الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 22 – كاداسيل – عفاف حسين

القصة 22 – كاداسيل – عفاف حسين

في ليلة ظلماء اتذكر خلالها ما حدث لي اثناء يومي،حيث قمت بزيارة طبيبي الخاص، كان قد طلب مني إجراء بعض الفحوصات في وقت سابق ،حين ذهبت إليه اشكو ضعف يصيبني ودوار مع بعض من النسيان للأشياء،داخل حجرة شاسعه مطلية باللون الابيض، جلست أمامه بينما يتطلع إلي الفحوصات من خلف نظارته السوداء المقعره وشعر اسود كثيف مجعد ،،شعرت برعشة تصيب جميع أطرافي،دمعات تقف بين أهدابي احاربها كي لا تظفر بالسقوط،لا ادري ماذا اقول بعد ما اخبرني به ذلك الطبيب :”دوميرا”

يؤسفني اخبارك بأن ما لديكي هو “متلازمة كاداسيل”او اعتلال الشرايين الدماغية الذاتي السائد مترافقة معه احتشاءات تحت قشرية واعتلال بيضاء الدماغ اي خرف مبكر،اعلم انكي لم تتجاوزي الخامسة والعشرين عاما لكن لا يجب أن اخبيء عليكي شيئاً،اتسعت عيناي في غضب تعالي صوتي ممزوجا بالتوسل:لنرسل الفحوصات الي أطباء خارج البلده من الجائز أن يكون متوفرا لديهم عقار لذلك يبدو أنك لم مخطئ. كان طبيبا قاسياً حديثه بينما يقع على مسمعي،قلبه متحجر كدت أن انقض عليه واقتله حين قال لا يوجد لها دواء يا دوميرا ،ستزداد معك اعتلالات الذاكره بدرجات مختلفة،وفقدان القدره على تمييز الأماكن والاتجاهات بالإضافة إلى تغييرات في أنماط سلوكك وشخصيتك،الخرف أشد من فقدان الذاكره،حاولي لزوم منزلك من الآن. ثم سألني في شيء من الخوف والقلق من إجابتي هل انتي متزوجه؟. أجبته وقد سالت الدموع علي وجنتاي المتوردتين لا . صدمني جوابه المسبوق بتنهيدة: جيد . انا صغيرة السن لم استمتع بحياتي بعد،لا اريد الموت علي قيد الحياه الان، الخرف يصيب من هم في سن الأربعين فما فوق ، ارجوك افعل شيئاً لأجلي كي اشفي . هز رأسه والحزن قد كسا وجهه : دوميرا في حالات نادره تصيب المتلازمة صغار السن، لن تموتي بسبب ذلك المرض،

ليس كل موت رحيل جسد عن الحياه،نحن نموت بنسيان من أحببنا،بحدوث فجوة بيننا وبين من حولنا في التعامل،يؤسفني اخبارك ذلك رغم أنك فتاة جميلة ذو بشرة بيضاء وعينان خضراوتين،وشعر اسود ناعم طويل وذو جسم ممشوق،انتي في سن ابنتي ،ستبدو الأشياء من حولك كما لو أنها غريبة عنك ولأول وهلة ترينها،اتركي لي الآن هاتفك وعنوانك كي ازورك لاحقا، قاطع شرود ذهني صفير حشرات الليل يأتي من تلك الحشائش المزروعة في فناء منزلنا، نافذة مربعة في زاوية حجرتي تطل عليه،محاطة باخشاب مطلية باللون الابيض، من زجاج تلك النافذة استطيع أن أري السماء كاحلة السواد، النجوم لا اراها قمرا بدرا ينير الكون قد تواري عن ناظري منذ سويعات انا هنا الآن أجلس على مكتبي الموضوع على بعد بضع خطوات من تلك النافذه، اجلس على ذلك المقعد كي تواجه عيناي الحائط لكني احاربها وادير وجهي لانظرخارج النافذة ، ظللت اتسمع الي تلك الأصوات في حرص علي غير عادتي ، شعر اسود طويته خلفي وامسكته بمشبك شعر، لا ارتدي قرطا أو اي نوع حلي، سترة بيضاء تكسو شحمي القليل، الحجره التي اجلس بها تخبر الزائر لاول وهلة أنها مكتظة بالاثاث، لكن حين يجلس علي مخدعي بني اللون المتهالك بعض الشئ سوف يجد كل شيء في مكانه، امسكت بقلم موضوع امامي علي أوراق بيضاء في مدونه،شعرت نسائم الحزن تداعب قلبي وأمواج الشوق تغزو صدري، ذلك الشعور جعلني انتبه فأمسكت بالقلم لأكتب في شراهة بعض اللحظات قبل أن يزورني “الكاداسيل” نعم كذلك اسمه،” حين تزورني متلازمة كاداسيل انسي كل شيء انسي من أكون،انسي كل ما تعلمته ،اعود إلي طفلة ذو سنتين او اقل. شعرت أن طيف أحدهم يجول حولي،واستنشقت عبير تلك الرائحه التي يستخدمها معطرا لجسده، استطيع ملامسة جسده حين اضع يدي على أوراق المدونه،يأسرني طيفه ويأخذني بعيدا عن عالمي، لا يتمكن أحد من ارجاعي سوي الكاداسيل”،

دون إرادتي ودون مقاومة مني ارتحلت خلف طيفه وانا امسك بيده كطفلة صغيرة تتشبث بيد والدها،لنزور معا بداية لقاؤنا حين كنت أقف في مواجهة باب الحافله حيث كانت المقاعد مكتظة بالركاب، فجاة استنشقت أنفاسه التي امتزجت بأنفاسي حين ارتجل الي الحافله مهرولا،واستشعر قلبي همسات الخوف التي تختفي خلف ستار أنفاسه وتكشفها عينيه من أن تفوته الحافله، لم اسمع صوتا حينها سوي ضربات قلبي المتسارعة في تلك اللحظات،ولم انتبه لسوي عينيه البنيتين وجبهته المتعرقه وعليها تنسدل بعض كتل شعره الأسود الناعم، بشرته الخمريه قد كسرت مغالق قلبي بسيف جمالها وتنحت أرضا في سرور،ظللنا كذلك إلي أن قاطعنا صوت أحدهم يريد النزول،تنحيت جانبا ولكن عيناي مازالت متشبثة به. لماذا أصبح داخلي فضاء حينها؟!،نسيت حينها اقفال قلبي الموصده وكأني لم أترك مجالا لأحدهم كي يدنو مني لأن قلبي كان على معرفة مخبأة عني بقدوم ذلك الحبيب،سار خلفي إلي أن دلفت لداخل منزلنا،لاحظت الآن كم كانت جميله ابتسامتي تلك إليه وانا أغلق الباب في خجل،هرولت إلي نافذة حجرتي لكن لم أجده حين نظرت خارجها،انفطر كل شيء في إلا قلبي ولم يشاطر عقلي أفكاره التي كان يمليها علي وأحزانه،حيث كان علي دراية بعودته،لتخرج روحي مني إليه مساءا حين رأيته يدلف مع والدته صالون

منزلنا،استكانت روحي بعيدا عني في حضرته،ولم تعود لي يوما من حينها،احس روحي التي تهيم حبا إليه وهي تبحر في ساحات منزلنا وصولا إلى مرسي شواطئ الدنو منه،لكي تظفر بأن تكون سكناه،قاطعني صوته في الحافله عائدا بي إلي لحظتها حين ألقي على مسمعي كلمات صداها محفور في فضاء روحي الشاسع إلي الان”ما اسمك”؟. اتسع ثغري متبسما من تذكر تلك الكلمات،لكن سرعان ما انطفأت ابتساماتي حيث هاجمني ال”كاداسيل”ونسيت ماذا كانت إجابتي ونسيت فيم كنت أفكر.

شاهد أيضاً

ما أليلك – طه عبده سالم

يا غصة الليل المخمر بين أفلاكه المثقله!!! وأنا ومسبحتي الهموم تقنطرني ! نياشينها الأوله؟ فتبصق …

بن حليمة امحمد

  غفرانك ربّي – بن حليمة امحمد

  . إلهي  ظلمتُ  فأظلم عيْشي //  و ما لي سواك  يعـيد المَنارْ      حبستُ …

تعليق واحد

  1. رائع

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: