الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 24 – بين يديك ، قد لا أكون أنا ! – شيماء نمير

القصة 24 – بين يديك ، قد لا أكون أنا ! – شيماء نمير

يحدث أن تتضارب أمواج السخط في جوف الآدمي، إثر كدمات خلّفها مرور كاسري الخواطر من الملأ بمحاذاة أمله ! فيعثو الألم بذاته فسادا وتخريبا ،ليضحي جثة مستلقية على رصيف الهموم ،تنخرها قطرات الخوف المنهمرة عن غيم النّقد الآثم ،وسط ظلمات اللّااعتراف وكأنّما النّهاية ستحل لحظتذاك أو أنّ الرّوح ستسحب حينها ..

ويتواكب مع ذا مرور شريط الذكريات البائسة، فعَالم الرّوح مثير التركيب جميل الحضور ، إذ تقدر مجرد لحظة شرود على سحب أطنان من الألم عائدة لسوابق الزّمن . وفي خضّم حرب النكران  واندفاع الأسى ،يجب أن نقاوم بصدر عارٍ ،جاهز لاحتضان أسهم الكدر الحادّة في سبيل استحضار ذكرى ملهمة ،تسدّ رمق الفؤاد  وتكبت صراخ القلب الدّامي، فتتخذ دَوْرَ المُسكِّن، في مسرحيّة بناها الخاطر وأسّس لقسمات حوارها الألم !

ففي هذه اللحظات حصرا، نكون أشبه بالخشبة البالية التي تدفعها الرّياح فتموج بها حيث شاءت ،ثمّ تتبنّاها صخور الوادي لتكسر مابقي من صلابتها. فالخيبة بعد الخيبة ،وسوء التقدير بعد سوء التقدير، والنكران بعد النكران، والتهميش بعد التهميش، كلّها حبال لذات المشنقة، و مفاتيح لباب الموت على قيد الحياة، وتمزيق لشرايين الأمل، مهما كان المتعرض لها قوياً مشّاءً نحو التفاؤل !!في هذه اللحظات ، قد لا نختلف حالا عن “الصك البريدي ” الذي ما وجد الاستقرار إلا مع عارف قيمته ، إذ رغم ثبات معدنه فإن الظروف جرّته نحو الحضيض، و أسكنت وجوده ..

لكن الفرق الوحيد أنه محض ورق أصم يُتحكم فيه ونحن بشر من عقل وعضل ، بيدنا أواصر التغيير !

إذ يروى أنّ رجل أعمال فاحش الثّراء ،وممتنع الشح، بسط ذراعيه ليحصّلا قرابة تحصيل قارون في زمانه ، كان له ولد صغير شديد الاهتمام بالملصقات الملوّنة واللّفافات الزاهية ، فدلف يوما إلى مكتب أبيه و بجميل المفردات العذبة الشذيّة طلب منه ملصقا واحدا أو جملة منها بهيّة ، وأطال الكلام و ألحّ في الطلب كعادة فلذات الكبد الفتيّة ، فما رأى صاحبنا للخلاص من جلبة وليده القويّة إلا أن يهبه صكا بريديا ملونا ارتمى على مكتبه في جلسة منزوية ، حوى عشرين مليونا كاملة سويّة .

طار الولد سرورا وقد عاينت صدره آلاف المشاعر والأحاسيس الشجيّة، وخال ذاته تعيش ضمن الفضاءات الخياليّة . لتنطلق رحلة “الصك ” المثاليّة ،نحو معرفة قيمته وتحقيق الثبات لروحه السميّة .

إذ كانت أولى حلقاتها التخلي من ربّ عمل رآه محض ورقة منسيّة ، ثمّ صبي لاح له مجرد قطعة ورقيّة، لعب بها لوهلة و رماها على أرض النكران الإسمنتيّة ، فمكث ” الصك ” وحيدا حيث القلب منفطر والجفون دامعة باكية ( بكيّة )، لتكون المحطة القادمة من رحلته أشدّ سوادا بل خيبة فعليّة ، حيث رأته خادمة المنزل فتأفّفت معرضة : ” من تراه لكسري اعترته نيّة ؟! ألا يكفيهم عملي طيلة اليوم والمكنسة قد أضاعت عمري وصارت في دستوري قضيّة !؟ ليلقوا إليّ بمزيد من النفايات البليّة  ” ورمته من النافذة رمية قويّة .. لتموج به الرّياح وتواريه تحت الأقدام تارة وبين الحوانيت أخرى .

فظنّها النهاية الحتميّة ،كونه لثالث مرة يلقى النكران و يصرعه التهميش، فيبلغ منه الاحتقار رغم ما حوى مبالغ عتيّة ، أفيحق له بعد ذا أن يقول عظيم أنا !؟ ثمّ ألن تكون خاتمة أمره ورقة للرسم بأيدٍ وسخة إثر حجرة فحميّة ،أو فداء لألسنة لهب بربريّة أضرمتها مشرّدة بالذّكاء غير معنيّة !؟ ألن يبتل بفيض السماء ،ويكون غذاء للأحذية المطاطيّة !؟

و مع تواكب سقياه بمجمل الاحتمالات المنطقيّة ، كاد يجنّ و تفقد الاتزان نفسه الأبيّة ليقال جنى على نفسه من قِبل أحدث التوافدات العلميّة ، حتى رأى القدَر أن ينتشله من حالته المزرية فمنّ عليه بمنحة منه سخيّة ، قلبت موازين حاله وعدّلته خلال ثانية أو ما يقارب أقصر فلتة نجميّة ، فتلقّمه كاتب فقير ، وكم كانت صدمته إذ فتحه قويّة ! ليخرّ ساجدا شكرا لله بروحه النقيّة ، فبفضل “الصك ” نفسه ومحتوياته الذهبيّة، سيتحقّق حلمه وتعرف كتبه النور وتضحي بين الرّفوف دررا مخمليّة.

وأخيرا عُرفت ل” الصك ” قيمة و تتوج بالفخر لما اكتنز ، وعاوده فخره بنفسه وتلك الحميّة .   ولكن أسفاً، لم يقم صاحبنا من سجدته ،إذ حينها وافته المنيّة. ليعود “الصك ” المسكين لحالة الضياع بين مختلف طباع العناصر البشريّة !  لكن هذه المرّة ستكون الرّحلة أمتع وهو يعلم أن لا مخافة مادامت معادنه صفيّة !!!

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

تعليق واحد

  1. ضاعت مني الكلمات ووانغلقت حروفي على نفسها خجلا امام سحر وبلاغة حرفك .
    كل التوفييق يامبدعة

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: