الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 41 – كوب – أسامة محمد

القصة 41 – كوب – أسامة محمد

كانت تلوم نفسها، بينما تنظر إلى القطع المتناثرة.. تتساءل: كيف حدث هذا، وهي التي اعتادت أن تحمله بحرص شديد، كأنه جوهرة ثمينة؟! يوم اشترت أمها ذلك الكوب وهي طفلة، لم تعجبها صورة (تويتي) عليه، فهي تحب (بطوط) أكثر.. هكذا توسلت لأمها أن تذهب لتستبدله بكوب مطبوعة عليه صورة هذا الاخير، فأخبرتها الأم المتعبة أن تصبر حتى الغد.. و لكن الغد لم يأت أبداً، فاحتفظت به على مضض.. و بمعجزة ما نجا من التحطم كالأكواب الاخرى، واستكمل رحلته لسنوات مع شايها الصباحى.. والواقع أنها لم تدرك كم هو عزيز لديها إلا بعدما تزوجت.. منذ ان طرقت المراهقة أبوابها، و قد حلمت بأن تعيش قصة حب تملأ كيانها.. تعيشها بكل جوانحها، وتظل تذكرها طوال حياتها.. لكن هذا لم يحدث أبداً..

فكانت السنون تكر بعضها، والثلاثون وما بعدها عذاب مقيم.. ولم تزل أحلام الحب تراودها، وإن كان املها يضعف كل يوم.. حتى بلغت القاع يوم تقدم لها ذلك الشاب.. و منذ اللحظة الاولى أدركت انه لا يعرف المشاعر.. لا يهمه أن يتزوج أي امرأة في العالم، طالما أنها تؤدي وظائفها المحددة.. كان والداها يريدان اتمام الزيجة بأي ثمن، لشطب إحدى بناتهما من طابور انتظار العرسان، وكابوس لقب (عانس) لا يفارقها، و أحلامها التى تبخرت تزيدها كآبة وتعاسة..كل شىء يضغط على أعصابها.. ولما أطرقت لا تحار جواباً، قالوا أن السكوت علامة الرضا.. ليتم الزواج بسرعة، وتسافر مع زوجها إلى الدولة الأوروبية التي يعمل بها..

و سرعان ما أدركت أنها كانت محقة فيما حسبته.. إنسان قميء هو، لا يفكر فى المرأة إلا كلعبة جنسية، أو خادمة مطيعة وطباخة، أو مربية للأولاد.. وكان قد أصر أنها لن تعمل، رغم شهادة الماجستير التي تحملها.. وقبلت مرغمة، ليصير عالمها سجناً، لا نشاط، ولا مكان تذهب إليه، ولا أحد تعرفه.. فقط أربعة جدران.. و رغم ذلك فقد كانت أسعد أوقاتها عندما يغادر زوجها إلى عمله، ويغيب ساعات طويلة.. حينها فقط كانت تستطيع أن تستمتع بقبس من عالمها القديم الجميل، يدفئ قلبها وسط كل تلك البرودة، والفضل لكوبها العزيز.. عندما كانت تعد حقيبتها، كدستها بكثير من الأغراض التي قد تحتاجها، ووسطها كان ذلك الكوب، الذي تشعر الآن و كأنها كانت تدخر فيه ذكرى جميلة، كل يوم، فصار لديها ثروة تحتاجها للغاية.. كل يوم تصنع الشاي وتصبه فيه..

تمسكه في حنان بكلتا يديها كأنما تحتضنه، وترشف منه ببطء كأنما تقبله، ثم تغيب عما حولها.. تعود طفلة سعيدة، غافلة عما يخبئه المستقبل.. تحلق فى عالم سعيد، حالمة بالحب العذب.. وعندما يفرغ الشاي، ترجع إلى الواقع، وقد شُحنت سعادة تكفيها لتحتمل يوماً آخر.. لكنها اليوم كانت تصنع الشاي الصباحي كعادتها، وقد شردت فيما قاله لها الطبيب أمس.. وعندما يدها لم تدرك أنها كانت تضع الكوب على حافة المنضدة.. فهوى قلبها وهي تراه يهوي، وشعرت به يتحطم مع الكوب.. تدمع عيناها وهي تمد يديها لتحمل القطع، وتتمنى لو لم يحدث هذا، لكن هل يكفى التمني؟! فجأة تجد كل قطعة تتحرك لتعود إلى مكانها، حتى يلتحم الكوب سليماً.. الذهول يغمرها، وقلبها يدق بقوة.. فتأخذ  الكوب وتضمه إلى صدرها، كأنما تعتذر له، دون أن تشعر بالدماء الدافئة التي بدأت تنبجس !!!

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: