الرئيسية / قصص / رقص القرابين لجليلة مفتوح

رقص القرابين لجليلة مفتوح

رقص القرابين

مقدمة

حينما نعدم الاسلحة أثناء معاركنا ،تظل التضحية البشرية اولها و اخرها.

ّّّّّ
كانت الحرارة مفرطة تلك الظهيرة ،حين غادرت منيرة البيت الفخم ،فبدت في حوالي الأربعين بلون بشرة حنطي ،وأناقة فستانها الصيفي القرمزي ،مع حذائها وحقيبة اليد اللامعي السواد.في حين توهج صفاء جيدها بعقد اللؤلؤ ،الذي تبخر زيفه تحت بريق ملاحتها.
انتظرت طويلا تحت أشعة الشمس الحارقة ،قبل أن تتوقف سيارة بيضاء رباعية الدفع صعدت إلى داخلها ،وقد أفردت غيمة الإرهاق أجنحتها المثقلة بالقنوط ،داخل مقلتيها العسليتين.
_ متى ستتعلمين رد باب السيارة بنعومة ؟ _ .
تعالى صوت الشاب الوسيم القوي البنية صارما ،و هو ممسك بعجلة القيادة.فاقشعر بدنها قليلا رغم أن ملامحها ،لم يكن يبدو عليها أي رفض لانتقاده.
_ لكن كيف ستتعلمين وأنت لا تعرفين قيمة الأشياء ،بما أنك طول عمرك مبذرة حد الجنون _ ألقى كلماته باستهانة منطلقا بسيارته _ .
كادت أن تستسلم لبرودة المكيف،بعد عناء الوقوف تحت الشمس مدة زادت ،عن نصف ساعة بدت لها دهرا:
_ يا أسعد الغالي ،ما صفقته بعنف عن قصد ،لكنه ارتد وحده لميل الطوار _ .
أجابته السيدة وصوتها يختنق ،بدمع وليد حاولت خنقه ،بنزعة باقية من الكبرياء.
_ لا تهتمين بشيء أبدا ,ولهذا عليك تعلم الكثير_ .
_ ماذا بك ؟ _ سألته متوجسة من ردة فعله _ .
_ ألم تزرينا منذ أيام ؟ _ .
_ بلى ،لكنني لم أجد أحدا في البيت وعدت فورا _ .
كرهت منيرة أن تخبر ابنها الوحيد ،أن المساعدة أعلمتها بأن زوجته أقفلت عليها غرفتها.حتى لا تسيء إلى المرأة الطيبة ،ولا تخلق سوء فهم بين الزوجين.
_ أول ما عليك تعلمه ،هو انتظار دعوة مني لزيارة بيتي ،فلا يمكن لك اقتحام خصوصياتي بطريقتك الحمقاء.و إياك أن تطلبي مساعدتي المادية يوما ،فلن أكون أبدا بنكك المتحرك _ .
تذكرت لماذا مرت في طريقها على بيته ،وكيف أرادت فقط تغيير جو بيتها المسموم ولو ساعة واحدة هروبا من عتمته ،التي استفحلت بعد رحيله عنه.
_ من قال أنني قد أطلب مساعدتك ؟ _ مرة أخرى سألته بنفس النبرة المتوجسة _ .
رفعت عينيها بحيرة إلى الوجه الجميل ،الذي طالما حمته من الهواء قبل لعنات الزمن.ودفعت كرامتها في حفنة واحدة ثمنا ،لما آل إليه من رفعة اجتماعية.فعلمت أن زوجته وراء تحريضه عليها ،رغم ما ظلت تبديه لها من محبة.وربما رأت في حب الأم لها ضعفا ،أو نوعا من الكيد لتستحوذ أكثر ،على ابنها بعد زواجه واستقلاليته.
_ يا لكيد الزمن والبشر _ .
لم تستطع منع ابتسامة فاضت بالمرارة ،من اعتلاء شفتيها المتوردتين بأحمر شفاه خفيف _ .
_ أخبروني بهذا ،خاصة أنك بلا عمل ولا دخل قار لديك _ .
بدا لها أستاذا متغطرس الطريقة في التعليم ،وهي تنظر إليه جانبيا بكل ندمها على قبول دعوته.
_ ماذا أفعل معك يا فلذة كبدي ،وأنا أحبك فوق الحياة نفسها ؟ _ .
تراقص شريط العمر المهدر في ثواني ،معيدا بشاعة صور حاولت طويلا محوها ،بزرع الفرحة في الأعين حولها.
_ يجب عليك تسليمه إلى ميتم ،فأنت أصغر من أن تربي طفلا لوحدك _ كان صوت العديد من معارفها ذات زمن مضى _ .
_ لا أريدك بطفل في بيتي وعليك الرحيل ،فلم أتحملك وحدك لأتحمل إضافة بشرية منك.إضافة إلى أنني لا أفهم كيف لطفلة ،أن تربي طفلا ولا مؤهلات تملكها غير جمالها _ .
كان صوت زوجة الأب وهي تطردها ذات ليلة عاصفة ،بوليدها الذي تمسك بصدرها كأنه كان يشعر ،بانفتاح هوة ستبتلعهما معا _ .
_ سأمرغ أنفك الصغير المترفع تحت قدمي ،فامسحي القيء بوجهك هذا الأشبه بدمى المعارض و اخرسي.وإلا فعاقبة ابنك الميتم ،ونهايتك أنت مجاهل الشارع _ .
كان صوت الزوج المريض ،الذي احتمت بظله هاربة من جحيم زمنها ،مقابل حسنها وعمرها بكامله.وإهاناته بين السكر وصحوة الغيرة بحقد فطري ،لم تكن لها يوما علاقة بتصرفاتها البريئة.وإنما لاكتئاب حاد دمر معنوياته بفعل إدمان الشرب والتدخين زمنا طويلا ،رغم ما كان يحمله من شواهد أكاديمية عليا.ورغم رعايتها لأبنائه الثلاثة ،الذين وجدتهم على أعتاب المراهقة ،إلى أن هاجروا نحو خارج البلاد ممتنين لقلبها.لكن سرقتهم ظلال الغربة ،ونفتها بدورها عن عوالمهم بلا رجعة.
شعرت فجأة بوجع الظهر ،من طول خدمة البيت في عبودية شاملة ،بعد أن تناست المرايا فنسيتها بدورها للأبد.لولا وهج من جمال وراثي لم ينثر فوق رأسها سوى اللعنات ،وإن كان معبرا نحو بعض الأمان لسنوات طويلة.
كم تاقت إلى حضن يحتويها ،وطالما اشتهت أن تملك ما لا تحتاج إلى بيعه ،من أجل هاتف نقال وحاسوب ،ورفاهية أثواب تفرح ابنها الغالي.و كم أرادت أن تكون أغانيها ،التي ملأت الأرجاء إسعادا لروحه نابعة من قلب عاشقة مدللة ،وأم اختارت الأمومة بملء إرادتها ،تحت ظل رجل يعرف ما له وما عليه.وليس رجلا بخيلا رغم غناه وقسوته اتجاهها ،التي لا تعرف الحدود.
_ ربيتك لتكون رجلا بجانبي أتباهى بظله ،وأهتم بأولاده فرحة بعمله وطيب قلبه.لا ذكرا بجبروت أنانيته يسلخني ،بصفاقة الجحود والعقوق _ اختنق صوتها من عنجهيته المجانية _ .
_ أنت ستربين أطفالي ؟ وهل أتخلص من جنونك لأسلمك أطفالي ؟ _ تعالت ضحكاته بازدراء _ .
_ لم أكن إلا أختا حانية وصديقة أكثر مما كنت أما ،و لا أطالبك بشيء مقابل واجب عملته.بل أنت من تطاردني غالب الأحيان ،لتذلني دون أن أفهم لماذا _ .
تساءلت من اين أتى بكل بطغيان القسوة ،لكنها سرعان ما لعنت جيناته المعربدة بالجبن و غطرسة الظلم.فوالدها باعها طفلة إلى المجهول ،وأبوه تخلى عنهما وهو جنين بين أحشائها.و من كان رمزه الذكوري ومثله الأعلى ،أذلها رغم تمردها الأخرس.وإن صادقه مع الوقت نكاية فيها ،أول ما بدأ يكتشف ميوله الشريرة نحوها ،سواء عصيانا أو سخطا على الدراسة ،التي لم يكن يجد فيها إلا تحت وابل ،من دموعها ورشوتها له بكل الطرق.
تأملت نتائج دفعها له بذكاء ناعم ،نحو كل أنواع الأنشطة الثقافية والرياضية ،لخوفها عليه من أي انحراف ،قد يوجه عدوانيته الوراثية نحو الهلاك.
_ كان اختيارك ولم أطلب منك شيئا ،فادفعي الثمن وحدك _ أمال وجهه الغاضب نحوها مقفلا كل نقاش _ .
ارتعدت من سواد نظرته العدائية ،فتراءت لها تلك الليلة الحالكة ،التي وقفت فيها أمام الملجأ مرعوبة.بعد طرد عادي من البيت العائلي المشئوم ،قضت غالب وقته بين الحدائق العمومية متخفية ،عن أعين صعاليك الليل.فتذكرت همسها لوليدها:
_ لن أحيى لحظة لا أعرف فيها هل أكلت وماذا شربت ،وهل تغطيت أم يقرص البرد جسدك الغالي.و لن أهنا يوما جاهلة بأي خطر ،قد تكون تعرضت له.لهذا سنعيش معا أو نموت معا _ .
احتضنته عائدة مؤقتا حتى تدبر أحوالهما معا ،مقبلة يد زوجة الأب بكلمات توسل ،والكسر يستوطن قلبها.لتوقع أول بند من عقد تنازلها الكامل ،عن كل ذرة كرامة فداء لمقلتي صغيرها مستقبلا.
_ ارجعني إلى البيت _ أمسكت بثوبها كأنها ستمزقه _ .
_ دعوتك إلى بيتي ،فلماذا أتعبتني بالمجيء ،إن كنت لا ترغبين بالزيارة من الأساس _ .
أوقف الشاب الوسيم السيارة بعنف ،قبل أن يكمل السياقة قليلا ويستدير بنفس الغضب ،عائدا دون جدال نحو المكان ،الذي أخذها منه حيث البيت.فتساءلت هل ابنها لا يعرف صدقا ما يفعله ،ومعناها في هذه الحالة أنه مصاب بمرض نفسي ،من انحراف النرجسية لا علاج منه أبدا.
_ بين الميتم و حضني اخترت لك الحياة الأكرم ،و لست نادمة على رؤيتك كما اشتهيت أنا أن أراك.و لن ألوم أيا كان ذات يوم ،على تخليه عني بفورة الجحود ،ما دمت أنت قطعة كبدي أول شرارة ،من حمم اللعنة التي أحرقتني.و لهذا يجب علي إيقاف رقص القربان الذبيح و لو متأخرة _ جاء صوتها باردا و كأنه ينبعث من قبر منسي _ .
_ الحنان الجارف سكين دو حدين _ .
أضافت كلماتها وهي تترجل من السيارة ،التي اثارت الغبار فوق قامتها ،من هول جرف العجلات للأرض المحترقة.
_ ربنا يسعدك _ لم تعد ترى شيئا من الصداع والغبار _ .
والموقف برمته كان أبشع وجعا من سياط والدها المنهالة ،فوق طراوة جسمها منذ وعت على الدنيا.ومن أسنان زوجة الأب وهي تعض بسادية مفرطة كل ثنايا جسدها الظاهرة والمخفية ،متبوعة بقرص الأصابع الحاقدة ،فوق كل ما كانت تصل إليه من لحمها الأكثر حساسة.
فبعد كل ما بدر من هذا الجاحد منذ أن أصبح دكتورا ،في العلوم الاقتصادية وصاحب مركز رفيع ،إلى حدود تلك اللحظة المشئومة ،والدوار يعصف برأسها.لاشيء أضحى ذا أهمية سوى توقها ،إلى إقفال ملف حياتها القديم بثقله الأسود ،لطي كل صفحاته المتناقضة الأحداث ،من بياض ملاحمها الماضية وعتمة مصيرها.ولأول مرة انتابتها مشاعر سلبية خانقة ،فكرهت كل الوجوه التي عرفتها وعاشرتها بلا استثناء.
كان ابنها قد ابتعد ضجرا بسيارته تأديبا لها ،على أنفتها الحمقاء.لكنه لاحظ عبر مرآة السيارة الجانبية عدم عودتها إلى البيت.وأنها تابعت طريقها بعيدا ،إلى أن توارى طيفها عن ناظريه.
ْْْْْ
صباح الغد كان هناك خبر بعنوان ضخم ،بين سطور جريدة إخبارية وضعتها مساعدة البيت ،فوق مائدة إفطار أسعد كالمعتاد.عن امرأة وجدت أشلاءها متناثرة عبر الطريق السيار ،وقد تناوبت على دوس جسدها حافلتين تباعا.والصورة التي اعتلت الخبر فوق الصفحة كانت ،لوجه تعلوه ابتسامة واسعة وغير مخدوش إطلاقا.
_ لا… _ .
صرخته اخرقت دماغه ،قبل تمزيق هدوء البيت بكامله.والخبر أمامه أكمل توضيحه لعينيه الجاحظتين ،بأن السائق الأول قال أنه رأى المرأة تخرج بسرعة من جانب الطريق ،مشرعة ذراعيها عن آخرهما.
_ لا _ دفع المائدة بكل ما فوقها مترنحا من هول الصدمة _ .
خرج يجري في الشارع بلباس البيت ،كأنه يحاول إمساك عقله الهارب ،من بين ثنايا دماغه.
_ أسعد _ .
كانت زوجته قد نزلت من الطابق الأعلى ،وأمسكت الجريدة مذهولة.
_ يا ربي _ تهاوت جالسة فوق أقرب كرسي _ .
لكن الجسد الذي تفجر تحت عجلات حافلة مندفعة ،لم يكن في النهاية سوى قربانا تافها ظل يرقص بلا توقف ،وقد تحضر لذبحه منذ أزمان.ومساء أمس تمكن أخيرا من الخلاص عبر بوابة جراحه ،وغادر بلا عودة قاع جهنم.

انزلت كل الاسلحة في نهاية حربها الطويلة ،لتجد انها تهاوت مصابة بنيران صديقة.

(مستوحاة من الواقع)

_ جليلة مفتوح_

شاهد أيضاً

أبا المحجوب من رواية ولد السي فلان للدكتور إدريس المرابط

أبا المحجوب لم يكن يفكر يوما في زيارة أبا المحجوب له في مكتبه؛رجل هرم يحمل …

ولد السي فلان. الجزء الأول من رواية الدكتور إدريس المرابط

“ولد سي فلان” 1-لمخير كان يتابع دراسته بالثانوي وكانت له عزيمة قوية بأن يصبح كاءنا …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: