الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 32 – علبة السجائر – الياس فاطيمة

القصة 32 – علبة السجائر – الياس فاطيمة

في يوم الخميس قبل نهاية العطلة دعاني أخي لتناول وجبة الغداء في منزله، وبينما كنا نشاهد التلفاز إذْ دخلَ علينا ابنه أحمد وفي يده علبة السجائر، ناديته بلطف يا أحمد: من أين لك بعلبة السجائر تلك؟ وماذا تفعل بها؟ حبيبي هلّا ناولتني إيّاها.

ردّ حمد قائلا: إنّها لأبي يا عمتي، سقطت من معطفه المعلّق هناك وأتيت لأرّدها له.

توجّه أحمد إلى والده حسن –والذي تمنى أن تبتلعه الأرض حينها- ووقف بجانبه وقال: تفضّل يا أبي، إنّها لك. وابتعد خطوتين إلى الخلف ووقف مواجهاً لوالده ومطأطأ رأسه.

أخذ الوالد حسن العلبة وشكر ابنه، وقد لاحظ أنّ ملامحه تشير إلى أنّه يرغب في قول كلام ما لكنه متردد.

الوالد حسن: فيما تفكّر يا بُنيّ؟ هل تريد اخباري بأمر ما؟

أحمد: نعم يا أبي.

الوالد حسن: تفضلّ يا بنيّ وهات ما عندك، فأنا أصغي إليك.

نطق أحمد بصوت طفولي بريء هادئ.

أحمد: لقد أخبرتنا المعلمةُ يا أبي بأنّ كل سيجارة يدخنّها الإنسان يُنقصُ بها ثمانون دقيقة من عمره، وهذا ما تفعله بعمرك يا أبي؛ ما يعني أنّك ستموت وتتركنا في وقت مبكر، فهل ستفعل ذلك وتتركنا مع أمي بمفردنا؟ مَنْ سينفق علينا يا أبي لنُكْمل دراستنا؟ وهل سننام كل ليلة ونحن جوعى؟  ألنْ نحتفل في العيد بثوب جديد يا أبي؟ سيضحك أصدقاءنا من ثيابنا الرثّة البالية، والأحدية القديمة الممزّقة مثلما نشاهده في الرّسوم المتحركة.

الوالد حسن: لن يحصل هذا يا ولديّ العزيز.

أحمد: أعرف يا أبي بأن أعمامي وأخوالي سيشفقون علينا وسيعتبروننا أبنائهم، لكن يا أبي أمي لن تقبل بذلك، وستعمل في المنازل وستبيع كل ذهبها ومجوهراتها كي لا نُحسَّ بالنّقص، فهل تركت لنا ما نعيش به من بعدك يا أبي؟ (أمسك أحمد بيد والده حسن بشدة باكياً، وواصل كلامه) ابقى معنا أرجوك، لا ترحل وتتركنا نعيش أشقياء طوال حياتنا، أرجوك يا أبي لا تقتل نفسك وتقتلنا معك، فنحن نحبّك كثيراً يا أبي وأخاف من هاته الحياة المرعبة بدونك……

نزل كلام أحمد كالصاّعقة على والده الذي عجز عن الكلام، وامتلأت عيناه بالدموع من بكاء ابنه وتوسّله له ولم يستطِع كَبْتها أكثر من ذلك، حينها تيقّن تماماً بأنّه يقضي على نفسه وعلى أسرته بيديه ولا بُدّ له من الابتعاد عن طريق التدخين.

وها هو ذا أخي حسن الذي لطالما نصحناه يتأُثرُ وتدمع عيناه من كلام صبيٍّ لا يتجاوز سنّه عشر سنوات ويقلع عن التدخين، فلا يدري الإنسان من أين يأتيه الفرج.

شاهد أيضاً

ما أليلك – طه عبده سالم

يا غصة الليل المخمر بين أفلاكه المثقله!!! وأنا ومسبحتي الهموم تقنطرني ! نياشينها الأوله؟ فتبصق …

بن حليمة امحمد

  غفرانك ربّي – بن حليمة امحمد

  . إلهي  ظلمتُ  فأظلم عيْشي //  و ما لي سواك  يعـيد المَنارْ      حبستُ …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: