الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 28 – ريشة حلم و ألم – آمال عريف

القصة 28 – ريشة حلم و ألم – آمال عريف

 

تحت رماد الأيام الخوالي هاهو يلملم بقاياه وأشلاءه المتناثرة من وحشة الفقد والهجران على لوحاته المنصوبة عبر زوايا مشغله الآنيّ منذ زمن نطاق الزغاريد ومحاولات الإنقلاب ، تحامل على كاهله ودلف … شخصا ضعيفا مليئا بالتناقضات المخيفة مسكونا بلعنة أمله المجهض بين الواقع المعاش والحلم المبتور المبتغى ، إلتفت بحركة دائرية متثاقلة في استياء وقرف وهو يستكمل تطلعه إلى لوحاته المتراكمة بالمشغل ، كل من يراها يقول إنه رسام تجلس له المعجزات الأربُعاء إلا أنه لا يشعر بذلك أبدا … رمق لوحاته المعلقة على جدران المشغل بنظرات بلهاء ساخطة ثم تمتم بكلمات نابية وهو يبحث مقلبا ما فوق الطاولة الخشبية من طوق الكتب العائمة في عادة الأعوام عن سواد الحبر !

كان الجمعي ماهرا في محاكاة الجمال حين يجعل من تلك الوجوه والأشكال التي يراها يوميا بالقرية لوحات فخمة … عيون مسودة يطوق أهدابها الكحل وشفاه محمرة أشبه بحشرة القرمزة الزاهية بلونها الآجوري البراق ، على غير عادته اليوم قبل أن يستسلم النوم أمسك ريشته الناعمة وراح يترجم خيبة حياته التي تؤرقه وتلفه عناء … على احدى الألواح الخشبية الفارعة حمل شيئا من الصبغة الحمراء لينثرها على شفتيها فتحاكي صورة حسناء تصطاد ماتيسر لها من قلوب الشبان اللاهثين وراء نظرتها الحانية الآسرة.

تجرع الكأس الأولى وبلع ريقه ليشيح بوجهه العابس المكفهر ، رمى الريشة أرضا وراح يشبك يديه مرتجفا كلاجئ ألقي في عرض البحر من غير طوق نجاة ، حك ذقنه التي أشعلت بحرائق الشيب ثم نهض من مقعده و وقف ، ابتعد عن اللوحة بخطوتين وراح يتأمل ما خطت أنامله من غير وعي مستسلما للأمر الواقع هو أنه مازال يحبها … أسند رأسه على حافة النافذة ليشعل سيجارة أخرى وعبر حلقات دخانها المتلاشي علق كل خيباته التي أتته بغتة في زمن غافل عن ماله علاقة بالفرح ومعانيه فولى إثرها إلى الريشة يمزج الألوان المبهمة مبرزا تقاسيم العيون العربية حتى خيل له للحظة أن اللوحة ترمقه بنظراتها المنبعثة من ماضيه السحيق فقال :

لا ينقصك غير أن تتحدثي معي خدوج

أحس بدخان سيجارته يكتم أنفاسه فرائحة التبغ الرخيص توقظ في أعماقه المارد الفحل الذي يعربد في لياليه الحمر يتلوى كالمجنون تحت سياط الضوء المتراقص على صخب الإيقاع الفرنسي المبتذل ، مجددا تتزاحم الذكريات والأحداث في تلافيف مخه لتزيدها انكماشا وتبعث بالجمعي من مرامي العمر المغتال إلى كآبة خريف هذه القرية العتيقة ، لم يكن يريد شيئا في حياته غير أن يكون عريسها وهو في كامل تألقه وتأنقه يأخذ بيدها خدوج ثم يقيمان طقوس ليلة الخميس على دوي البارود والبندير لكن للاسف حتى الحياة تمالحت طقوسها وخذلته لتبقيه عائما في صراخه حتى خرجت صورته كعاصفة لولبية من عينيه المحمرتين ثم استقرت وسط البؤبؤ كما يستقر الضوء وسط قنديله المهترئ.

كله شتات ونثار ، الجمعي لايزال يمثل واقع القرية هاته بخطوات مرسومة وغير مرسومة لنفس مجهولة الحال والانتماء يحمل مشعلا ومعالم البؤساء في تقاسيم وجهه ويأسا عن كل المعذبين في رحبة هذه الارض ، صائل جائل يتنشل من قساوة الحياة لذة ، يحمل صراخ أهل الدين المصطنع والعادات البالية التي  ألقيت على مسامع المعاقين داخل صدره الذي أغرق كمركب مفجوع فأضحى تائها في ميتافيزيقا اللاوجود .

تغمره نشوة طفولية ، اخذ يقهقه بصوت عال ثم توقف فجأة كمن انقطع به وصل الحياة يحدق في اللوحة الكبيرة التي أنهاها لهذه الليلة والتي رسمها لها ، اقترب من اللوحة أكثر ليحدثها عن حنينه الذي يوخزه ببرود مميت ليتراجع عنها كالمذعور من رؤية ميت أمامه فقال ساخطا: “لا يهمني أمرك ، ثم إني لا أحبك … لا أحبك”

إمتدت أنامله تزحف على ملامح الرسمة كما تزحف السحلية على الكثيب لتلهبه نظراتها الساحرة فغدى منتشيا عند ملتقى شطآن بحرها المرمري يسكنه الشفق القاني المخبوء بشفتيها يكهربه فحيح صوتها المبحوح الذي لا يزال صداه يتردد بآخر نفق طبلة أذنه وهي تقول: “انتهى الأمر فعرسي غدا ولن نلتقي بعد اليوم”!

الحوار الصامت بلغ منتهاه ليحس بإختناق وغصة تقف في حلقه كعظمة لا تبتلع ، صرخ الجمعي لأول مرة داخله كأنه يقول: “فقدت تماسكي ، قد غشتني أطياب دنياك المخدرة يا خدوج” ، بريق غريب في عينيه فأخذ ينظر بلا وعي الى رسمته لتتقلب ذاكرته بين لعبة المد والجزر فتجعل منه تائها في رحلة متاهات و هواجس .

ظلام حالك يمطر القرية في غير انتظام فتح نافذة المشغل المطلة على الجانب الشرقي للقرية لتلفح نسمات باردة مشبعة بصقيع هذا المساء المبكر وجهه معيدة بعض الوعي لعقله مرتبة نبضات قلبه المقبوض ، ثم ماذا ؟ … هكذا قال الجمعي ليسرع كاللحظات الأخيرة التي تتلاشى بسرعة من عمر هذا العالم التعيس المصبوغ بلون العناء القاتم ، بالخوف والتردد وهو يتساقط شيئا فشيئا في شراك النوم حاملا حُسن ذلك الوجه إلى المقهى كي يرتشف قهوة ضحاه كعادته.

الأزقة تمر بالوافدين في حركة متماوجة على إيقاع جلبة متناغمة يميزها هدير العربات المارة ، بعد قطع الطريق الترابي المتلوي بين الحقول عرّج نحو السواقي الجارية متأملا انعكاس صورته على الماء الموشى بضوء القمر ، وصل إلى المقهى ارتشف السوداء ثم همّ بالعودة وصوت الزغاريد يملأ الأرجاء فاليوم عرس خدوج حبيبة القلب … وهو بين أشجار الصنوبر الباسقة التي تسيج جوانب مشغله الخلفية لمح نور مصباح يتحرك داخل حوشه وماهي إلا لحظات حتى ثار كلبه المربوط الى شجرة أمام باب المشغل في نوبة نباح متواصل ، تملكه الجزع وراح يركض وصولا الى الرصيف كالمجنون يلتطم بالمارة يدفع بهذا ويصدم بذاك وهو يستشير دخيلته في شأن مقترح عينه “لماذا يلحقون بي”؟ سمع أصواتا تلاحقه أشبه بنباح كلاب مسعورة جائعة تتوق لوجبة لحم نيء ، كان يسرع لاهثا متعثرا في خطاه حتى وصل الحقل بعيدا عن القرية ، كان كالمتوجس من أشباح السينما المرعبة يدارك في رحم مخيلته أن كل القرية تلاحقه فالمعذبون يتكاثرون على هذه الارض ، ظل يركض ويركض في فزع حتى لحقه عيار ناري من بندقية صيد ليحس بشيء حار يخترق صدره ليوقفه الى الابد.

كان نزيفه حادا لكنه انفجر ضاحكا وهو على الارض مستغرقا في القهقهة لينفجر عقباها السي الخيّر أخو خدوج بصياح دوى صوته في كل أرجاء القرية ، حدق الجمعي به وشبه ابتسامة مرتسمة على محياه ثم مد يده الى جيب معطفه وهو يلهث بصعوبة كبيرة ، أخرج صورتها حدق فيها ثم شهق شهقة شوق واحدة آملا الاجتماع معها في عالم آخر وفارق الحياة وعيناه تحملقان بها..!

انفجر صوت حاقد من الجمع وقال: “الكلب معه صورة أختك خدوج أيضا يا السي الخير” … هنا تمتمت الأصوات في هياج قائلة :” أسرع إليها قبل أن تزف لعريسها لتمحي آثار العار بيديك ! اسرع لهدر دمها قبل أن يدركنا آذان الفجر وشمس الصباح”…!

شاهد أيضاً

مسابقة المنتديات السنوية الثانية

نعود لنلتقي معكم مجددا في العام الثاني لمسابقة المنتديات لعام /٢٠٢٠ / تحت شعار /نلتقي …

مطلوب مبرمجين تطبيقات هواتف ذكية ومواقع الكترونية  ومسوقين الكترونيين

مطلوب مبرمجين تطبيقات هواتف ذكية ومواقع الكترونية  ومسوقين الكترونيين للعمل في شركة في الإمارات الشروط:- …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: