الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 21 – عابري السبيل الأن – رنا حلمي

القصة 21 – عابري السبيل الأن – رنا حلمي

في أحدى الأحياء الهادئة والتي تمتلئ بالسفرات وقفت فتاة في مقتبل العشرينيات من عمرها تنتظر السيارة التي ستستقلها، كانت تقف أمام بوابة سفارة لم تتعرف على علمها وبجانبها رجل عجوز شعره ناصع البياض وذو وجه مبتسم، يجلسعلى كرسي خشبي قديم، يحيي المارة وهم يبادلونه التحية أحيانا وأحيانا يتجاهلونه.

لاحظت الفتاة أن الرجل العجوز يلقي عليهم السلام بشغف شديد كأنه يرى أحبائه لأول مرة منذ زمن بعيد وخصوصاً أنه أذا كان أحد المارة بعيداً عنه يقف من على كرسيه ويبتعد خطوتين وظهره منحني من كبر عمره ويصيح بالتحية.

في النهاية لم تتمالك نفسها وقالت:

–           أدام الله عمرك وأعطاك الصحة.

أشرق وجهه وقال:

–           حفظك الله يا أبنتي

سألته في فضول:

–           يبدوا أنكم تحفظون كل من يعمل هنا، منذ متى وأنتم تعملون هنا؟

ضحك الرجل بصوت عالي وقال:

–           منذ فترة طويلة ولكن للحق أنا لا أعلم من هم هؤلاء الأشخاص والبعض منهم أراه اليوم لأول مرة.

غمرها الإستغراب واقتربت منه أكثر وهي تسأل:

–           أذا لماذا تلقون عليهم التحية؟

رد عليها قائلاً:

–           لقد أوصانا الله سبحانه وتعالى على عابري السبيل، أليس كذلك؟

اومأت الفتاة برأسها وهي حائرة في مقصده فأكمل قائلاً:

–           قديماً كنا نكرم عابر السبيل بإعطائه الطعام والشراب وربما المأوى ولكن مع التقدم الحالي لم يعد هناك من يحتاج هذا الكرم ألا في حالات نادرة جداً، ولهذا فأن عابري السبيل هؤلاء لا يحتاجون مني الطعام والشراب بل ابتسامة تشجعهم للمضي في مقاصدهم.

سألته الفتاة:

–           ولكنهم، في رأيي، ليسوا عابري سبيل، فهم لا يسافرون بل يتمشون داخل بلدهم، فلماذا أذاً تطلق عليهم أسم عابري السبيل؟

رد عليها دون تردد:

–           بل هم مسافرون إلى احلامهم، سواء كانت وجهتهم العمل أو إنهاء بعض الأوراق في السفارات هنا، تركوا منازلهم الدافئة ليحاربوا من أجل مقاصدهم.

بدا كلامه منطقيا فقالت:

–           معكم حق.

ظهر قليلاً من الضيق عليه وهو يقول:

–           هم يشقون كالمسافر أو أكثر، قصصهم تظهر جلية على وجوههم دون أن يحكوها، نفسياتهم مدمرة أجسادهم تشكوها.

صمت وقام من مكانه يلقي التحية على شاب يرتدي قميص أبيض وسروال من القماش الاسود الذي بدوره أبتسم ورد عليه التحية ثم جلس وقال في أمتعاض:

–           مثلاً هذا الشاب هناك، يعمل في مكان ما هنا، في البداية كان وجهه مشرقاً مليئاً بالأمل، سعيداً بعمله الجديد، ومع مرور الوقت بدأ وجهه يسود، كأن أحلامه وتوقعاته قد حطمت، لهذا أحاول أن أتصدق عليه بإبتسامة، أن أرفع معنوياته ولو بواحد في المئة.

هزت الفتاة رأسها في أسف وقالت:

–           نعم حدث هذا معي أيضاً، تخرجت وكلي أمل ولكني صدمت بالواقع، الحياة ليست محددة كما كانت في السابق في أيام الجامعة والمدرسة من قبلها.

في هذه اللحظة، مرت امرأة تبدو في بداية الثلاثينيات ذات شعر مصبوغ باللون الأشقر وترتدي ملابس رسمية ذات تنورة قصيرة، ألقى عليها الرجل العجوز التحية ولكنها لم تلتفت له، فقالت الفتاة في غضب:

–           يا له من تصرف عديم الذوق.

هز الرجل العجوز رأسه نافياً وقال:

–           كنت أعلم أنها لن ترد علي التحية.

ملأها الاستغراب وسألت:

–           أذا لماذا؟

أبتسم رغم أن عينيه المليئتين بالتجاعيد لم يفعلا وقال:

–           حين بدأت بالمرور هنا أول مرة منذ زمن طويل، ربما خمس سنين، كانت مشرقة ذات مظهر متواضع، ترتدي حذاء رياضي، ترد علي التحية وهي لا ترفع عينيها من على الأرض خجلاً، ولكن مع مرور السنيين بدأت ابتسامتها بالاختفاء، أحياناً أراها تتحدث إلى نفسها وأحياناً تكون مشغولة بمسح دموعها، لقد مسوا روحها وتلاعبوا بها حتى غيروها، لا أعلم كيف ومن، ولكنني أعلم أنها قد تغيرت لتثبت نفسها لنفسها ولتحصل على الثقة التي كانت تفتقدها.

شعرت الفتاة بالحزن لحالها وقالت:

–           اتسأل أي التجارب قد مرت بها حتى تتغير هكذا.

مط الرجل العجوز شفتيه وقال:

–           لا أعلم ولكن سأظل اعطيها الابتسامة وهي تعبر امامي فهي لا تزال عابرة سبيل في نظري.

بعد لحظات مر شاب يرتدي قميص ذو أكمام قصيرة سوداء وبنطال من الجينز، انتظرت الفتاة أن تسمع صوت الرجل العجوز وهو يلقي عليه التحية ولكنه لم يفعل فحولت بصرها إليه ووجدته عاقد حاجبيه، فشعرت بالقلق وسألته:

–           ما الأمر؟

ألقى تنهيدة طويلة قبل أن يقول:

–           لا فائدة

أستغربت كثيراً من رده، هل أستسلم؟ هل حال هذا الشاب ميئوس منه تماماً؟

أكمل الرجل العجوز فجأة:

–           أقصد أنه يضع سماعات في أذنه لهذا لن يستطيع سماعي.

ضحكت الفتاة بتلقائية على أفكارها المتشائمة، وهنا ألتفت إليها الرجل العجوز وقال والأبتسامة تشرق وجهه:

–           أعتقد أنك قد جال بخاطرك أفكار سلبية.

لم تستطع التوقف عن الضحك وهي تومأ برأسها فضحك هو الأخر وقال:

–           أنتم الجيل الجديد دائماً متسرعين.

في هذه اللحظة، توقفت سيارة بسيطة أمامهم، فتقدمت الفتاة خطوة إلى الأمام  وقالت:

–           شكراً لك، لقد تشرفت بك وأتمنى حقاً لو أستطيع فعل ما تفعله.

لوح لها بيده وقال:

–           ستجدين طريقتك الخاصة لا تقلقي.

حيته وركبت السيارة التي أنطلقت فوراً وحتى أبتعدوا مسافة لا تستطيع رؤيته فيها فكرت بأن العالم مليء بالجمال ولكننا فقط نتوقع الأسواء.

شاهد أيضاً

ما أليلك – طه عبده سالم

يا غصة الليل المخمر بين أفلاكه المثقله!!! وأنا ومسبحتي الهموم تقنطرني ! نياشينها الأوله؟ فتبصق …

بن حليمة امحمد

  غفرانك ربّي – بن حليمة امحمد

  . إلهي  ظلمتُ  فأظلم عيْشي //  و ما لي سواك  يعـيد المَنارْ      حبستُ …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: