الرئيسية / مسابقة قصة قصيرة / القصة 13 – الخائن – لمياء العايب

القصة 13 – الخائن – لمياء العايب

ألبرت وخوان صديقان منذ أيام الطفولة ، ولكن تفكيرهما وأهدافهما مختلفة تماما. ألبرت كان يريد أن يصبح دكتورا مشهورا، ويفحص المرضى لأن والدته توفيت بسبب مرض خطير . فمنذ الصغر و هو يعيش قساوة  فقدان الأم ، ويعرف مامعنى أن تفقد شخصا في حياتك  إلى الأبد. فقد كرس حياته للعلم والعمل ، ونسي الاهتام  بمظهره .

أما خوان فعكسه تماما ، فقد كبر بين أحضان والديه ، ولم يكن محتاجا لشيء طيلة حياته ، حتى أنه لم يشعر بالتعب في فترة شبابه ، فوالديه يهتمان بكل شيء يخصه ، ويفكران فيه قبل نفسيهما . فهو لم يذق مرارة الفقدان الذي عاشه صديقه ألبرت .

بعد مدة توجه ألبرت للجامعة ودرس الطب ، ولأنه كان فقيرا فقد كان يعمل ليلا ويدرس نهارا لسد حاجياته المدرسية ومتطلباته اليومية . كان شابا طموحا جدا .

في هذه الأثناء توجه خوان لدراسة الفنون القتالية في مدارس خاصة باحثا عن الشهرة والبهرجة. ولكنه كان يعيش في بيئة منغلقة تماما ، يحكم على الناس من خلال  مظاهرهم ،ولا يملك أسلوب معاملة مع الناس ،وخاصة بعدما أصبح مشهور . فقد أصبح يرى نفسه إنسانا عظيما  . وكان في كل مرة يقوم بعرض قتالي  ويفوز ،  يتصل مباشرة بصديقه ألبرت كي يخبره بذلك ، وكان ألبرت يفرح من أجل صديقه ويشجعه ، رغم أنه لا يبادله الشعور نفسه  .

وعند عودة ألبرت من العمل يلتقي بصديقه خوان في منزل صديقهما ‘دوريان’ . كان دوريان يحب صديقيه ،ولكنه ينزعج من أنانية وتباهي ‘خوان’،فكلما تكلم ألبرت قاطعه خوان قائلا :”أنت لا تفقه في شيء سوى الأمراض،والحمد لله أجسامنا سليمة ،اعتن  بنفسك قليلا فمظهرك مقرف على وعسى أن تعجب بك إحدى بنات الريف ،لأنك إن بقيت هكذا فلن تقبل بك حتى تلك العجوز التي تمر من هنا..”.فرد عليه ألبرت قائلا:”من تحبني تحبني لنفسي وليس لشكلي ،فالمظهر زائل ياخوان وإن تتبعنا المظهر فلن نستقر أبدا  . ثم إن المظهر يزول يوما بعد يوم ، فكما ترى نغرس الأزهار ،ولكنها تذبل ويجدر بنا غرس أخرى ،هكذا بالنسبة للمظهر إن أحببنا الناس من أجل مظهرهم،فلا بد من تغيرهم عاجلا أو آجلا ،ففي كل سنة تكبروينقص جمالك وترى شخصا أصغر منك وأجمل منك،وبعد مدة ينقص جماله فترى آخر أصغر منه وأجمل منه …وهكذا هي حال الدنيا ،ولكن الروح لا تتغير ولا تذبل أبدا ،فلا تنخدع ياصديقي ،فمن يحبك من أجل مظهرك سيرحل ،فماذا لو تشوهت أو مرضت هل ستبقى معك من أحبتك من أجل مظهرك؟! لا ،  ستذهب وتبحث عن من هو أصح وأجمل منك”.فرد عليه خوان :”إنك تقول هذا لأنك تستصغر  نفسك ،فلا توجد امرأة تغيرني ،ولن أتزوج امرأة عرفت شابا من قبلي ،فأنا أترك وأبدا لا أُترك “.فقال دوريان :” من تظن نفسك ياخوان ؟هل تظن نفسك رجلا وغيرك لا ؟ كيف تستصغر الناس بهذه الطريقة ،أنت فعلا أناني”.

عاد خوان لمنزله وبينما كان يتصفح الصفحات الإشهارية لاحظ وجود مسابقة قتالية ،ومن شروطها أن يكون المترشح قد فاز من قبل ،وكان خوان قد حقق العديد من النجاحات.وكانت المسابقة تتمثل في فنون قتالية من دول مختلفة ،وبما أن خوان كان غرضه الشهرة فقد فعل مابوسعه للفوز فيها .فقد تقرب للأطباء والمنظمين الذين يقومون بالإجراءات اللازمة قبل وبعد المباراة . و دفع أموالا باهضة من أجل الفوز .

شرع خوان في التدريبات المكثفة ولكن والدته أصرت أن تبعثه خارج البلاد كي يتدرب أكثر وأكثر .سافر خوان وتعلم الكثير من الفنون،ثم عاد قبل المسابقة بأيام .وانتشرت صوره في جميع أنحاء البلاد .وكان ألبرت حينها قد تعرف على فتاة تدعى “جوري ” فتاة جميلة جدا تتظاهر بالحياء أمامه ،ودعاها لتحضر معه مشاهدة خوان فوافقت الفتاة .دخل المقاتلون إلى الساحة ،وتعالت أصوات المشجعين من المدرجات ،وكانت النظرات مركّزة  على خوان .    بدأت المعركة وانقض المصارعون على بعضهم كما ينقض الصقور على الطيور ،وكان خوان هو الفائز رغم قوة منافسيه ! وأخد لقب “المقاتل الشجاع”..أعجبت جوري بخوان كثيرا وما إن رآها خوان حتى أعجب بها رغم أنه كان مرتبطا بكثير من الفتيات فهو يجيد الكذب عليهن وجعلهن يحبونه ويعدهن بالزواج ،فلقبوه بالخائن المحتال …

أصبح ألبرت طبيبا مشهورا يلجأ إليه كل مريض ،وأضحى الوصول إليه ليس بالأمر السهل ،فيجب عليك أخد موعد معه بأيام كي تتاح لك الفرصة لرؤيته .فقد كان نزيها في عمله ويحب مهنته ويقوم بها على أكمل وجه. ولهذا قرشحوه كي يكون الطبيب المختص في فحص المقاتلين واللاعبين قبل المباراة .وبعد مدة نظمت مسابقة أخرى ،وكان خوان متحمسا للفوز كعادته ،ولكن هل سينجو بفعلته ويفوز !.

لم يستطع خوان الوصول للطبيب المختص هذه المرة ! فتوتر كثيرا ،لكنه أخد الأدوية الممنوعة وجهز المال في حقيبته ،وما أن دخل كانت الصدفة الطبيب هو صديقه ‘ألبرت’!! اندهش خوان ،وتلعثم لسانه ،كيف سيخبر صديقه ؟ثم قال بينه وبين نفسه :” سأخسر كل شيىء إن عرف بالأمر ” . بعد قليل تفقد ألبرت نتائج الفحص فاندهش ! ثم تذكر قول صديقه “سأفعل كل شيء من أجل النجاح كل شيء يجعلني المقاتل الشجاع ” .ألبرت :” هل تناولت منشطات أو شيئا كهذا ،ممنوعا لن أسمح لك بالمشاركة ياصديقي ،لا يجوز أن تأخد شيئا ليس من حقك .” خوان :”ماالذي تقوله أنت صديقي ويجب أن تساعدني ،كيف تريدني أن انسحب ؟”.ألبرت :”أنا لا أريد أن أفضحك ياصديقي ، تعرف لو قدمت هذا التقرير ستمضي  بقية عمرك في السجن ،بسبب المال الذي أخدت في تلك المسابقات ،حتى وإن لم تكن تناولت هذه الأدوية ،ثم ماذا لو سقطت أو حدث لك شيء هناك ؟ وقاموا بفحصك ستتمدر حياتك وحياتي ،عائلتك وعائلتي ،هل فكرت بهذا ؟  في رأيي أن تنسحب الآن ،وفي المرة القادمة إن أردت المشاركة لا تفعل مافعلته الآن “. ماذا لو لم أكن أنا الطبيب ؟ هل تظن أن الكل يفكر في المال ! أنت مخطئ ،أقنع ألبرت صديقه وانسحب خوان قبل المباراة .وقطع اتصاله بصديقه آلبرت .

بعد مرور خمس سنوات التقى ألبرت بصديقه خوان وكانت معه امرأة جميلة جدا ، ألقيا التحية على بعضهما البعض ،ثم سأله ألبرت من هذه المرأة التي بجانبك ؟ فأجابه خوان قائلا:’إنها زوجتي ،أرأيت لقد من الله عليّ ، فقد ربيت العشرات على يدي ،ولكنني لم أختر واحدة منهم ،فقد تعرفت على جوري ،فتاة وفية ،مطيعة ،حافظة لكتاب الله ،أما قلت لك سأجد فتاة لم تعرف أحدا من قبلي ،هاقد وجدتها”. وكانت جوري تدير رأسها فهي صديقة آلبرت القديمة ..

طأطأ ألبرت رأسه وقال بينه وبين نفسه:” أيها الخائن ،أنت أيضا تزوجت فتاة رباها العشرات وأنا واحد منهم ،تبا لك ولها ..”.

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: