الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 26 – السبت الأسود – خالد زياد أحمد عامر

القصة 26 – السبت الأسود – خالد زياد أحمد عامر

في ليلٍ دامسٍ يقتربُ من الفجرِ ، لكنَّه لم يكن ذلك المعنى الجميلَ، الذي عهدناه.

فجرٌ يحملُ في صفحاتِه، ذكرياتٍ تموتُ ، وأحلاماً تهدمُ ،و زارعَ الحبوبِ في بستانِه ،وعاملَ البناءِ الذي أوشك أن ينجزَ السورَ ، والأسقفَ الذي مكث في بنائهما شهرا ، وطالبَ الجامعةِ الذي ينهي ما تبقى من إجراءاتِ تخرُّجه، وضابطَ المرورِ الذي يؤدي تحيةَ الوطنِ بعد نجاحِه في دورتِه، والعروسَ التي تزينتْ لبيتِ زوجِها،تحملُ العطرَ، والوردَ لاجتماعِ روحين ،لطالما وقفت كثيرٌ من العوائقِ ؛لزواجِهما الميمونِ، وذلك الشيخَ الذي عادَ يمشي من جديد، بعد صراعٍ مع الخشونةِ التي في ركبتيه.

وعينا طفلٍ كان يعاني من عشى في نظره، فارتدَّ بصيرا؛ بعد نجاح عمليته.

صورةٌ متكاملة ٌ تجتمعُ فيها أركانُ الحياةِ في غزةَ .


كانت الساعةُ الحاديةَ عشرةَ ظهرا ،أجلسُ على حجارٍ في الغرفة المنعزلة عن بيتنا ،فيها نشعلُ النار ،ونتسامرُ، ونتبادلُ الضحكاتِ، والذكرياتِ، وفيها نتسامحُ، وفيها نغنِي أغنيةَ الهجرةَ ،والوطنَ.

قدْ لا تدركُ معنى اللفظةِ التي ترسو عند ضفافِ قلبِنا فتُحْدِثُ طمأنينةً لا يشعرُ بها إلا منْ تغربَ حين تَنْطقُ كلمةَ ( البْلااااد) بسُكونِ حرفِ الباءِ الذي يلتقي مع الشهيقِ ليرسمَ تفاصيلَ الشوقِ الذي لاينقطعُ.


تتسللُ إلى أنفِك عنوةً الرائحةُ الزكيةُ التي تنتشرُ في الأرجاءِ، مِقْلاة البَندورةِ، والفلفلُ الحارِّ ، وبجواري والدتي، تقطعُ البطاطا ،والغيومُ فوقَنا ،تداعبُ بقطراتِها قواريرَ الريحانِ ،والنعناعِ ، والقطةُ التي تقتربُ من (كانون) النارِ، لتقتبسَ منه شيئا من الدفءِ ، نقتربُ بهذه التضاريسِ، من الحياةِ الصحراويةِ .

تستطيعُ أن تقرأ المعنى الفعلي، لكلمةِ الحصارِ، الذي مُورسَ على غزةَ .

حين تستمعُ لنزاعِ الجيرانِ ،الذي كانَ من أجلِ الحصولِ على حطبٍ ،يوقد منه نارَ طهي الطعامِ.


تقول والدتي : يا خالد لم يبقَ كثيراً من( الوقود)؛لإيقاد البابور ؟!

ماذا سنفعل؟

خالد :إن اللهَ لن يضيِّعَنا؛ لنا أجرُ هذا الصبرِ، إن شاء الله يا أمي .

يقطع حديثَنا، الخالة أمُّ طارق يا خالد أريد أن أسألك تفسير رؤيتي في منامي…!!

خالد: لافتعالِ الضحكِ ،والجوِ الفكاهي قبلَ أن تنطقَ بالرؤيةِ ، إنها أضغاثُ أحلامٍ، أضغاثُ أحلامٍ!!

أم طارق: يا ولد اسمع ( بعدين معك) .

قلت لها: أمزح ، تكلمي .

وبدأتْ كعادتِها بسردِ رؤيتَاها ، وأنا أقلبُ البندورة .

وهي تمهدُ بطريقةٍ فيها من الإثارةِ ،والتفاعليةِ ،ما يجذبُ الانتباه .

وكأنها درست في معهد للتمثيل .

تجعلك تعيش المشهد، وقد فعلت بالسيطرة على أذهانِنَا.

لقد رأيتُ منامًا مزعجًا.

رأيتُ جمعا كثيرا من الناس، يتسارعون ،ويهربون وكأنها يوم القيامة .

أقول ،ما بكم؟ من ماذا تهربون ؟ ماذا هناك ؟ ولايجيبني أحد؟

بدأتَ تبلع ريقَها ، وتعيدُ كلَّ كلمةٍ مرةً ومرة .

وتنخطفُ قسماتُ وجهَها من هذه الرؤية.

شؤما، وحزنا، وحيرة .

واستيقظتُ من منامي وقلتُ سأسألُ خالداً عن هذا الحلم.

لما يتمتع به من طابع ديني؛ لعل لديه تفسير لهذا الحلم .

تأثرتُ كثيرا في رؤيتِها، ولم أستطعْ تجاوز هذه الرؤيةَ ، فقلتُ لها لا تذكري الأحلام السيئة لأحد.

فقالت وقد اتسع حدق عينها ، وسكن قلبها قليل من شدة الخوف.

ما تفسير هذه الرؤية يا خالد ؟!

مضتْ الثلاثون دقيقةً بعد الحادية عشرة ، وما أن هممت بتأويل الرؤية إلا وقد قطعَ كلامي أسرابُ الموتِ في السماء.

طائراتٌ تغطيها كالغيوم ، طائرات الموت

بصواريخها التي يتجاوز الصاروخ الواحد طنا.

وبدأتْ تلك الطائراتُ تسردُ تفاصيلَ الرؤية واقعا يقطع أكبادنا.

وانقلب الطعام، وبدأت أصوات الإنفجارات من حولنا، وامتلأت الدنيا صراخا، وبكاء .

أسمع جيدا ،وأنا في بيتي، جارتنا وهي تبكي على طفليها في المدرسة ،أولادي ،أولادي.

تخشبت قدماي، من هول الأصوات ، ولم نستطع معرفة سبب هذه الانفجارات ،هرعنا إلى التلفاز. حالة ذهول، صورة الموت، وصلت إلى شاشات العالم.

مئة ،وعشر طائرات من السماء ،أعظم البواخر العالمية، وكذلك فرق الموت قد أخذت القرار، قرار

الموت لطفلٍ صغيرٍ، كان يبتسم.

الموت لمزارع، كان يزرع حبوبه قد عان ،بجمع ثمنها.

الموت لطالب الجامعة، الذي أنهى مسيرة تعليمه ، الأمل الوحيد، لوالديه.

الموت لمريض، قد قارب على الشفاء من مرضه ،الذي أرهقه على مر سنوات.

الموت لعروس، تزف لعريسها.

الموت لضابط المرور الذي تخرج من دورته وهو يؤدي تحية الوطن.


المشهد في شوارعنا يختلف ،خرجت من منزلي .

حينها لم أستطع أن أحتمل ، مشاهد الموت ،ولم أقدم أي شيء ، بدأت أسأل ، كيف فلان؟ وكيف فلان؟ لا أحصل على إجابة، سوى الموت.

 

قد استشهد جارك أبو فلان، وقد استشهد جار صديقك فلان.

*****

الأطفال في المدارس، والشباب في الجامعات ،

سيل من الأطفال ،خرج بلا وعي، ولا دراية ويتبادلون البكاء ،والصراخ ، لا تستطيع أن تحتمل.

 

ويأتي الخبر المؤلم ،على وسائل الإعلام حين ضجت الدنيا بالبكاء، والصراخ ، وتشاركنا السماء تلك الدموع

يأتي الخبر ويقول :….

#الحرب27/12/2008

السبت الأسود

1328شهيدا#

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: