الرئيسية / دراسات / قراءة في ديوان فوضى الحروف – للشاعر نضال الرفاعي – محسن محمد الرجب
فوضى الحروف نضال الرفاعي
فوضى الحروف نضال الرفاعي

قراءة في ديوان فوضى الحروف – للشاعر نضال الرفاعي – محسن محمد الرجب

 

قصائد مختارة ……………. بقلم محسن محمد الرجب

للشعر اثر في النفوس لدى المتلقين يختلف عن باقي الأجناس الأدبية من حيث امكانية الولوج إلى الأبعاد الفكرية والنفسية لديهم و بما يمكن أن يترك أثرا بالغا حسب الموضوع المطروح من قبل الشاعر ذاته
و الشاعر يعبر عن ما يعتلج في اعماقه على شكل قصائد الغاية منها إيصال رسالة بينة واضحة .. فالشعر رسالة . .

هنا في هذا الديوان نجد شاعرنا صاحب قضية .. قضية (( الوطن )) شأنه شأن الكثير من الشعراء لكن زخم الشعور المتدفق والذي يحمله شاعرنا جعل منه سباقا الى إظهار موجات عالية من سمات بارزة قلما تجدها عند الغير من الشعراء في هذا الإتجاه

كان يعلم صاحب الديوان علم اليقين الى اي مدى يمكن لقوافيه ان تصل في زمن كسدت فيه بضاعة الشعر .. في زمن تبدلت فيه الأهواء و المقاصد و اعترت هذا الفن الاصيل الكثير من الترهات و الترهلات من إضافات تتوافق و أهواء من اراد لهذا الفن أن تخبو شعلته ..
نحن هنا أمام شاعر نزّاف بالمفردات التي حبلت بمختلف الوان الشعر من هجاء و رثاء و وصف و الجميل أن شاعرنا كان يترك لنا دائما مساحة من الامل .. فليس هو من الذين يكتفون بالندب و الشجب و لا ينظر للأشياء من زاوية ضيقة بل إنه يبقي لنا ومضة ملتهبة أتية من فج عميق تكبر شيئا فشيئا لعلى وعسى ان تصبح غرسة تؤتي ثمارها و لو استحال الزمن

نضال الرفاعي
نضال الرفاعي

بعد سطور مضيئة للدكتور محمد المقدادي و التي جاءت تلو الاهداء يطل علينا ببضعة ابيات بدت و كأنها اختصار للديوان من حيث الحالة الشعورية التي عاشها لحظات نزفه لهذه المفردات قال:
و رسمت وجهي في القصيدة شاحبا
من دهشة المكلوم و المستنزف
في موطن نزف اليراع جراحه
كم تشبه الأوطان قلبا لا يفي

نعم هو الجرح الذي يلازم كل غيور على ارض بلده و وطنه و أهله و جواره

الغربة عند شاعرنا ليست غربة جسد عن تراب وطن بل الغربة غربة الروح في الوطن ذاته الذي ننتسب إليه و نعيش فيه و يزداد الأمر مرارة عندما ترى بأم عينيك ذاك الغريب الذي يأتي و على حين غرة يقطف ثمار هذا الوطن بما غرسناه من جهد و تعب من أجل أن يظل حرا كريما
قال شاعرنا في ذلك

كأني بأوطاني أعيش بغربةٍ
و من كاهلي يجني الغريب رفاده

أما في قصيدة ( سود الطلاء )
تتجلى صورة المكان و الزمان و الجغرافيا فعندما تقرأ ( بلفور و وعده المشؤوم ) تجد نفسك بانسيابية لا إرادية تجوب مساحة من الزمن الاغبر ترافقك مسجات نزحت من عبارات حارقة هذا الزمن الذي دس في قلوبنا شوكة الغدر في غفلة اهل الفصاحة والبيان … فضيحة ما كانت لتكون لو أن العرب آنذاك تيقظوا لها … لكنه المكر و الخديعة والخيانة ، فالقدس واقصاها قيمة لا تماثلها قيمة في هذا الكون يقول شاعرنا هنا :

ألا يكفيك يا بلفور قبحا
حروفك شبه اصوات العواء
فقد ننسى كنوز الارض لكن
تراب القدس باق في الدماء

و في زاوية أخرى من زوايا الوجع الموصول بجراح القدس و غربتها استمد شاعرنا مطلعا لقصيدته ( للقدس ) من شاعر السيف ابي تمام طوعه شاعرنا ليتوافق و الغاية التي أراد أن تكون قوية متينة متراصة و بيان قيمة الشعر و مراميه قال:

(( السيف اصدق انباء من الكتب ))
و الشعر في بعضه التسليم للكُرَبِ
فالقدس لا ترتجي من شاعر املا
لكن تؤمل نصل البرق و الشهب

نعم لقد احسن شاعرنا وصف الشعر في هذه القصيدة فكم حمل الشعر كاهل الحماسة و بث روح النصر في نفوس المقاتلين و على مر التاريخ كان للشعر أثرٌ كبير في إحراز مقدمات و اسباب النصر بما حمله من قوة البيان و الدفع المعنوي للنفوس ..

رهافة الحس و رقة الروح ظهرت جلية في نزف شاعرنا فهو من حيث النتيجة انسان يحمل في القلب ما يحمله اي انسان اخر لكن لدى الشاعر ادوات للافصاح عن حالته النفسية بعمق اكبر .. شاعرنا يبكي لنفح ناي و يرقص لتغريدة عصفور يسبح بحرية مطلقة في فضاء لا حدود له فانظر معي جمالية الصيغة الشاعرية التي اكتنفت هذا القول :
سلام عليك سجينة شوقي
أتيتِ دواء لنزف الجروح
كأن كلينا فراش و زهر
و إني ارتشفت الرحيق ففوحي

الشاعر تتقاذفه دوافع مختلفة وفق زمانه ومكانه و حالته التي يستقي منها مفرداته فمرة تهيضه
معاني الرجولة و الإباء و مرة أخرى تطالعه وجوه السماحة و اللين و الوداعة و في قصيدة ( ابن الشعر ) بدا لنا شاعرنا بثوب الرجولة و الثقة و الاعتزاز بالنفس عندما شابه في بعض ابياته شاعر الحكمة احمد ابن الحسين ( المتنبي) في قوله
الخيل و الليل و البيداء تعرفني
و السيف و الرمح و القرطاس و القلم

اذن هو الشموخ و العزة و الكرامة و الرفض لكل ما هو دون

و بحنكة الفطن استطاع شاعرنا ان يأخذنا في اختصار زمني الى جهاذبة الشعر العربي من خلال قصيدته ( ابن التل) فقد مر بعنترة و عبلة و خولة الي إن انتهى بشاعر الاردن المجيد وهبي التل ( عرار) فمن عنترة و من عرار يستقي شاعرنا نضال مجد روائع الشعر و رجولته و القه فقال

إليك عرار اهدي كل حروفي
عسى الامجاد في شعري تُعادُ

محسن الرجب
محسن الرجب

فالشعر هنا نزيف يتصل من اول حرف نطق به شاعر الى ان يرث الله الأرض و من عليها

اللغة العربية لغة الضاد و اداة الشعر و الشاعر اولا و اخرا فقد وجدنا نصيبا وافرا لدى شاعرنا فيها في لغة شعرية متفردة بفصاحتها و جمال المعنى و المبنى ، بقزحية الوانها مطواعة بما حملته من تفوق عن باقي اللغات فيكفيها شرفا انها اللغة التي جاء بها القران الكريم
فقد قال فيها شاعرنا اجمل ما يمكن ان يقال

من حرفها القرآن يتلى معجزا
ببيانه أعيا لبابا فاهتدوا

الخلق الحسن صفة ضرورية للشاعر تلازمه في رثائه و هجائه و بكائه وجميل شكره فهي نزع يجري به كالدم في الوريد
فشاعرنا يقف على مرتفعات ام قيس (( جدارا)) المطلة على نهر اليرموك و تقابل الجولان و تطل أيضا على بحيرة طبريا و على مسافة قصيرة من موقع معركة اليرموك يدافعه الحنين مرة و أخرى نراه موزعا بين هذا وذاك فنسمات القدس تلامس خدّيه بهفهفات حنين توقظ فيه الم العشق فقال من على صبوة اطلاله المحضرة أملاً و ألما

أما تدرون أن القلب يصبو
وعلى جدرانه كتبت جدارا
واني الغيرة الحمقة بطبعي
فلا تهدي لغير الصب دارا

صفوة الخلق محمد صلى الله عليه وسلم حاضرا في كل زمان ومكان وفي كل حرف وبيان وقد تسابق الكثير من الشعراء في ذكره بأبهى معاني الحرف والكلم وقد ابدع شاعرنا نضال عندما تناول هذا السراج المنير في قصيدته(بمولد الهدى) فقال:

محمد الوصف لا وصف يليق به
محمد الشأن لا يعلوه مرتفع
فالوجه بدر وممشوق بهامته
والطرف يخضع للجبار يتضع

حقيقة وصفٌ ما بعده وصفٍ لسيد الأولين والأخرين عليه افضل الصلاة واتم التسليم

من المعلوم ان لكل اثر مؤثر وله ايحاء باعث يجعله يفيض بلواعج النفس فيرسم بأداته ما يمكنه من ترجمة انفعالاته ومعضم الشعراء في بداياتهم الاولى لهم ملهمات شعر فاستفاضوا بجمال الوصف ورهافة الحس وروعة البيان بوصف من احبوا .. فالملهمات هن المادة الاولى في اشعارهم ومن هنا ينادي شاعرنا ملهمته بأرق ما يمكن أن يكون من مفردات مستجديا اياها ان تكون المحبرة ليراعه الذي ينزف منه اشواقه و أحلامه فقال:

كوني مداد الشعر في اوراقي
كوني اليراع وكحّلي احداقي

وبإيحاء اسقاطي استمد شاعرنا من قصة العزيز يوسف عليه السلام بيتا على جانب كبير من الجمال فقال:

وتقد من قبل قميص تارة
وتقد من دبر قبيل فراقي

التغني بالوطن الأم واجب أخلاقي تمثل به الكثير من الشعراء و شاعرنا في قصيدته (( هو الأردن )) إنما سلك سبيل من سبقه و من سيأتي بعده في هذا إلّا أن دفقات الحنين و العشق جاءت بعفوية طفل بريء فكانت لوحة بديعة قل نظيرها
قال فيه :

تداعى الشعر حين البوح مالا
إلى الأردن و امتثل امتثالا

هو الأردن للإشراف مهد
و خصب من دم ٍ لله سالا

أَدمْ يا رب للأردن مجدداً
هي الآمال نطلبها ابتهالا

و ما اجمل التغني بالوطن و ما اروعه ..

للشهادة مهر غال لا يقدر بثمن خاصة عندما تكون في سبيل الارض و العرض و من أجل أن يبقى الوطن حرا كريما و قد بين لنا شاعرنا هنا و من خلال قصيدته (( الشهيد )) القيمة الحقيقية للشهادة و ما ينتظر الشهيد عند الله سبحانه من أجر و جنان و مصاحبة الانبياء و الصالحين قال فيها:

انتم حماة الارض و العرض الذي
يأبى الهوان لا يطيق المرغما

طَلبَ الشهادة و الكريم أجابه
من قبل أن يتنفس الصبح ارتمى

هو للجنان محلق و مكرم
و دماؤه في الأرض مسك أُكرما

و هناك بعض القصائد التي سرحت بين دفتي هذا الديوان قصائد لا تخلو من الحكمة فعلى سبيل المثال لا الحصر قصيدة (( داء و دواء )) و قصيدة (( هيبة الصمت )) اعادنا بهما شاعرنا إلى محمد ابن ادريس الشافعي و ما احتوى شعره من هذه الحكم الخالدة

اختتم شاعرنا ديوانه بقصيدة (( ما غادر الشعراء )) كحلها بجمالية قافية عنترة ابن شداد إلا ان شاعرنا هنا أراد أن يبين لنا فيها فصاحة البيان و بلاغة المعاني و ما تحمله هذه اللغة الأصيلة من أنهار و روافد وظفها شاعرنا الما و حسرة الى ما آل إليه حال الوطن داعيا إياه بحرقة المتلهف أن يرعى و يصون اي صرح يمكن أن يبنى فيه من أجل أن يبقى حرا كريما
(( يا ليت شعري هل ارى في موطني

صرحا يُعزُّ به يراع الأقوام ))

ديوان (( فوضى الحروف ))
ديوان و بما احتواه بين دفتيه من قصائد ممزوجة بالألم و الأمل والوصف و الرثاء.. يستحق أن يُقرأ

ارجو من الله لشاعرنا نضال الرفاعي الصديق العزيز
كل التوفيق و السداد و المزيد من النجاح و الرفعة

محسن محمد الرجب

شاهد أيضاً

رَكِيزَةُ الوَطَنِ – عصام محمد الأهدل

  نُورُ المُعَلِّمِ سَاطِعٌ طُولَ الزَّمَنْ هُوَ خَيرُ مَنْ أَسْدَى عَطَاءً لِلْوَطَنْ بِفَضَائِلٍ فَاقَت فَضَائِلَ …

يا لائمًا – ملك إسماعيل

. يا لائمًا قد شقَّ قلبي لومهُ أسرفتَ في لومي وزدتَ عتابي . ما كلُّ …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: