع انها تحتوى على شئ لا يقبله المنطق، لطالما اعتمد السحر على قوة التخيل لدى المشاهد اكثر بكثير من براعة الساحر فى حد ذاته، ستتأكد يوما ما أننا من نخلق كل هذه الفوضى من حولنا دون ان ندرى ، فقط نحن نطلق العنان لخيالنا ليتولى هو زمام الامور” .

٥…..٤…..٣……٢……١

 

بدأ ثانى الاشخاص بالحديث ، كانت فتاة لا اظن انها تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها ، قالت فى صوت ينبع بالحزن والاسي من جميع اطرافه :”كنت دائما ما استمع الى عبارة ( لن تعرف ابدا قيمة الاشياء حتى تفقدها) ، لم اتخيل يوماً ما أننى سأُلقن درساّ قاسياً فى عدم تقدير تلك العبارة ، أعتقد أننى فقدت ما يفوق أهمية كل الأشياء ، أعتقد أننى فقدت أغلى الأشخاص، أعتقد أننى قد خسرت كل شئ لأننى خسرت الشخص الوحيد الذي أحبنى أكثر مما فعل الجميع مجتمعين ، أتذكر كلماته التى طالما بذل كل مساعيه أن تنل منى آذاناً صاغية، تلك الكلمات العذبة عن ماهية الحب ، وعن مشاعره الصادقة التى لم يتردد أن يبوح إليِ بها ، كنت دائماً تلك الشخصية المتعجرفة التى لا تولى مثل تلك الامور اى اهمية ، وهل لا ينام أحدهم حقا من آثر الفراق ليلاّ !! يالها من قصة مضحكة، كانت تسقط تلك الكلمات على مسامعه كوقع السيوف على الاجساد العارية ، لم أُعطى لنفسي ولو فرصة واحدة حتى أستمع لتلك الكلمات التى أراد ان يصيب قلبي بها ، لم يطلب منى يوماً ما أن ابادله مثل ذلك الكلام الرقيق وكان يكتفي بابتسامتى التى تنهى إطار الحديث ، ويسعد بها كالطفل الذي نال اخيرا دميته المفضلة ، تترد بعض كلماته على مسامعى ولا تغادرنى إطلاقا ، سأقتبس لكم بعضها (كل شخص على وجه الارض يمتلك شبيهاً لروحه ، هو الوحيد الذي يستحق كلمات الحب والغرام التى طالما سخرنا منها والتى حدثنا عنها القدماء ، فقط انت تسخر من ذلك الحديث لأن فرصة ايجادك لتلك الروح تكاد تكون معدومة بين كل تلك الأرواح ولكنها هنا رغم كل شئ …. إنها هنا ) ، لقد كان هنا من أجلى ، ولكن اعتقد أننى لم أكن هناك من أجله ، اما وقد رحل عنى تاركاً لى ذلك الشعور بالندم والحسرة الذى لا يفارقنى، اظن اننى قد تعلمت الدرس جيدا ، رغم ايمانى الشديد أننى قد فقدت الروح التى خُلقت من أجلها ، لا أعتقد أن اى شئ فى هذا الكون قادراً على اثنائي عن البكاء كلما تذكرت تلك العبارة التى كان ينطق بها كلما نظر إلى عينى ( اياً كان ما بلغتُ من الامر طوال حياتى ، ستظلين انتِ دائماً أعظم انتصاراتى)”

٥….٤….٣….٢….١

بدأ ثالث الاشخاص بالحديث ، كان رجل فى متوسط العمر ، لم تظهر الكثير من ملامحه لتنبأ عن اطار سير الحديث حيث أنه كان دائم النظر إلى الأرض ، قال:” لم اكن أقصد أن أطعنه تلك الطعنة فى ظهره ، لقد كان صديقي ، أقسم أنه كان كذلك ، لم أتمنى أن يصيبه الشر فى يوم من الأيام ، نعم كنت أحب نفسي كثيرا بشكل مبالغ فيه ، كنت أحب المال بل اعشقه ، كنت أسعى نحو الشهرة والمجد والسلطة ، فى ذلك الطريق كسرت الكثير من القواعد ، تغاضيت عن القيم والمبادئ ، لم اكن اهتم كثيرا بكلمات النصيحة التى طالما نصحنى هو بها ، وحديثه عن أن ذلك الطريق سينتهى نهاية مأساوية فى يوم من الأيام و سينتهى معه كل شئ ، اتى ذلك اليوم الذي وقف هو بينى وبين احد مطامعى المالية التى طالما تغاضي الطرف عنها ، حتى اصبح لا ينام الليل من ارق الضمير المتهالك بالصمت ، كنت اعلم بأن ذلك اليوم قادم لا محالة ، لم اتوقف عن سؤال نفسي  عن ردة فعلى حينها ، هل سأفعل مثلما افعل دائماً ، أدهس على اى شخص يقف بينى وبين اهدافي الدنيئة ، ام ستستيقظ اخيرا تلك الفطرة السليمة التى حدثتنى عنها يا صديقي انها مازالت توجد بمكان ما داخلى ، اعتقد ان الظلام كان قد خيم واستوطن بداخلى منذ مدة حتى انا لم اعلمها ، لم اتردد لحظة واحدة فى الاطاحة بك يا رفيقي ، ولم اتردد حتى فى الوشاية بك لتتحمل عنى وزر كل اخطاء سنوات عمري ، لتقضي انت باقي سنوات حياتك خلف القضبان فى ذنب لم تقترفه يداك ، اظن أن الخطأ الوحيد الذى اقترفته طوال حياتك هو كونك اصبحت صديقاً لشخص لا يعرف حتى معنى كلمة الصداقة ، أخطأت حينما آمنت بأن الخير يوجد داخل جميع النفوس مهما بلغت من الشر فهذه فطرة انسانية ، ربما أنا لست انسان على أية حال ، الآن انا امتلك الاموال بل الكثير منها ، وصلت لكل المطامع الفانية التى طالما حلمت بها ، اصبحت ذا شأن كبير فى مجتمع مثل مجتمعنا هذا ، ورغم كل ذلك لم ولن أكون فى يوم من الايام نصف الرجل الذي انت عليه ، هل تلك الأموال قادرة على جعلى إنسان سليم الفطرة ، هل تلك الاموال قادرة على شراء الحب الذي لم احصل عليه يوما ما ، هل تلك الاموال قادرة على ان تأتى بك من جديد وتعيد بنا الزمان لتأخذ بيدى عند اول مرة وطأت قدمى ذلك الطريق اللعين، تلك التساؤلات معلومة الاجابة مسبقا ستفتك بعقلى يوما ما ، انا فقط فى انتظار ذلك اليوم الذي استحقه عن جدارة” .

٥….٤….٣….٢….١

بدأ رابع الاشخاص الحديث ، كان شاب فى مقتبل العمر بملامح عجوز على مشارف الموت ، لا اعرف ما الذي قد يصنع بالانسان مثل ذلك ، ولكن على اية حال كان قادرا على الحديث ” استطيع القول اننى لم اكن بارعاً فى استغلال الفرص التى اتيحت لى للتقرب من عائلتى كى احظى بذلك الحب والدفئ الذي يسعى الجميع ان يحصل عليه ، لم اتخيل اننى اسمح بمنتهى السهولة لفرصة عظيمة بأن تنسلت من بين اصابع يدى،  بدلاً من استغلال تلك النعمة التى منّ الله علي بها ولم يمنحها للجميع ، كنت دائم الشجار ، دائم الصراخ ، دائم افتعال المشاكل بدون ادنى سبب ، ولم اكن احظى ف المقابل سوى بتربيت ابي على كتفي الذى لم افهم معناه فى وقتها ، ودموع امى التى دائما ما دعتنى لان ارتمى بين احضانها فهو اكثر الاماكن اماناً على وجه الارض تلك كانت كلمتها دائما ، لم اكن اعلم ان الفراق قريب ولن يعطينى اى فرصة للوداع ، اظن أننى حتى سأفشل فى ايجاد الكلمات المناسبة التى تصف شعورى حيال تلك الخسارة ، من سيأتى ليشغل مكانك يا ابي ، كنت دائما ما ارتكز عليك دون ان اعلم ، كنت تحبنى اكثر مما كنت اتصور، هل لى ان احظى بتربيتة كتف اخيرة يا ابي واقسم اننى سأعتذر لك تلك المرة ، هل لى ان انام يوما واحدا اخر مطمئناً بوجودك فى المنزل ، فأنا لم احظى بالنوم منذ غادرت ، هل لى ان ازور اكثر الاماكن اماناً فى العالم يا امى ، اعلم أننى امتنعت حينما كانت الزيارة مجانية ومتاحة فى كل الاوقات ، الآن انا على استعداد للتضحية بحياتى لأذهب إلى حضنك مرة أخرى، هل من فائدة لتلك الامانى! ام اننى سأظل هائماً على وجهى بقية عمرى نادماً على ما ضاع منى بإرادتى ، كنت استمع لجملة منكِ يا أمى وانا صغير ( لا تندم على اى شئ قد ضاع منك ، فالايام قادرة على تعويضك بالافضل) ، سحقاً لتلك العبارة يا أمى ، لن تستطيع الايام ان تعوضنى أبدا، من أين ستأتينى بكِ من جديد)

٥….٤….٣….٢….١

 

اظن ان الدور قد حان علىِ للحديث ، كان ذهنى يمتلئ بالكثير والكثير من الافكار التى اردت الحديث عنها ، على جانب اخر لم تغادرنى اى كلمة قالها اطراف الدائرة قبلى ، تلعثم لسانى بالحديث طويلاً وخسرت الكثير من الوقت هبائاً ، حقيقةً لم اكن اعلم اين البداية وكيف السبيل الى النهاية ، وما إن جمعت زمام امرى وبادرت بالحديث حتى قاطعنى صوت ذلك الشخص الذي بدأ كل ذلك الامر ( انت لست هنا للحديث يا بنى بل للاستماع الجيد لكل كلمة قد قيلت ، مهما بلغ بك الامر من الازمات فمازلت احسن حالاً من جميع من تحدث ، مازلت تملك فرصة تصحيح الامور ، مازلت تملك الحبيب ، مازلت تملك الصديق، مازلت تملك الاهل ، لديك فرصة لتخبرهم بكل ما تكنه من حب صادق تجاههم ، مازال لديك فرصة لبعض الكلمات الاضافية القادرة على تغيير دفة الامور ، كل من سبقك يتمنى ان يكون فى موضعك هذا ، فقط لساعات لدقائق لثوانى ، من اسوء اللحظات التى قد يواجهها الانسان طوال حياته ، هى لحظة الفراق ، هى تأتى دائما بدون سابق انذار ، تسبقها الكثير من الاخطاء المتروكة دون تصحيح ، ويتبعها الكثير من الندم الغير قادر على تغيير شئ من واقع الامر ، اظن انك صاحب حظ كبير حتى تقرر الدائرة ان تجعلك ضيفها لليوم ، احرص على ألا تكون زائراً لنا فى يوم من الايام فى موضع غير موضعك ، اتذكر بعض ابيات الشعر “ابو العتاهية”  ، ارجو منك ان تحفظها جيدا

وما الدهر إلا جامعٌ ومفرقُ .. وما الناس إلا راحلٌ ومودعُ

فإن نحن عشنا يجمع الله بيننا..وإن نحن متنا فالقيامة تجمع

الم تر ريب الدهر فى كل ساعة.. له عارض فيه المنية تلمع

شاهد أيضاً

ما أليلك – طه عبده سالم

يا غصة الليل المخمر بين أفلاكه المثقله!!! وأنا ومسبحتي الهموم تقنطرني ! نياشينها الأوله؟ فتبصق …

بن حليمة امحمد

  غفرانك ربّي – بن حليمة امحمد

  . إلهي  ظلمتُ  فأظلم عيْشي //  و ما لي سواك  يعـيد المَنارْ      حبستُ …

تعليق واحد

  1. جميلة ومعبرة اوي يافهمي

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: