الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 20 – من أيامهـــم – مريم لمريگي

القصة 20 – من أيامهـــم – مريم لمريگي

 

إنها السادسة صباحا ، بعد صلاة الفجر ،فأعمدة الدخان تتصاعد من أعلى سقف المطبخ ،معلنة عن بداية يوم ، عن حكاية أخرى من حكايات أسرة الضاوية و الحاج محمد،نعم أعمدة الدخان تتصاعد من أعلى سقف المطبخ ،فعلى النار وضعت المرأة الهادئة قدرا من الوجبة التي لا يخلو منها بيت  هناك قبل تناول فطور الصباح ، فهي جزء لا يتجزأ منه ، قدر من  الحساء في أيام شتوية تتميز بصقيعها ، فسيدة الجلد هاته ،نجدها  بأياد تحكي عن تاريخ مرير عاشته و تعيشه لكنها تصب عليه بعض الأعشاب المنسمة من الأحلام و الآمال ،التي تحلم و تحلم ليحققها أبناءها و أحفادها

،فبعدما تؤدي صلاتها  تعد السيدة قدر الحساء  و تتركه على النار حتى ينضج لتنزل الدرج إلى حظيرة تختلط فيها بعض الخرفان  بالماعز و الدجاج ، هي ثروة حيوانية قليلة , لكنها قادرة على أن تكلف هاته  الأسرة عناءا ، من أجل إحضار  العلف ، و ماء الشرب .فالضاوية و كعادتها كل صباح تعد للنعاج و الخرفان وحتى االماعز القليل من البرسيم ثم تروي عطشها بالماء الذي تأخذه  من البئر  للثو ، لتنتقل إلى غرفة تقضي فيها الدجاج بعض الوقت حماية من برد ليالي الشتاء ، وكذا حماية من القطط التي تنتقل بين الحظيرات باحثة عن لقمة عيش أو ما يسد رمقها من دجاج أو حتى صغارها بعد مطاردتها للفئران هنا و هناك ، فتقوم الضاوية بإطلاق سراح الدجاج من الغرفة الضيقة لينعم بقليل من دفئ الشمس ، بعدما تشرق  شمس الصباح ، و لترمي لها بعض الحب ، فتصعد بعدها من الحظيرة بخطى متسارعة لتحرك الحساء الذي يكون قد أوشك على النضج ،

ثم تضع الثمر في الصحن ، كعادة أهل القرية كل صباح ، فتذهب لإيقاظ أبناءها من نومهم ، و كذا زوجها الحاج محمد ، فالآخير أيضا يستيقظ باكرا من أجل جلب البرسيم و مختلف أنواع النباتات التي تكسو جنبات الحقول القريبة من البيت  و التي في ملكية العائلة كما باقي سكان القرية ، إلا أن الحاج محمد أنهك في الأيام الأخيرة ، حيث أصبحت تظهر على وجهه تجاعيد تختبئ  تحتها معاناة و قساوة مناخ أراض  جافة ، و شجاعة  سنوات  خلت حيث كان رجلا قويا شهما يتدخل في كل أمور القبيلة و لازال  , ولا تخفى عليه حيثيات أية  قضية حلت بقبيلته ، كان يحيي الجميع ، يتراوح بين المسجد و البيت , و الحقل  ، و بعض الأماكن الإستراتيجية داخل القصر التي يجتمع فيها رجال القبيلة ، و يزور المريض ، يصل الرحم ، وقور و محبوب لدى كل أفراد القبيلة ، مساعد لأبناء القبيلة ،  محبوب لدى الصغار كما الكبار , يستشيره الجميع .  و هذا لا يغيب أيضا عن زوجته ، الضاوية التي تحضر في أفرح و أتراح القبيلة ، فتجود و لو بالقليل بهدف مساعدة الجميع ، و مشاركة الجميع ، فالضاوية  أيضا ذات الملامح الهادئة و وجهها البشوش الذي يحمل من التجاعيد الكثيفة التي ترسم تضاريس مختلفة بفعل المناخ السائد هناك ، و المعاناة و الكد و التعب  .

بعد إيقاظها لأفراد الأسرة يلتم الكل حول المائدة في بهو المنزل  لتناول الثمر و شرب الحساء ،فيتفرق الجميع ،لتعد الأم رفقة بنتها وجبة الغذاء كعدتها ،فيحضر الإبن لأكبر و أخوه الحمار و البغال و معدات العمل داخل الحقل من أجل جني الثمور و زرع  بعض الخضر في بداية موسم فلاحي جديد،و بعد الوصول إلى الحقول يفترق الإخوة عن أبيهم ، فهذا الشيخ يظل في حقل قريب من البيت من أجل جني بعض الثمور من النخيلات القصيرة ، لأن حالته الصحية لم تعد تقوى للصعود إلى أعلى النخلات الطويلات .فيما يذهب ابناه إلى حقل آحر بالمحراث و البغال  لتهييئ الأرض لإستقبال زراعات موسمية جديدة ،كما يقوما أيضا بحصد البرسيم ،وهكذا حتى آذن صلاة الظهر ليلتحق الأب و ابناه بالبيت ،فيجدو الأم و ابنتها قد أعدتا الطعام فتقوم الضاوية بتحضير صينية الشاي ،و تحضر الإبنة الخبز كما هو متعارف عليه عند أهل القبيلة في ذلك الوقت من اليوم ،لتحضر بعدها الغذاء ،و كما عهدت العائلة فالبنت تعمل جاهدة داخل البيت رفقة أمها متحملة أعباء البيت ،فتلتف الأسرة حول مائدة الغذاء في تجذب لأطراف الحديث ، ليعود الإبنان إلى الحقل من أجل تتمة أشغال اليوم ، أما الحاج محمد فيتوجه إلى المسجد من أجل أداء صلاة العصر ،و بعدها يلتقي بأصحابه الشيوخ داخل القبية في ركن ألفوا أن يتجمعوا به على مقربة من المسجد متبادلين أطراف الحديث ،عن يومهم ، و عن أمطار تأخرت هذا الموسم ، و عن هموم و مكاسب قبيلتهم التي يعملون دائما من أجل جعلها في الصدارة من خلال لتضامن و الكد و العمل . أما الضاوية ،فتلحق هي الأخرى إلى بيت جارتها  لتلتقي بباقي النساء ،لتبادل أطراف الحديث و الإطمئنان عن البعض كما ألف أهل القبيلة  ، و كذا التعاون في إطار النسيج كما عهدن ،  فيعدن من الزرابي و المنادل و الحصير ، و كل مايتعلق باليومي ، أما بنتها فتمارس أعمالها اليدوية داخل البيت كما اعتادت كل مساء في إبداعات أنيقة رائعة بعدما تلقت حصصا في هذا الإطار كباقي بنات القبيلة بنادي لهذه الأغراض ، هكذا و بعد آذن  المغرب يعود أفراد الأسرة  إلى البيت فينهمك كل منهم بمهام ألفوها كل يقوم بالدور المنوط به ، فتقوم الضاوية بإدخال الماشية  إلى بيت مخصص داخل الحظيرة خشية البرد ،و تدخل الدجاج إلى غرفتها الصغيرة أيضا ،فيربط الإبن الحمار و البغال في مكانها المعد لذلك ، لتلتم الأسرة مرة أخرى على المائدة بعد إعداد صينية شاي ، مشاهدين التفاز متتبعين لما يدور بالبلاد من أحداث و مستجدات ، فيتجاذبون أطرف الحديث فيما بينهم عن  كل ما دار باليوم ،و متاولين لعشائهم في جو من الدفئ العائلي ، ليخلد بعده الجميع إلى النوم ،لأخذ قسط من الراحة ، و مصافحة يوم جديد بعد صلاة الفجر .

و بعد نسج خيوط القصة التي تحكي واقع الحاج محمد ،و زوجته الضاوية ،و أبنائهما و كذا سكان قبيلتهم في يوم من أيام الخريف . تلك القبيلة التي يعيش معظم سكانها على الفلاحة و تربية الماشية و إن كانت بشكل ضعيف ، فهي تسد رمق هذه العائلات و توفر لها وسائل بسيطة للعيش و إن كان هدفن هو رصد و سرد الأجواء التي تعيشها هذه القبيلة .

لم نلقي الضوء على هذه القبيلة عبثا لكن خصوصيات كل منطقة و قبيلة و كذا أنثروبولوجياها تجعل لكل منطقة مميزاتها الخاصة التي تحكمها ،و تعطيها رونقا خاصا ،تختلف عن غيرها من المناطق ،و بهذا يحلو لنا الحكي عنها، و لو في يوم واحد ليخبرنا عن باقي الأيام من فصل معين و لانتوقف عند هذا الحد بل سيستمر الحكي في قصة أخرى عن يوم آخر،من فصل آخر يحمل من الأسرار مايرمي بالنفس في لهفة و شوق عن اليومي ، لكل منطقة و قبيلة ، راجين أن تنال إعجابكم.

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: