الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 31 – فرصة ثاوية – توفيق بوشري

القصة 31 – فرصة ثاوية – توفيق بوشري

 

يرن هاتفي. أتعمد ألا أهرع إليه مثل بائرة تتشبث حتى بمكالمة أرعن عاطل عن كل شيء اللهم عن شغف شبقي بالفتيات العوانس. في المرة الثانية حاولت أن أركز على مشاهدة الفيلم الأمريكي الذي لم أفلح يوما في إتمامه، ربما استملحت الأمر وأصبحت مدمنا على اللانهايات مع أني لم أنجح يوما في فهم الرياضيات أو الفيزياء. مع أني أعشق الفيزياء النووية؛ يستفزني ذلك الغموض والتعقيد الذي يحف بلفظة نووي كما يفعم مخيلتي المسكونة بالعجز الواقع في غرام القنابل المدمرة..

واصل الذي يحاول لفت انتباهي طلب رقمي؛ تظاهرت بأني سأمد يدي إلى قنينة الماء لأشرب، امتد عنقي أيضا وشزرت عيناي اسم المتصل، لست متأكدا تماما من يكون.. انتظرت حتى توقف الرنين وتم تحويل المكالمة إلى العلبة الصوتية، حملت الهاتف وركبت رقم علبة الرسائل، اتصلت.. لا تريد أن تجيبني؟ حسنا، أنت تعرف أني أعرف كيف أجعلك تفعل.. لم أعر الأمر أهمية في تلك اللحظة بغرابة أنا نفسي استغربتها، ظل الهاتف في يدي، انتبهت إلى التلفاز، كان الفيلم قد تجاوز اللقطة التي كنت أتوقف عندها لأمر أو طارئ.. قالت البطلة: أنت لا تعرف ماذا تريد.. وأنا لست مستعدة في كل مرة لأن أكون لعبة لمشاعرك الطفولية.. هذه المرة أعرف كيف أجعلك تندم.. نظرت إلى هاتفي، أعدت الاستماع إلى رسالة مهاتفي. قال البطل: هل تعتقدين حقا أني أرتكب فعلا شنيعا؟ أنت لا تعلمين كم أعاني.. ربما أكون مريضا نفسيا. أنا أحتاج إليك. قلت لنفسي: أنا لست مريضا نفسيا.. هل يمكن أن أدعي ذلك لأتفادى ما قد يفعله هذا الذي يطلبني؟ كانت البطلة قد غادرت صوب طريق طويل مضاء بمصابيح خافتة، تبكي بصمت فظيع، لمحت دموعها الحارة تنسدل على خديها..

ضحكتُ: ترى من منا سيبكي؟ أنا أم مخاطبي الغاضب؟ ظل البطل في مكانه: أشعل سيجارة مطأطأ الرأس، بدا كما لو أنه صار تمثالا.. بينما كنت مازلت متكئا ألهو بهاتفي بين راحة يدي وأصابعي. فكرت أن أعيد الاتصال بالغاضب، شعرت بأني سأمتثل لتهديداته على الأقل بالنسبة له. ابتسمت لأني كنت دون رصيد، كأنها ذريعة كافية. أحسست بأني بليد للغاية، عزيت نفسي بكوني واعيا بذلك. مهلا لقد مطط المخرج لحظة تسمر البطل في مكانه كثيرا.. قلت لنفسي: فلأتركه ليفعل ما يشاء.. في تلك اللحظة انتقلت الكاميرا صوب البطلة، كانت تمزق صورة تجمعها بالبطل وهي شبه مقرفصة على سريرها.. لماذا لا أمسح رقم هاتف مهاتفي نهائيا؟ حسنا لقد طفح كيل القارئ.. فكرت أني في حاجة فعلية إلى زيارة ولي صالح وما إذا كان هناك ولي صالح يصلح لحالة بلادة فجة مثل ما أقوم به أو أفكر فيه؟ فكرت أيضا ماذا يمكن أن نهدي إليه؟ هل يطلب أموالا نلقي بها في صندوق العطايا ليتهافت عليها القائمون على ضريحه بعد إغلاق المحج؟ بينما هو تحت التراب يحوقل.. عادت الكاميرا صوب البطل، تناول مسدسا وصوبه نحو صدغه.. لحسن الحظ ليس لدينا أسلحة حيث نحن.. أطلق.. ثم قهقه عاليا، كان مسدسا بلاستيكيا يحمله معه دائما كتذكار من أبيه الذي كان شرطيا. لقد قررت أن أنتظر حتى يكالمني مرة أخرى، لا أعتقد أنه سيكتفي بثلاث رنات ثم ينفذ تهديده بهذه السرعة.. بسرعة أخفى البطل مسدسه وركض. جلت برأسي فيم قد يفعله الغاضب المزعج، هل سيخبر زوجتي بأني قد التقيت بزميلة الدراسة القديمة في الجامعة والتي كانت تعشقني لأني كنت غريب الأطوار ولأنها كانت بشعة.. لكني لم أكن متزوجا. وقف البطل تحت شرفة شقة البطلة، شرع يغني أغنية لأفريل لافين Avril Lavigne: أقف على الجسر – حسنا الأغنية تقول ذلك ومجازا هو يقف على جسر المحاولة – أنتظر في الظلام، اعتقدت أنك ستكونين هنا في هذه اللحظة.. البطلة كانت قد نامت. فكرت أن أسجل لمهاتفي رسالة صوتية أستدينها ريثما أعبئ هاتفي فيقتطعون ثمنها.. طبعا لن أغني له أغنية. عفوا صديقي، أنت تعرف أن الهاتف آخر شيء أفكر فيه.. أكاد لا أجيب حتى على مكالمات أمي، لا تسألني لماذا أملكه، حقا لم أعد أعرف.. رفع البطل صوته عاليا، أخيرا استيقظت البطلة، ظنت أنها تحلم، وأن ذلك صوت الأغنية في الذاكرة.. لكن الصوت استمر لكي تتيقظ تماما، توجهت نحو النافذة، كان البطل هناك. ترددت قليلا، فتحت النافذة. استمر البطل يغني: لا يوجد شيء سوى المطر، لا توجد آثار أقدام على الطريق.. لقد حاولت أن أسمع أحدا ولكن لا يوجد أي صوت.. صاحت البطلة من فوق: ولكني لم أقل شيئا بعد. قال البطل لنفسه: حسنا الأغنية التي تقول هذا..
حملق في حبيبته: هل تقصدين أن هناك فرصة؟ ابتسمت: لم أقصد ذلك. حسنا لن أسجل أية رسالة، وأنا لا أخشى شيئا في النهاية. وضعت الهاتف على المائدة. صاح البطل: أليس هناك أحد ليحاول إيجادي؟ أليس هناك أحد لكي يأخذني إلى البيت؟ بكت البطلة: يبدو أني سأخسر مجددا.. رن هاتفي، هذه المرة، ارتميت كما نمر وانقضضت عليه انقضاضا حتى فزع المفعول المطلق فزعا.. كان هو.. ألو، ألو.. أود أن أعتذر.. لقد.. لا عليك، اسمعني فقط، لقد اتصلت من أجل سداد ما تبقى من ثمن الهاتف. آه، لقد نسيت تماما.. قاطعني: ليست مشكلة، يمكنك السداد متى ما استطعت، أنا فقط لا أحب العلبة الصوتية.. أعتذر عن التهديد الغبي.. ضحكنا معا.. كانت البطلة تعانق البطل بشدة، قالت: لا تعدني بشيء.. لندع الأمور تمضي هكذا، أنا أحبك في النهاية وأنا التي تراجعت عن قراري.. أراد البطل أن يهمس، وضعت أصابعها مجتمعة على شفتيه: اصمت أيها اللعين.. ودعت بائع الهواتف، كنت أضع له على الهاتف اسم رضوان هاتف.. لم أنتبه حقا من يكون.. قبل أن أقفل بادرني: انتظر، في المرة القادمة إذا لم ترغب في استقبال المكالمات فيمكنك عدم تشغيله ببساطة ولا تنس أن تعطل العلبة الصوتية.. قلت: ربما لم تصدق أني لا أهتم كثيرا بالهواتف.. قاطعني مجددا: اصمت أيها اللعين..

 

 

 

المغرب

 

 

التصويت من خلال التعليق

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: