الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 15 – تِكْ .. تُوك – رقية نبيل

القصة 15 – تِكْ .. تُوك – رقية نبيل

.

 

 

 

 

 

في الساعة الرابعة فجرًا وبينما يرخي الليل سدوله ويعتم سماء الكون كانت فاطمة ترجف خوفًا وحماسةً ففي آخر النهار ينتظرها زفافها ، وتدلى فستانها بالدانتيل الأبيض على المشجب جوارها ، مدت يدها تمسح على شعرها المملس حديثًا وفي ذهنها ألف سؤال عن الغد .

 

 

في الخامسة استيقظت سعاد ونداء الفجر يشج السكون الذي كان.. تمشت نحو المرآة كعادتها كل صباح وألقت نظرة بكآبة على تجاعيدها التي تكونت حديثًا جوار عينيها ، وتنهدت بعنف ،ليست الأربعينيات بدرامية ومفعمة بالشباب كما كانت تسمع ثرثرتهم عنها .

 

في السادسة غذّ عبد القادر خُطاه نحو البستان القريب ، وهو يحمل بين يديه الحبل الذي سيستخدمه ، تسلق النخيل تحت سماء الحقل الواسعة وقد ربط جلبابه بإحكام إلى خصره وبحرص فك شباك التمر العسلي التي كان قد نصبها البارحة .

 

في الثامنة دخلت هناء حجرة المطبخ الواسعة ، وشعرت بالألفة المعتادة تغمر صدرها ،ألقت نظرة على الفرن الحجري الذي كان ملكًا لأمها قديمًا ، ثم غمست يدها في الدقيق والزيت وشرعت تعد نصيبهم اليومي من الخبز .

 

في التاسعة دخل رامي موقع التصوير ووجهه متجهم ، لقد كان الوقت ينفذ منهم والمال يستنزف بسرعة هائلة عليه أن ينتهي سريعًا، راقب استعدادات الطاقم والعشرات من العمال الذين يركضون لتجهيز الموقع في كل مكان ، فرك عينيه المتعبتين من وراء نظارته وبدأ التصوير .

 

في العاشرة كانت مها تصرخ من الألم الآن ، لقد مضى عليها أكثر من عشر ساعات وهي في هذا المخاض العسير ، بدا الطفل وكأنه سيمكث في رحمها للأبد ،ربتت الأم الصبور على كفها وطمأنتها أنها ستبشر بوليدها الأول قريبًا جدًا .

في الحادية عشر انتهى القائد العسكري من وضع خطة الهجوم ، كانت المعركة القادمة محاطة بسرية تامة ، وفكر في جدية أن سيكون هناك عشرات الضحايا على الأقل لكن لابد من المضي قدمًا ، لابد لهم من الوصل لهدفهم ، لا حلّ آخر .

 

في الثانية عشر كانت آلاء تقرض أظافرها خوفًا ، لقد حان موعد إعلان نتيجة التحليل الأخيرة ، مسدت رأسها الذي اصلعّ من رحلة العلاج الكيميائي الطويل وألقت نظرة حنون على زوجها الغافي بجوارها ، لقد تحملا طويلًا وصبرا طويلًا وكادا أن ييئسا مرارًا ،ياربّ يا رحمن الطف بنا، طُرق الباب بلطف والتفتت واجفة إليه .

 

في الواحدة كانت صابرين تجمع أوراقها وملفاتها التي تجمعت عبر السنين وكل متعلقاتها الهامة من فوق المكتب أمامها لقد استقالت من عملها أخيرًا ، تعبت كثيرًا من ابتعاد ابنها عنها،تعبت منه يألف الخادمة أكثر منها وتصغي هي له وتحمله وتدلل صغيرها بينما تمضي الساعات الطوال أمام هذا المكتب ، إنها تحب عملها من كل قلبها لكنها تحب طفلها أكثر وطفح الكيل من هذا الوضع .

 

في الثانية كان عباس يلفظ أنفاسه الأخيرة ، تحشرجت روحه داخل صدره وجاهد ليتمسك بآخر أنفاس من هذه الدنيا دونما جدوى ، بعد لحظات غيب عن هذه الكون الذي نعرف،وأزيل الغشاء الذي يحجب عن بصره مخلوقات شتى في هذه الحياة بينما تُفتح عوالم الغيب أمامه.

 

في الثالثة حشر الزوجان السوريان ما استطاعا جمعه من ممتلكاتهما في صرتين كبيرتين ،قال لها محذرا “انتبهي لا يمكننا حمل الكثير أحضري المهم فقط ” أومأت برأسها شاحبة ثم التقطت الصغيرة من مهدها وفتح الأب باب المنزل للمرة الأخيرة واستقبلهم الشتاء البارد برغم الظهيرة وساروا بعيدا عن المأوى الذي أظلهم طوال حياتهم ،لقد حان وقت الهجرة لمكان لا يتهددهم فيها القنابل والرصاص والمواد الكميائية الحارقة ، حتى لو عنى ذلك الابتعاد عن البيت ، الابتعاد عن الوطن،الابتعاد عن سوريا .

 

في الرابعة قبل كفيها الهشتين الهرمتين الذابلتين، تناول اليمنى أولًا وقربها من شفتيه يلثمها ثم اليسرى ، وأتبعها برأس العجوز

الحنون التي تكابدت عناء إنجابه لهذا العالم ثم القلق لأجله والعمل لأجله والكفاح لأجله في كل يوم من بقية عمرها ، لقد كانت في كفنها الأخير ،وانثالت دموعه غزيرة فوق وجهها الطيب واهتز كتفاه وهو يحتضنها مجهشًا بالبكاء بينما حفرة القبر الضيقة من خلفه تنتظرها .

 

في الخامسة سلم الإمام مرة عن يمينه ومرة عن يساره مختتمًا صلاته ، جلس يتلو الأذكار التي تؤنس صدره بعدها ، وحانت منه التفاتتة إلى اليمين ، لقد كان الشاب ذاته يجلس منتظرًا ، جاء عشر مرات ليعلن توبته ، واختفى في كل مرة ليعود بعدها محملًا بأعباء جديدة تثقل صدره يعترف بها ، وفكر الإمام ، إن كان الرحمن قد تعهد بمغفرة ما يملأ قراب الأرض والسماوات خطايا ، فمن أنا لأحكم ؟!

 

في السادسة سارت فاطمة ووجهها يشعّ بشرًا على الممشى المعد خصيصًا لزفتها ونثر الأقارب عليها البتلات الوردية المعدة في سلالها مسبقًا ، وبكت والدتها وهي تقبل رأسها،

 

قالت وسط دموعها ” إن حياة بأكملها تنتظرك يا بنيتي ، أدعو الله أن يملأها لأجلكِ مسرة وحبورا ”

 

تِكْ تُوك .. تِك تُوك .. واستمرت عقارب الساعة ليس من عقبة تثنيها عن مضيها المحموم للأمام ، لذراعي المستقبل المفتوحتين ،

 

لا شروق أو غروب ، لا موت أو ولادة، لا انتهاء أو بداية ، لاشيء يوقف الزمن عن طريقه المجهول الذي يمضي فيه راكضًا .

 

 

 

 

رقية نبيل .

شاهد أيضاً

ما أليلك – طه عبده سالم

يا غصة الليل المخمر بين أفلاكه المثقله!!! وأنا ومسبحتي الهموم تقنطرني ! نياشينها الأوله؟ فتبصق …

بن حليمة امحمد

  غفرانك ربّي – بن حليمة امحمد

  . إلهي  ظلمتُ  فأظلم عيْشي //  و ما لي سواك  يعـيد المَنارْ      حبستُ …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: