الرئيسية / دراسات / وقفة مع قصيدة للشاعر سعيد حسونة بقلم أحمد وليد الروح

وقفة مع قصيدة للشاعر سعيد حسونة بقلم أحمد وليد الروح

 

لأني القتيل/ شعر سعيد حسونة

السلام عليك شيخي الجليل
ما جئتك لألقي القبض على الشك
الهارب من وجه الدليل
ماجئتك ..
لأغترف الموعظه
وماعقدت لواء النيه
لأتقن اصول التجويد
واحكام الترتيل ..
جئتك ..
لأني القابض على جمر الهوى
المدٓرّج بالهزيمه
الطاعن بالحزن
جئتك لاني القتيل ..
جئتك بتقرير موشح بالصدق
وبحق من رفع السماء
بلا عمد ..
أني لست ممسوسا”
وما أصابني سهم من قوس الحسد
جئتك بقصعة حزن طويل الأمد
وعيون افترسها الكسل
تكالب عليها الرمد ..
فأنصت يرعاك الله
أنصت خاشعا” لتلاوة اوجاعي
ولاتثريب عليك
لو طلبت المدد ..
جئتك متأنقا” بالهموم
متأبطأ ” الحسرة
جئتك ياشيخي
وطعنات الأقدار مكتملة النصاب
جئتك ..
واحساسي يلفظ أنفاسه الأخيرة
وأطراف مشاعري
مبتورة الأعصاب

فكيف أستر أناتي
وقد تآمر عليها زناة الجرح
و أنهكها الاغتصاب ..
وكيف ياشيخي ..
كيف أفض بكارة الصمت
ولساني مقعد
وحروفي لاتقوى على الانتصاب
خلصني ياشيخي
من حب دك حصون الغيب
اقتحم حجرة القلب
وأغلق خلفه الأبواب
خلصني ..
من هذا الفزع
هذا الكابوس ..
هذا السطو المسلح بالأهداب ..
خلصني ..
من حب منزوع الدسم
مخفف بالفتور
حتى غدوت بين العاشقين
كأعجمي بين الأعراب ..
خلصني .. من حبيبة
تتجنب الاختلاط بمشاعري
تأبى مصافحة القصيدة
كطفلة تخشى ملاطفة الأغراب ..
توجتها ملكة على قصائدي
جعلت عرشها
ما بين علياء الاسطورة
وامجاد الخرافة ..
بسطت لها يد الهوى
عاهدت هواها على السمع و
الطاعة
وبحضرة الحب ..
بايعت عينيها على الخلافة
وعلى مائدة الأيام
قدمت لها حبا” ممزوجا” بالدفء
شديد التركيز ..عالي الكثافة
مضيت اليها مندفع ” بالعشق
فاقتلعت النشوة
وزرعت الشوك بطريق المسافه
فالحب عندها اضحوكة
اوشيء من الوهم
مقرونا” بالسخافة ..
ولأني العاشق البار ..
تناولت أقراص الصبر
ثلاث مرات باليوم
بين وجبة الكبت
وعند القهر
وقبل النوم ..
هذبت جموح كبريائي
تحملت سعير الغرور
جحيم الخصام
وحرارة اللوم ..
تحملت شعائر القسوة
مذلة الحب
وانا يا شيخي سيد القوم ..
حسبك ياولدي
وكأني اراك سيد العشاق
وامام الهوى
تؤم جموع المعذبين لصلاة النحر
في جماعه ..
مصاب بحمى العتاب
تعاني من الم بأسفل القهر
مع تقلصات بالحب
مصحوبا” بنقص في المناعه..
وأشهد انك مسرف بالغرام
جاحد بشريعة الرضى
ولاتؤمن بمذهب القناعه
وانك .. سجين الهوى
والسجان ياولدي
يشدد الحراسة على التوبة
ويمنع زيارة الشفاعه ..
وانك احتملت في سبيل هواها
مالايطاق ..
فكيف تتنفس الحب
وانت مغمور بالاختناق ..
ادرك ان جنتك خاوية على عروشها
مترهلة
مصابة بانهيار عصبي ..
تريث قليلا” ..
لاتتخذ من العذاب ذريعة
تحرض بلاطك العاطفي
ليصدر مرسوما”
بقرار غبي ..
الا تذكر ..
الا تذكر ايها العاشق الأبي ..
منحتك تصريح العبور
لأقطار القصيدة
علمتك كيف تكحل اجفان السطور
بكلمات تتباهى
بحسنها العربي ..
كيف تفرغ حمولة الاحزان بميناء
الاوراق
عندما يرتفع شراع الوجع
ليبحر بالوريد
فأطفيء سراج الياس ياولدي
لابد لرعايا العاطفة من انتفاضة
تتمرد على احساس يحكم دولة الحب
بشعور بليد …
رغم أنف الصقيع
سيعتلي الحب صهوة الانقلاب
يقود ثورة تطيح بمملكة الجليد ..
ستبقى يا ولدي
قيد الأمل
الى ان تشرق الصحوة
ويأذن الله بما تريد ..
ستبقى على سرير المعاناة
طريح الحب ..
تعاني من سرعة النزف
وارتفاع بحرارة القلق .
ستبقى .. ثملا” بالحب
تطوف باحزانك ارجاء الدموع
تشكوها لرفاق الغروب
ورواد الشفق ..
ستبقى ياولدي
بمجالس الحيرة تنتظر وفود
الطمأنينه
لتهديء من روع الحب
اذا اختلف مع العقل
او اتفق ..
وستبقى هذه الحبيبة
تعتقل الفكر .. تحتل الخاطر
تحاصرك ..
كاسوارة البؤبؤ بمعصم الحدق ..
فاحزم اوجاعك ياولدي
وامضي ..
فمن قال ان الحب
ابتلاء وجنون
ورب الكعبة صدق ..

سعيد حسونه

وحده العنوان يُبرِزُ تجربة الشاعر سعيد حسونة بشكل واضح. فبتناولنا لهذه القصيدة ” لأَنِّي القتيل” يتبادر للذهن من الوهلة الأولى أن الشاعر يتعرض لنوع من الظلم لكننا لا نعلم ما نوعه و لا من يُمارسُه عليه لدرجة أنه يعتبره قاتل و هو مقتول. و أيضا لا نعرف جنسية القاتل رجل أم إمرأة كل هذه التساؤلات تفرضُ نفسها بمجرد قراءة العنوان.
يبدأ الشاعر سعيد حسونة قصيدته بإلقاء السلام على شيخه الجليل، لعلّٓ هذه القصيدة تشكّلُ سلامه الحقيقي، الروحي و النفسي، و يُكمل كلامه أو حديثه الذي يوجهه لشيخه، لكن رغم الكلام الكثير الذي سرده مازلنا لا نفهم سبب كتابة هذه القصيدة. و بكلّ ما تحتوي عليه القصيدة من غمُوض و كل ما يكتنزه الحرفُ من دهشة لأن المطلع يبدو مغايرًا و غير مألوف في كتابة القصائد، فقد عرفنا قصائد من قبل يوجه فيها المتكلم الخطاب للقاضي لكن شاعرنا يوجه خطابه لشيخ نصّبٓهُ قاضيًا و حكمًا. إنه تغيير واضح جدا على مستوى البعد الرؤيوي للقصيدة.
بعدها يحاول الشاعر توصيل سبب زيارته للشيخ أو مثوله بين يديه. لكنه يبدأ كلامه بالنفي، لأنه يعلم مسبقًا أن حضور أي شخص عند أي شيخ يعني تثبيت معلومة، أو الإستفسار عن شيء يخصُّ العبادة أو طلب الموعظة .. لهذا هو قبل أن يتكلم عن سبب حضوره ينفي ما قد يسأله الشيخ عنه ليكسِبٓ الوقت فهو في عجلة من أمره، يعرف جيدًا مراده و يسرد بدقة ما يُرِيدُ قوله و الإخبار عنه.
فهو ما جاء ليطرُد الشك الهاربٓ من وجه الدليل أو يُطارِده و لا جاء لموعظة .. و قبلٓ حضُورِه لم يعقِد النية على شيء و ما نوى تعلم أصول و أحكام التجويد و الترتيل .. فهو لم يأتِ لطلب الموعظة و تعلم أحكام الترتيل بل جاء لشيء آخر هو يعرفه جيدا.
هكذا يعلِنُ عن سبب مجيئه، فيقول ساردًا الأسباب بسرعة و دون توقف فهو في مستعجل جدا و يدرك جيدًا ما يريد و ما يبتغي. يسترسِلُ في وصف نفسه دونٓ تلعثُم، فهو القابضُ على الجمر .. فقد تعوّدنا عند سماع هذه الجملة “القابض على الجمر” أنها يُقصد بها الدين إذ نتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر). رواه الترمذي وصححه الألباني. لكن ما نفهٓمُهُ بهذه القصيدة هو كون الشاعر يصف نفسه بألقابه على الجمر لأنه يحترق، فهو القابض عَلى جمر الهوى . إنّه المدرج بالهزيمه، الطاعن بالحزن، القتيل.. الموجوع، المهموم .. جاء و لم تكن يداه فارغتان فقد جاء بقصعة حزن، متأنقًا بالهموم، متأبطًا الحسرة.. جاء و معه تقرير لا كذب يشوبه، تقرير موشح بالصدق، إنه تقرير مفصّٓل عن نفسه، آلامه و مواجعه
هكذا هُو استطاع إلى حدٍّ ما أن يُفصِحٓ عن مكنون نفسِه و أن يفرض إيقاعًا خاصًّا في حديثه مع شيخه المزعوم فلحدِّ الآن لا نعلمُ إن كان الشيخُ لَهُ وُجُودٌ حقيقي و دورٌ فاعل في هذه القصة أم أنّه من وحي الخيال فقط . أما وُجُودُ الشاعر فقد كان وجوداً فعليا و حضُورُهُ كان قوياً خصوصًا بالنسبة للمتلقي فهو يُمٓثِّلُ حضوراً نوعياً في ذائقة المتلقي عبر تقمُّصِ هذا الأخير لشخصية الشاعر و لعب دوره في هذه القصة و إِلَّا فإنّ التفاعُلٓ معها لن يكونٓ، رغم كون كل واحد سواء الشاعر أو المتلقي له خصوصيتُه في فهم الأشياء و التعامل معها..
و بالرغم من كل هذا و إن كانت ذائقة المتلقي لا و لن تشبه الشاعر فهذا لا يعني أن الشاعر لم ينجح في إيصال مشاعره و أحاسيسه عبر القصيدة بل بالعكس هو جعل المتلقي ينصهرُ في المكتُوب يُصبح جُزءً منه، يتابعُ القصة بشغف و يشاطر الشاعر أوجاعه و يحِسُّ بآلامِه.
يأتي شاعرنا بعدها ليُؤٓكِّدٓ لشيخِه أنه لم يُصٓبْ بمٓس و لا عين حاسِد، تأكيد يفنِّدُه فعل القٓسٓم، فهو يقسمُ بحقّ من رفع السماء بلا عمد، قسٓمٌ يؤكد صدق الشاعر و يُثبِتُ حالٓتٓهُ الصحية و العقلية، فهو بكامل قواه العقلية لا يُهلوِسُ و ليس مٓمسُوس بل هو فقط جاء ليعبّر عن مشاعره و يشكو حاله لشيخه. لكننا لا نعرف من أين جاء فهو لم يحدِّد المكان . القصيدة ليس لها مكان محدّد و هذا يساعد المتلقي في تخيُّل مكان خاص به، يروقه و يرتاحُ فيه و إن كانت بواعث الراحة مفقودة في هذه القصيدة. و الزمان أيضا غير موجود و بانعدام الزمان تَكُونُ القصيدة صالحة لأي زمان و أي مكان، إلا أن طغيان الأفعال المضارعة يوحي للحاضر، للحالي، لـ”الآن” يوحي للإستمرارية .. و أيضا يعطي للشاعر نفٓسًا طويلا في الصبر و التحمّل، فقط جاء مُثقٓلًا بالبوح، بوحٌ لا نهاية له، و إن صمٓتٓ الشاعر يستمرُّ بعقله و وجدانه.


و نحن نقرأ نحسُّ الشاعر مستحيل أن يُنهي كلامه فبجُعبتِه الكثير ممّا قال و ما لم يقُل. و كما سبق و قُلْنَا القصيدة لا مكان و لا زمان يُحدّدها، و كأن الشاعر لم يأتِ من أي مكان و لا زمان كأنّه بعث هنا فجأة، فلا مكان هناك ينتمي إليه فهو ينتمي للقصيدة و القصيدة بدورها تنتمي له و هما معًا ليس لهما انتماء سوى للشِّعر و للشعر فقط ينتمِيٓان.
و هو يصفُ نفسه لم يفُته وصفٓ عيُونِه التي افترسٓها الكسل و أصيبت بالرمٓد.. فمرّةً يتحدّٓثُ عن نفسه، و مرّةً يطلُبُ من شيخِه الإنصاتٓ لَهُ بتمعُّن و خشُوع و كأن الشيخ يُجيبُه أو لا يترُكُ له فرصة للكلام و بالحقيقة الشيخ لم يتكلم و لم نسمع كلمة له فقط شاعرنا يُكلّمُ نفسه و يُكلّمه شيخه دون أن يعطيه فرصة ليسأله أو يجيبه.
جاء الشاعر ليشكو أقداره و إحساسه و مشاعره المبتورة، كيف يخفي أناته المجروحة .. إلا أنه رغم كلِّ الكلام الذي قاله نجدُه يتساءل كيف يبدد الصمت و لسانه لا يقوى على الكلام.. ثُمَّ بعدها مباشرة يُعلنُ عن سبب حُزنِه، آلامه و أوجاعه التي سببها الحب.. إنّه حبٌّ عنيف، فجأةً و دون مقدّمات دكّ حصُون الغيبِ، اقتحمٓ حجرة القلب، استقرّٓ، سٓكٓن و أغلق خلفه الأبواب..
شاعر يستوي عنده الحب و الفزعُ فهمًا بذاتِ المرتبة حين يجعلُ من حُبِّه كابُوسًا و عَدُوًّا مسلّح الأهداب -وهذا كناية على جمال حبيبته، خصوصا عيناها- عدو يحتلُّ قلبه، يسطو على كلّ كيانِه و مشاعره ..
بعدها يطلُب من شيخه أن يُخٓلِّصٓهُ من هذا الحُب أو هذا الْعَدُو ، حُبٌّ بلا وصال و غير متبادل فهو حب من طرف واحد لهذا وصفه الشاعر بحب منزوع الدسم ، مخفف بالفتور. هكذا عندما نقرأ هذا الوصف نحسُّ كأن الشاعر يتبع حِمية في حُبِّه مُرغٓمًا، لكنّه رغم ذلك صٓبٓر و صمٓدٓ إِلَّا أن هذا الحب جعله بين العاشقين مثل أعجمي بين الأعراب..
و كأنّه يعيشُ الحُبّ بلا حُب ، عاشق بلا عشق.. و حبيبة لا تبادلُه المشاعر ، تأبى مصافحة القصيدة .
هي الحبيبة الطفلة كما يصفُها شاعرنا تخشى ملاطفة الأغراب ، فهي بالنسبة له حبيبة مقربة لكن هو بالنسبة لها غريب لا علاقة لها به و لا تعرفه و لا تستلطفه بل وتخشى ملاطفته .
هو الحبُّ من طرف واحد شكلٌ من أشكال المعاناة بالنسبة للشاعر و نوعٌ من المقاومة بالنسبة لحبيبته التي ترفض حبه أو الإختلاط به أو مسايرة مشاعره . و إن قاومت هي و استطاعت صدّ الشاعر إلا أن هذا الأخير لا يستطيعُ مقاومتها أو مقاومة حُبِّها فتوّجها ملكة على قصائده، عرشُها بين أسطورة و خرافة في عليائها و أمجادها، بسط لها يد الهوى و عاهدها على السمع و الطاعة.. بايع عينيها على الخلافة و قدّم حبا ممزوجا بالدفء، عالي الكثافة مقابل حبّها قليل الدسم ، فهو أعطى كل ما عنده و استنفد كل طاقاته، و مضى مندفعا في عشقه و بدلٓ كل جهده في سبيل هذا الحب لكنها قابلته بالصّد فاقتلعتْ نشوته و زرعت بطريقه الشوك. هو الآن مريض، مرضُه الحب لكنه رغم مقاومته يحِسُّ نفسه منزُع القِوى بلا منٓاعٓة.
فإن كان حُبّه تثبيت مشاعر فحبها اقتلاع و محاصرة، مشاعر لم يجد وسيلة للخلاص منها و لم يجد بُدًّا في محاصرتها له سوى هذه القصيدة يبُثّها شكواه، يعبِّر من خلالها عن ظلم حبيبته له، قصيدة يسعى من خلالها إلى تحقيق الذات من خلال الآخر، فحبٌّ كهذا يعتبر نوعا من أنواع الإقصاء لهذا يحاول شاعرنا إثبات ذاته من خلال العاطفة و المشاعر. فهو يقدِّس الحب و حبيبة لا تعترف بالحب إطلاقًا فهو بالنسبة لها وهمٌ، أضحوكة و سخافة.. شاعرٌ تتسِّعُ نظرتُه للحب و يعتبره شيئا ضرورياً يجمعه بِنصفه الآخر . و حبيبة تضيقُ نظرتها هكذا فإنّ معادلة الحب هذه تبقى ناقصة ما دامت ينقصها التكامل في الرؤى .
بهذا يتميز شاعرنا سعيد حسونة بشكلٍ خاص في التعبير عن مشاعره بطريقته الخاصة و رؤيته المتفردة و في طرحه للأشياء و كيفية صياغتها و التعامل معها فكريا و فنياً.

هكذا تفتح لنا القصيدة نوافذها المطلة على حدائق القلب، قلب عاشق بار، دواؤُه الصبر يتجرعه بين وجبتي الكبت و القهر و قبل النوم فهو لا يستطيع النوم دون دوائه هذا. و يستمر في تطويع نفسه و تهذيب جموح كبريائه، فمع الحب لا مكان للكبرياء. و الشاعر في حبها تحمّل الكثير، القسوة و الغرور و الخصام و اللوم و المذلة .. فكيف به يصبرُ على كل هذه الأشياء و كل هذه الإهانات و هو سيد القوم؟
يتدخل الشيخ و يقاطع شاعرنا قائلًا: “حسبك يا ولدي”
هنا يبدأ الشيخ في وصف الشاعر بسرد أوصاف تناسبه فيقول له متسائلا كأنه يراه سيد العشاق، و إمام الهوى يؤم جموع المعذبين .. أو مصاب بحمى .. مسرفٌ بالغرام.. و يوضحُّ له عدم رضاه فيقول له : أنت لست راضيا عن وضعك و لا قانعا بقدرك ، سجين الهوى لا تريد التوبة تحتمل في هذا الهوى ما لا يُطاق . و أنت مختنق هكذا كيف بك تتنفّس الحب ..
بعدها يبدأ بالوعيظ فيطلب منه أن يتريث قليلا و لا يتخذ من عذابه ذريعة، و لا يسرع في اتخاذ أي قرار غبي . ثم يذكره بأنها منحته تصريح العبور لأقطار القصيدة، علمته الكتابة و التباهى بحسنها العربي ، و علمته كيف يفرغ حمولة أحزانه بالكتابة فيضعها بميناء الورق ليبحر بشراع الوجع من الوريد إلى الوريد ..
هكذا و ليُطفئ سراج اليأس لابد لرعايا العاطفة من انتفاضة تطيح بمملكة الجليد و تسقط حكم من يحكم دولة الحب بشعور بليد.. بعدها يوجه الشيخ كلامه للشاعر مخبرا إياه أنه رغم الصقيع سينتصر الحب لكن على الشاعر أن لا يفقد الأمل فسوف تحس به حبيبته و ستصحُو عاطفتها لهذا فهو طوال هذه المدة سيُعٓاني و يبقى طريح الحب ، باكيا يشكو لرفاق الغروب و رواد الشفق ” العشاق” حيرته، آلامه و أحزانه بعيونٍ دامعة. لهذا يطلب منه الشيخ أن يمضي في طريقه متحملا ، صابرا فقد صدق من قال أن الحب ابتلاء و جنون.

الأنثى الحبيبة و الأنثى القصيدة، تحتل مكانة كبيرة بقلب الشاعر و تشكل عمقا فنيا يظهر من خلال هذه الكتابة . فالأنثى هي الحبيبة و القصيدة تكملها فهي كينونة الشاعر التي لا تكتمل إلا من خلال الحبيبة و الحبيبة لم نكن لندرك وجودها لولا القصيدة إنه اكتمال و تكامل روحي و فكري عميق يتداخل فيه كل من الشاعر كذات مثقلة بالهموم و مشحونة بالعاطفة و ذات الحبيبة السبب أو الذات الدافعة و المحفزة عَلى الكتابة و القصيدة الوسيلة و الملجأ الذي يلتجئ إليه الشاعر لإفراغ شحنته العاطفية و ما يترتب عنها من توتُّر، قلق و أحزان. فالقصيدة أو الكتابة هي الميناء (الورق) الذي يفرغ فيه الشاعر كل أوجاعه و آلامه ليبحر في بحر الحب آمِلًا مُلامٓسة هذا الحب لأرض الواقع.
و مادام هذا لم يتحقق بعدُ فستظل الحبيبة تشغل قلب الشاعر و فكره ، تحاصره و تحتل مشاعره إلى ما لا نهاية.

شاهد أيضاً

نزهة المثلوثي

ألوف من ضحايا – نزهة المثلوثي

  أقم بالبيت لا تخرج لزاما وراع الأهل..أبلغهم سلاما * فذي الأخبار قد عَجَّت منايا …

علي بيطار

فـكِّــرْ معي – علي بيطار

هلْ زرتَ يوماً يا صديقي مقبره ورأيتَ مَنْ كانوا لـقـومكَ مفخــرة ورأيتَ أضرحةً تضمِّ ضعافهـمْ …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: