الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 18 – كورونا – عبدالله خالد اسماعيل

القصة 18 – كورونا – عبدالله خالد اسماعيل

 

استيقظ الناس في صباح جميل هاديء، والشمس مشرقة لا أذى في شعاعها، والنحل حول الأزهار المتفتحة، والطيور تغرد على الأشجار المتمايلة أوراقها تمايلا رومناسيا.

وفجأة وبلا مقدمات، إذ بالناس يسمعون في الأخبار أن مرض “الكورونا” قد اجتاح مدينتهم. فالصباح الجميل انقلب إلى ليل مظلم دامس، وإذ بالأزهار تذبل، وبالطيور تطير مهاجرة، وبدا الهلع على أوجه الناس، ومن كان ينوي الذهاب إلى العمل قد تغيّب، والمسافر ألغى رحلته، والأم أغلقت الأبواب على أطفالها، فكل شيء انقلب رأسا على عقب.

-يا أبي.. أنا متخوف.. لا أريد الموت.

-يا محمود، تفاءل خيرا، وقل: “لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”، ومن لم يمت اليوم سيموت غدا، وحسبك قول الشاعر:

من لم يمت بالسيف مات بغيره

تعددت الأسباب والموت واحد

-لكن يا أبي.. من منا يحب الموت؟

-هل تسمح لي يا بني أن أسألك سؤالا؟

-بالطبع. تفضل يا أبي.

-ما سيفوتك في هذه الدنيا إن مت؟ ولماذا التحسف على الحياة؟ لا أدعو إلى الانتحار، معاذ الله، ولكن أجب حتى أشرح لك النقطة التي قصدتُها.

-لذه الحياة وزينتها.. المرح مع الأصحاب.. المال.. إلى آخره.

-وهذا كله فان يا محمود.. ثم ستموت بعد ذلك كله.. إنما المرء إن تحسف على شيء فإنه يتحسف على طاعة ستفوته.. أو يتحسف على فواته العلم النافع الذي به يستطيع تغيير مجرى البلاد, أو يتحسف على فواته العلم النافع المؤثر على معتقد وأخلاق العباد، ونحو ذلك.

-ولو أجبتك بما ذكرتَ يا والدي، ماذا كانت إجابتك إذًا؟

-سؤال جميل. كنت سأقول لك: إن الله يكتب لك الأجر بمجرد النية الحسنة، ولا شك أنك تنوي بنفعك الآخرين الحصول على رضا الرب لدخول الجنة. إذًا لا داعي للخوف من الموت بعد ذلك، غير أن عليك أن تصدق النية.

-طيب يا أبي، والآن ما أفعل؟

-ابذل الأسباب ولكن لا تنسَ مسبب الأسباب وهو الله سبحانه وتعالى، وادع الله دائما أن يجعل حياتنا كلها طاعة له, وأن يجعل موتنا راحة لنا من كل شر وفتنة. فليس لنا أن نفر إلى أحد سوى الله، فهو نعم المولى ونعم النصير.

-سؤال يا أبي بخصوص الأمراض. أسمع الناس يقولون عمن يمرض بأن الله لا يحبه وإنما عاقبه بسبب ذنوبه. فهل هذا صحيح؟

-سؤال جميل يا محمود. ألم يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن المبطون -من يموت بمرض في بطنه- شهيد؟ فكيف يرزق الله الشهادة شخصا مغضوبا عليه؟

-سبحان الله.

-إن المرض قد يصيب الصالح والطالح، إما اختبارا له وإما كفارة لذنوبه، فإن صبر في كلتا الحالتين فله أجر ذلك. فلا توزع أقدار الله بالظنون والتخرصات مثل هؤلاء يا محمود، فلا يعلم الغيب إلا الله. وهذا نبي الله أيوب عليه السلام قد ابتلاه الله بالمرض لبضع سنين، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد أصابته الحمى.

-آه يا أبي، الناس إن أحبوا أحدا رفعوه فوق منزلته وإن أبغضوا أحدا وضعوه دون قدره. وهذا يا أبي يجرنا إلى مسألة قريبة, إن الله قد أعطى الدنيا لنمرود وفرعون وهامان، وهذا ليس دليل حبه لهم. صحيح؟

-أحسنت يا محمود، إن الله قد يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب. وقد استدل فرعون بملكه أنه مستحق على اتباع الناس له. قال الله تعالى: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ) ]الزخرف: 51-52[. ويقصد بالمهين: موسى عليه السلام, حاشاه الله.

-ولو رأى أحدنا الآن صاحب ملك لقال الناس فورا إن الله يحبه. حقا إن في ساعة الرخاء قد يجزم المرء بأشياء وهي عنده من الأمور المسلمة القطعية، ولكن في الشدة قد يتزعزع وينسى ما كان يجزم به.

-إذًا يا بني أنت تمر بظروف قد تزيدك خبرة مستقبلا، وقد تنتفع أنت وأبناء جيلك في كيفية المرور والتكيف مع الأزمات بطريقة أفضل.

-نعم يا أبي.. سأكتب بورقة بعض الفوائد والحكم التي نمر بها، ولعلها تنفعني وتنفع الناس حاضرا ومستقبلا.

-عمل جيد يا محمود. وفقك الله لما يحب ويرضى.

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

تعليق واحد

  1. جميل جدا يحكي الواقع

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: