الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 33 – ليلة الوداع – د. بن منصور إلهام

القصة 33 – ليلة الوداع – د. بن منصور إلهام

ليلــــة الـــــــوداع

في ليلة ممطرة مظلمة،كان المطر غزيرا،والسماء مزينة بألوان البرق وأصوات الرعد الذي كان يعزف نغمات مختلفة،خرجت من غرفتي لأذهب للحمام مع العلم انني ترددت كثيرا قبل الخروج من فراشي الدافئ، وبينما انا امر في رواق البيت بي أسمع صوت انين امي المريضة،وكأنها تناديني لمساعدتها على الفرار من شخص لم او شيء لم أدريه وقتها…

طرقت باب الغرفة فإذا بوالدي يفتح لي الباب وهو يضع أصبعه على شفتيه المرتعشتين من البرد والخوف على أمي ليشير إلي بأن لا أقوم بصوت عال لأنه كان يضن أمي تحاول النوم لترتاح ولو بضع دقائق من الألم الذي كان ينهش اوصالها…كانت الغالية تعاني من شلل نصفي انهك جسمها ومسح ضحكتها التي كانت تملأ أركان بيتنا الدافئ بالحنان والحب…

مرت ساعات طويلة وأنا وأبي نوجه نظرنا إليها وكأننا نحرسها من وحش الموت الذي طالما زارها لبرهة ليذكرها بأنه قريب منها،حتى سمعتها تناديني:يا إبنتي الغالية أنا أتألم،أنا أنهار،أنا أموت إخوتك أمانة عندك..كلمات صغيرة ولكن كان معناها وألمها فضيع وكأنها الخنجر الذي كان يضرب مكان الجرح النازف مرات ومرات دون توقف…

حاولت تهدئتها بان العمر كله مازال امامها وان هناك اياما جميلة بانتظارنا يجب ان تتمسك بالحياة لتعيشها،ولكن في ذلك الوقت كانت ترى ما لا احد غيرها يراه أنه الضيف المكروه الذي يدخل بيوتنا وحياتنا دون إستاذان إنه الموت..

سارع أبي ليخرج السيارة من القبو لننقلها للمستشفى ومن سوء الحظ كان البنزين قد نفذ منها دون أن ينتبه لذلك مع زحمة المشاكل التي كنا نتخبط فيها انذاك من مرض أمي و تدهور شغل أبي،وعدم قدرته على تلبية حاجاتنا المتزايدة وشراء ادوية والدتي التي لم تكن تاتي بنتيجة…رفعت سماعة الهاتف وأنا ارتعش ولم اعرف حتى الان كيف تذكرت وكيف دونت رقم عمي القريب من بيتنا،انتظرت بعض ثواني حتى رد علي بصوت ضعيف وكان نصفه نائم والآخر نصف مستيقظ :ألو من معي؟؟ فأجبته بأنني إبنة أخيه وان ابي يطلب منه المجيء لأخذ أمي للمستشفى لأن حالتها سيئة جدا..لم يتردد في المجيء ركب أبي مع عمي وهو يضع رأس أمي فوق ركبتيه اللتان لم يكن يقدر على تثبيتها من شدة ارتعاشهما،حاولت ان اقنع ابي بان ارافقهما فرفض بقوله لي: ابقي يا إبتني مع اخوتك وانأ سأطمئنك عليها،انهمرت بالبكاء وكأنني اترجاه بان يعطف على حالي ويسمح لي بالذهاب معهم..بقيت اعد الدقائق و لا ارتاح بأي مكان اجلس فيه او اقف عنده..

بعد نصف ساعة مرّت وكأنها نصف دهر سمعت الباب يفتح ،كان والدي قد عاد من المشفى ليأخذ فراش امي لان الطبيب المناوب قد امر ببقائها  بضعة أيام حتى تستقر حالتها..وبينما نحن نحضر لها الفراش والملابس  والدواء الذي تحتاجه حتى رن هاتف ابي عدة مرات ليرفع السماعة وهو يقول: هذا عمّك ربما إحتاجت أمك لشيء اخر يريدني اخذه لها معي و..قبل ان ينهي كلامه حتى رايته يسقط على الارض وعيناه الذابلتان تذرف الكثير والكثير من الدموع الساخنة بإذا بي اقول:أبي ماذا حصل؟؟ما الذي اخبرك به عمي؟هل حالة أمي ساءت اكثر؟؟رد أبي بصوت ضعيف :لقد توفيت امك يا إبنتي..لقد كانت اسؤ واقسى وأمرّ كلمات سمعتها في حياتي كلها..صرخت بأعلى صوتي:لا لا هذا كذب أمي لم تمت ولن تموت حبيبتي ستظل مع أولادها..كانت كلمات حاولت بها تكذيب الامر المشؤوم،وعلى صراخي استيقظ إخوتي لينصدموا بالخبر،للحظة إمتلأ البيت بالجيران والأقارب والأصدقاء.

أغمي عليّ لأجد نفسي في المستشفى وفرحت فرحا كله حزن و ألم لأنني سأتمكن من راية امي لآخر مرة،ترجيت الممرضة لأخذي إليها مع العلم انه لم يكن من المسموح لنا برايتها قبل اتمام اجراءات المستشفى..وأخيرا أقنعتها أو ربما أشفقت على حالي الذي كان يبكي ألدّ الأعداء،دخلت غرفتها التي كانت باردة برودتها،كانت نائمة نوم الملاك ،كانت مبتسمة وكأنها رأت عالمها الاخر الذي صنعته بطيبتها في اثناء زيارتها لهذا العالم الذي لم يرحب بها طويلا حتى طلب منها المغادرة،قبلت يديها الناعمتان ثم جبينها العريض الابيض الخالي من الدماء التي غادرته لانتهاء مهمتها،لم تتوقف دموعي على السيلان وكان لا نهاية لها وكأنها تنحدر من بحر لا حدود له..أخبرتها بأنني أحبها وسابقى أحبها وسأتوقف عن حبها يوم يتوقف قلبي على النبض للحياة التي لم يعد لها اي طعم ولا لون ولا ذوق بل صارت خالية مظلمة مخيفة…وعدتها بان احافظ على امانتها وان اصون اخوتي وأحافظ عليهم كما دوما حافظت هي علينا على الرغم من ان مكانها لا يملؤه احد ولا يعوضه مخلوق على وجه الارض،لقد طلبت منها اخر طلب و هو ان ترقد بسلام.

كانت السماء تمطر باكية على فراقها وظل المطر يتهاطل حتى غطاها التراب ليهدأ بعدها ويطلع يوم جديد بدونها،بدون حبها ،بدون دفئها…

مرت سنوات حاولت خلالها الوفاء بوعدي لامي،لقد تزوجت أختاي الصغيرتان وأنجبت كل منهما طفلا،أما أخي الذي يصغرني بقليل أصبح ضابطا يحترمه الجميع وقد وجد رفيقة دربه فخطبتها له،اما ابي فمازال على حب امي الغالية ول يتزوج بعدها رغم اصرار كل من حوله ذلك،و قرر بان لا يتزوج بعدها حتى يضع يده بيدها عند رحيله اليها،اما انا فقد تزوجت ورزقني الله من بابه الواسع فقد ارتبطت برجل رائع الاخلاق يحبني ويحترمني ورزقت بتوأم وكان الحياة تكافئنا على صيانتي لأمانة الغالية او ان امي هي التي تهديني كل ما اتمنى لسعادتها على ان تربيتها لي كانت في محلها..رغم مرور السنوات ظللت ولازلت أزور حبيبتي كل جمعة لأسرد لها ما يحدث  مع زوجها وأولادها وما الذي يحصل في الحياة التي تركتها وكأنني أمل أن ترد علي يوما ما تخبرني ما الذي يحدث في عالمها الاخر هي الاخرى…لن أتوقف على حبها وعلى زيارتها حتى أرحل اليها…أحبك أمي

 

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: