الرئيسية / قصص / أقصوصة من بتوقيت بصرى – محمد فتحي المقداد
محمد فتحي المقداد
محمد فتحي المقداد

أقصوصة من بتوقيت بصرى – محمد فتحي المقداد

أنساني التجوال بين شوارع المدينة ومتاجرها نفسي، ساعات عديدة قضيتها بحثًا بين مكتباتها وبسطات بيع الكتب القديمة والجديدة على الأرصفة.
لاشيء مُحدّد بالضبط في ذهني أبحثُ عنه، أقصى لحظات سعادتي لا تُضاهى إذا كانت مع الكتب وبينها.
وجهي مألوف للباعة، تكبُرُ السّعادة في قلبي اكتمالًا؛ وهم يُرسلون إليٍّ ابتساماتهم التي تشكّل لوحة لا مثيل لها متماوجة مع بشاشة وجوههم.

إلّا واحدًا منهم مُختلِف، تذكّرتُ تكشيرة وجهه في زيارتي السابقة قبل شهر، وما زالت تكشيرته في مكانها لم تتزحزح، تأمّلتُ تقاطيع وجهه الحادّة وذقنه العريضة، عيناه العسليّتان تُخفيان خلفهما رِقّة وطيبة.
تفرّستُه بفُضولٍ طاغٍ على مشاعري. أحببتُه. سَابَقني إليه تَوَسُّمي فيه خيرًا قبل الحديث معه.
بادرني بعد أن قدّم لي كُرسيًّا خشبيًّا قديمًا: “أهلًا وسهلًا.. تفضّل أستاذ”.
كأنّه اسْتَشَفّ ملامح تعبٍ مُجهِدٍ من وجهي. فُرصةٌ جاءتني على طبق من ذهب دون سَعْيي إلى التحدُّث معه.
وَاتَتْني لحظة انسجام داخليّ للكلام بعد أخْذي نفَسًا عميقًا روّح ضيق صدري:
– “شكرًا على كرمك، طيبُ استقبالكَ مهّد الطريق بيننا غير آبهٍ بتكشيرتك السّاكنة وجهك دائمًا”.
كلامي ترافق مع ابتسامتي ذات الدلالة له، بتواضعه الآسِر. قال:
– “هذه خلقتي أحاول الابتسام قدر استطاعتي، مُستشعرًا صرامة تقاسيمي الحادّة في حالة صمتي، كثيرون أخبروني بذلك”.
راح يشكو لي باسهاب طويل عن سوء الحال، وكساد تجارته أمام التقنيّات الإلكترونيّة، وعزوف النّاس عن القراءة. لم أعِ ألّا القليل منه، تفكيري ذهب بعيدًا في تحليلات علماء النّفس، وأقوال الحُكماء والوُعّاظ، تذكّرتُ حكمة دِمشقيّة: (إذا لم تستطع الإبتسامة.. فلا تشتغل تاجرًا).
قطعة ورق مطويّة دحرجتها بين قدميّ نسمةُ هواء باردة. تردّدتُ في فضّ طيّاتها بعد التقاطها. جحظت عيناي مُحاولًا فكّ طلاسم سوء خط كاتبها، وكثرة الكلمات المطموسة، إلّا من آخر عبارة استجمعتُها بصعوبة، كأنّه نَسِيَها: (من أبي رِغال إلى ابن العلقمي).
داهمني صمتٌ مُطبقٌ مفاجئ بإيحائها، كأنّ مطموسها ذو محتوى خطير، أظنّ أنّها حكاية ثمان سنوات من الثورة السوريّة.
نسيتُ وداع الرّجل، وشُكره على كرم ضيافته، وقد وصلتُ آخر الطريق قبل انعطافي في اتّجاه بيتي.

كتاب (بتوقيت بُصرى) الروائي محمد فتحي المقداد

شاهد أيضاً

حديث غزة – منصر فلاح

  لأجلك يا ذرى المجد العتيد أهيم اليوم بالعشق الأكيد . أمرغ حرف قافيتي وأهذي …

محمد الربادي

تلاوة الحنين – محمد الربادي

  حار عقلي في هموم المتعبينا سال دمعي في دروب الحالمينا حين أتلو في حنيني …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: