الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 25 – فشليائيل – مهند يحيى حسن

القصة 25 – فشليائيل – مهند يحيى حسن

  • مهداة إلى روح أمبرتو إيكو

دقات رقاص الثواني تهز جوانحه ، والرغبة بانهاء مهمة واحدة تغنيه عن سخرية أصدقائه باتت تقض جوانحه .. يا إلهي لم جعلتني أداة موت فاشلة ليس لها دور سوى في تسلية رعية حظيرتك القابضة لأرواح عبادك ؟! .. اعتصر واجهة جناحه وتقدم يبحث عن ضوء كفيف في نهاية نفقه المرهق .

قبل لحظات كان يتطلع لنزع جناحيه والارتماء عند أول شجرة قريبة على مقصلة رئيسه إلا أن كابوس أمره باقتلاع تلك الروح العنيدة ضايقه وجعله تائها في وشوشات حلمية تنتهي كعادتها بتوبيخه من قبل رئيسه وسخرية رفقائه منه .

رفع منجله بهدوء وتقدم ليحصد بعض الأشواك التي طالعت مخالبه المقوسة .

–           ووو ..تت !

انتفض بشدة .. الزبانية تتنزه في الليالي المظلمة  .. هكذا قيل له وهو في مرحلة التدريب .. ذكريات بريئة تتواثب لتنقض على ما بقي في جسده المتعب.. كان يبكي عندما كان يحكى له عن مصادفة ملائكة القبض لها عندما يفشلون في أداء مهامهم  .

–           اللعنة على الأقدار وما تجره على أصحابها من ويلات .. ألم تجد غيري لتجعله ملك موت فاشل ، لتصطاد فرحته بمناجلها المقرنصة ، وتحيل موائد الفرح المؤجل لديه إلى مأدبة للعزاء ؟!

قبل قليل كان برفقة سرحيائيل ، وأخبره أن قوائم لوحهم المحفوظ قد أظهرت إسم موكله الذي سيقوم بقبض روحه اليوم ، وبأن هذه آخر فرصة له ليثبت أنه يستحق أن ينال شرف تواجده في حظيرة القبض الالهية .

–           يا لحظك العاثر يا فشليائيل ، لم  تفترش يوما وسادة الفرح إلا وداهمتها دموع كوابيس الفشل المريع ، قد تكون هذه لعنة هذا المكان المتخم بآثام كل الأرواح التي ساهم هذا الفيلق الالهي في قبضها وتحقيق توازن هذه العوالم القاحلة الوجود .

–           مووووت ..!

لم يستطع أن يشيح بنظره عن قائمة الموت الجديدة ، وبخه رئيسه على تبذيره تلك الهنيهات عن تحقيق أمر الرب العظيم

–           أن أمووووت ..!

أكنت تظن وأنت تتفاجأ برؤية اسمك محفوراً ؛ أنك قد تكون من صفوة ملائكة الموت ومقربا من كبيرهم عزرائيل المهيب ذات يوم ؟

–           ييييـد أن أمووووت ..!

اللعنة عليك يا أمبرتو ايكو ؛ لأنك زرعتني في عنق الزجاجة حتى انتعلت ما تبقى من حذاء الحكاية ورصفتني على قارعة طريقك المقيت ، لو كان الأمر باختياري لانتقيت فكرة قطف زهرتك وتجنيبي هذا التوغل الوخيم .

–           رييييد أن أموت !

بعض بقايا ما وشت به قصته عن قبض روح الجدة ، كان عصيا على الفهم ، ولعل مفردة انتهاء دوامه اليومي كان عصيا على استيعابه ، فالملائكة وكما هو معروف للجميع ليس لديهم وقت محدد فهم مشغولون بتنفيذ أوامر الرب العظيم .

–           أرييييد أن أموت !

وجه بطلة قصته وهي تنازع لحظاتها الأخيرة على يد زميله أدهشت كاتبها ، حتى حرف مجرى قصته فأنهاها بنهاية مأزومة لبطله المميت .

  • أريد أن أموت .. !

الشرارة التي تجري في عروقه جعلته يدرك أنه سيقطف ويتبخر ، إذا هو لم يتحرك !

مخالفته لأمر مرؤوسيه وهم ينهرونه ، ويأمرونه بالابتعاد عن تغريدات ذلك الايطالي المتبجح بموت وردته وبحصوله على ثلاثين شهادة دكتوراه وجائزة نوبل1 شنيعة جداً

تحركت خطواته المعقوفة باتجاه إحدى ردهات المشفى الباهتة .. توقفت الحياة في داخله فجأة .. لا يدري كم من الوقت مر ّ قبل أن تتدفق الطاقة في عروقه كسيل هادر لتهدم سد الخوار من داخله

تراجع قليلا ً إلى الوراء .. اتكأ على بقايا عمود معدني مرتبط بزجاجة بلاستيكية توسدت شريانا مطاطيا مرتبطا بوريد ضحيته المتيبس ، نظر باتجاه القطعة التي أعثرته وأدمت كاحله الأيسر حتى جعلته يهدئ من خطوه مستسلما ً لعجلات صمته اللاهث .

قطّب حاجبيه … غير معقول .. قطعة من لوحهم المحفوظ تأمره بالعودة وعدم إكمال مهمته الأخيرة ، لاشك بأن هنالك خدعة قام بها هذا الايطالي الماكر .

أحس بشيء يوهنه عن الوقوف ، هل هذه هي نهاية مغامرته المميتة ؟

هل من الممكن أن يكون هذا العام مفتتحا لعام آخر يراوغه فيه هذا الماكر ويتلاعب فيه بين سطور كتابته المتنوعة ؟

وماذا بشأن تأوهاته التي ملأت أرجاء الغرفة ورغبته بالإجهاز على حياته التي قاربت الأربعة والثمانين عاما ؟

رمقه بنظرة يائسة قبل أن يحاول أن يغادر ردهته الباردة ..

تذكر هرطقاته بالتقائه بتلك الجدة المفترضة ، وحمله لجرتها وهو يعيدها بكل وداعة إلى منزلها القصي دون أن يغتال نبضها ويزفها إلى عرجون برزخه القديم.

حاول أن يوقظ عيون أصابعه وهو يشرع بأرجحة منجله المتكاسل

أصداء صوت تلك الجدة  وهي تحثه على انهاء حياتها  ، يخالط شبقه للعثور على كينونته المهدمة2

يطالعه تأريخ السادس عشر من شباط  ، المغروس في عنق الرزنامة المعلقة في وسط الغرفة .

تتشكل غمامة سوداء بينه وبين سرير ضحيته المنهكة

يأمره المنجل بالإسراع في الخروج أو الاجهاز عليه.

تقع عيناه على جهاز تخطيط القلب وهو يرسم بنبضاته نغماته المستفزة

((-أيها الرجل الطيّب، لست أنت من يستطيع إراحتي. إن الموت وحده هو من يستطيع أن يريحني بعد هذا العمر، وإني لأنتظره

هو من يستطيع أن يريحني بعد هذا العمر، وإني لأنتظره

هو من يستطيع أن يريحني بعد هذا العمر، وإني لأنتظره

هو من يستطيع أن يريحني بعد هذا العمر، وإني لأنتظره ))

بدأت الأرض تهتز وصراخ المنجل له بالإسراع

ظهرت سيقان خضر سرعان ما اصفرت حتى اسودت وبدأت تتسارع في الصعود كأذرع أخطبوط عملاق وهي تنث من بين مساماتها دخانا ً أسود ، انقطع المنجل في التحدث إليه

تقدم نحو ناصية السرير المجعد ليلقي نظرته الأخيرة إلى غريمه المشؤوم .

حرك منجله قليلا ، مودعا لذلك الجسد الضرير ومرافقا لتلك الروح المعذبة إلى مأواها الأخير .

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: