الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 3 – القاتل المأجور – سافر محمد الغامدي

القصة 3 – القاتل المأجور – سافر محمد الغامدي

 

 

بعد أكثر من ثلاثة أعوام من بدايتي في كتابة الرواية التي طالما حلمت بها، وبعد كل ما أنفقتة في سبيل إنجازها من وقت، وما وجدته من تعب وجهد وانعزال، وما عشته خلالها من احداث وتطورات، وحالة الانفصال التي عشتها بين الخيال والواقع وبالتالي بيني وبين محيطي؛ يسعدني أن أخبركم بأنة جاء اليوم الموعود للبدء في جني الثمار، فهأنذا قد أنتهيت ولله الحمد من كل ما يتعلق بها حتى أصبحت جاهزة، ولَم يتبقى الآن سوى البحث عن دار نشر لتبنّيها، وطباعتها ونشرها وتوزيعها.

 

ومع أحد صباحات كانون الثاني الباردة، وعلى أصوات زقزقة العصافير التي تملأ المكان، وعندما بدأت خيوط الشمس الذهبية تتسلل فوق رؤوس الأشجار، لتتساقط قطرات الندى عن اوراقها، ركبت سيارتي التي لم أرِث عن والدي غيرها إلا الصَلَعْ، ووضعت روايتي التي لا تزال مكتوبة بخط اليد على المقعد الخلفي، وانطلقت وكلي فرح وسرور بهذا اليوم الذي انتظرته طويلا وضحيت لأجله بالكثير، ولكن لابأس فتلك هي القاعدة؛ “هناك من يحلم بالنجاح ، وهناك من يستيقظ باكراً لتحقيقه”.

البرد قارس، لكنه صباح جميل في كل الأحوال، هكذا هي مدينتي، يتهامس فيها الغيم والجبل، وقطرات المطر تعزف سيمفونية الفرح، ورائحة نباتاتها العطريّة تفوح وتنتشر في كل زاوية من زوايها الجميلة، الشوارع اليوم خالية، فالجميع يتناولون الصباح من شرفات منازلهم ، ويحتسون القهوة على منظر أشعة الشمس وهي تمزِّق الغيوم وتكشف الستار عن أجمل لوحات الطبيعة، وهذا ماكنت أمارسه أنا أيضاً، ولكنني هذا اليوم في مهمة رسمية طال انتظارها، وجاء اليوم الذي سأنطلق فيه لتحقيقها.

 

وبينما انا كذلك وقبل أن أبلغ نهاية الشارع الذي سأنعطف منه يسارا لأكمل وجهتي، إذا بي أرى فتاة ترتدي فستانا أزرق، وتلف رأسها بمنديل أسود، ينسدل شعرها من تحته ليغطي كتفيها، تقف على قارعة الطريق، تحت زخّات المطر، وبلا تفكير وجدتني أنعطف قليلاً باتجاهها والإقتراب منها فأشارت لي بيدها فتوقفت فورا، فإذا بي أمام فتاة مبللة ترجف من البرد، فتحت الباب سريعا وركبت بجانبي، إستدرت للخلف وتناولت معطفي من المقعد الخلفي ووضعته على كتفيها، فتاة رائعة بكل تفاصيلها، ريفية تنساب قطرات المطر عن جبينها كحبات اللؤلؤ، واصلت المسير ولإرتباكي إنعطفت يميناً وأضعت خارطتي واتجاهي، لم يكن الحظ من قبل كريما معي إلى هذا الحد، وهذا مازاد حالة الذهول والتشتت التي وجدتها، لم اعرف كيف ابدأ بالحديث فتذكرت ان “فيكتور هوجو” يقول؛ “عندما تتحدث إلى إمرأة أنصت الى ماتقوله عيناها”، وليتني لم أفعل ذلك فقد اخترقت أسهم عينيها قلبي وأردتني صريعاً ، اَي يوم هو هذا وأي قدر، استجمعت قواي وسألتها:

  • اين تريدين ان أوصلك؟

وبعد أن أزاحت بيدها خصلة شعر كانت تتدلى فوق جبينها، قالت بصوت متحشرج يرجف بردا :

  • أهلي يتهمونني بالخيانة، وقد قاموا بطردي من المنزل، وهم على ثقة بأن الشخص الذي أقيم معه علاقة سيأتي ويأخذني من الشارع، لذلك فهم يراقبون السيارة الان وسيقتلوننا جميعا!!.

 

يا للهول، خبر كالصاعقة ، اَي فخ هذا الذي وقعت فيه، لا وقت للتفكير في ماذا سيحدث لو لحقوا بِنَا ، او في طريقة تخرجني مما انا فيه الآن، فلم اجد بُدّا من متابعة السير ومحاولة الاختفاء عن والدها واخوانها وأعمامها وأخوالها، الذين يحملون معهم كل أدوات القتل والتعذيب، وإن وجدوني فسيقتلونني قبل حتى ان اتفوّه بكلمة واحدة، فما رأوه بأم أعينهم يثبت صحة توقعاتهم، والدليل الأكبر لظنونهم، ويثبت سوء حظي كذلك،!

متزوداً بخبرة السنين الطويلة في القيادة، سحبت أطول نفس عرفته في حياتي، وبدأت الدخول بسيارتي من شارع الى آخر، يميناً ويساراً، فإذا بحظي البائس يوصلني إلى طريق مقفل، والعمائر تحيط به من ثلاث جهات، أحسست عندها أن الحياة أنتهت، أو بالأصح انني سأتمنى لو أنها تنتهي لما سألقاة من صنوف العذاب، وبينما بدأت استعرض شريط ذكرياتي قالت لي الفتاة:

  • أنا أعرف هذا المكان هيا بسرعة.

 

أقفلت السيارة وتبعت خطواتها، دخلنا إحدى العمائر الكبيرة وخرجنا من الباب الخلفي، فإذا بنا في شارع آخر تغطية الأشجار، وتطلّ عليه شُرفات البيوت المحيطة به؛ وفجأة تذكّرت الهامش الذي كتبت عليه روايتي، ياللكارثة! انه في السيارة، توقفت وأخبرت الفتاة بالأمر وذكّرتها وتذكّرت معها بأنني كنت خارجا من منزلي للبحث عن دار نشر لطباعة روايتي، وانه لا علاقة لي بما يحدث من هراء،  وانه لابد من عودتي لأخذها؛ قالت لي بعد أن توقفت واستدارت وأرسلت باتجاهي نظرة يتطاير منها الشرر :

  • سيقتلونك يا مغفّل!

  • نعم انا مغفّل لأنني توقفت لك بعد ان رأيتك في حالة يرثى لها، مغفّل  لأنني أقرر بقلبي أحيانا وليس عقلي، مغفّل لان حظي السيء يوقعني في المتاهات ويمنعني من بلوغ مرادي، ورغم كل هذا لن أترك روايتي التي قضيت عدة سنوات من عمري وأنا اكتبها تذهب أدراج الرياح.

 

إستدرت وأتجهت الى سيارتي التي لا يهمّني فيها إلا الرواية، وقبل ان أخرج من باب العمارة الذي يؤدي إليها، رأيت مجموعة من الرجال حولها، قام أحدهم بكسر الزجاج وفتحها، وأنا انظر اليهم متخفياً، فجأة أرى أجزاء سيارتي تتطاير،  وأشلاء روايتي تتناثر في الهواء، لاحول لي ولا قوة، ضاع حلمي أمام عيني، وبخطوات منكسرة عدت أدراجي الى حظي النحس، ومن تحت إحدى الشرفات دخلنا الى نُزل كُتِب على مدخله فندق، ويبدو من حجمه وهيكله الخارجي انه قديم لكنه يبدو اكثر أمانا مما يواجهنا لو بقينا في الخارج.

 

داخل الغرفة التي إستأجرناها، جلس كل واحد منا على مسافة بعيدة من الآخر، لا أسمع إلا نحييها وبكائها على ما المّ بها، وأنا لست بأحسن حال منها فقد كنت أيضاً أندب حظي النحس، الذي زجّ بي في هذه الورطة التي لا ناقة لي فيها ولا جمل، ولكن ماذا أفعل وهم الآن متأكدون مما رأوه ويعملون على إيجادي لقتلي والتنكيل بي، بكل تأكيد فقد عرفوا الآن كل شيء عني عن طريق رقم لوحة سيارتي، وربما أيضاً وجدوا صورة لي وقاموا بتوزيعها، وليس بالصعب الحصول عليها، فأنا ومن سوء حظي أيضاً أكتب في صحف الكترونية، وصوري تملأ صفحاتها، أي جنون هذا واي نهاية مرتقبة لما يحدث معي، لن أغفر لهذه الفتاة فعلتها الدنيئة وتوريطها لي بدون ذنب، سأنتقم من فعلتها ولكن ليس الان، ولكن ! ماذا؟

هي لم تُذنب ولم تفعل شيئاً، أنا الذي أقتربت منها، ذنبها الوحيد أنها كانت واقفة على قارعة الطريق، أنا الذي تحركت مشاعري ودفعتني نحوها، وانا الذي أوقعت نفسي تحت رحمة المجهول، أنا الأحمق، نهضت من مكاني واقتربت منها فتوقفت عن البكاء، أمسكت يدها فرفعت بصرها ونظرت الي، فإذا بي أرى في عيناها ماينسيني آلامي وأحزاني، أطلت النظر والإقتراب منها أكثر فأكثر، حتى بدأت أشمّ عطر أنفاسها، بدَت لي شهيّة كقطعة حلوى طَرِيَّة، وبكل لهفة وضعت يديّ على كتفيها، وقبل أن ألثمها يرنّ جرس الغرفة، إستدرت مسرعاً حتى كدت أسقط، فتحت الباب فوجدت أمي توقظني لصلاة الفجر.

 

أضأت المصباح فإذا بهامش رواية “القاتل المأجور” فوق الطاولة كما هو، ولكن مهلاً؛ هناك قصاصة ورق يظهر جزء منها من بين الصفحات، سحبتها وقرأت:

 

“لم يكن حُلماً، أنا إحدى شخصيات روايتك، لقد تركتني على قارعة الطريق ونسيتني، أنت من صَنع شخصيتي، وما أنا إلا جُزء منك، روح غابرة، تعبت من حملها، فألقيت بها لتتخلص منها بين أسطر الأحداث، فخرَجت هي لتُكمل باقي قِصّتها، وتنتقم لِذاتها من سوء حظها الذي أورثتها إياه”.  .. النهاية.

 

 

التصويت من خلال كتابة تعليق باسم الكاتب واسم المسابقة

شاهد أيضاً

مسابقة المنتديات السنوية الثانية

نعود لنلتقي معكم مجددا في العام الثاني لمسابقة المنتديات لعام /٢٠٢٠ / تحت شعار /نلتقي …

مطلوب مبرمجين تطبيقات هواتف ذكية ومواقع الكترونية  ومسوقين الكترونيين

مطلوب مبرمجين تطبيقات هواتف ذكية ومواقع الكترونية  ومسوقين الكترونيين للعمل في شركة في الإمارات الشروط:- …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: