الرئيسية / دراسات / شعرية الحس والجسد قراءة في قصائد الشاعر الدكتور علي الصميلي – بقلم : جبريل السبعي
جبريل السبعي

شعرية الحس والجسد قراءة في قصائد الشاعر الدكتور علي الصميلي – بقلم : جبريل السبعي

شعرية الحس والجسد قراءة في قصائد الشاعر الدكتور علي الصميلي – بقلم : جبريل السبعي

.
تتميز منطقة جازان بكثرة مبدعيها ، وفي كل حقبة يبرز فيها عدد من الشعراء يبهرون المتلقي بنضوج تجربتهم ، وامتلاكهم زمام لغتهم ، ولعل من بين هؤلاء الدكتور علي الصميلي ، الذي فاجأنا مؤخرا بعدد من النصوص الشعرية ، ذات النكهة المختلفة ، وما يشدنا في تجربته هو عمق رؤيته ، وخصوصية لغته ، لذا أحاول تقديمها للقارئ الكريم .

.

يقدم الصميلي مضمونه الشعري عبر جملة من الصور الشعرية ، التي مصدرها الجسد ، وحتى إنه ليمكننا القول : إن شعرية الصميلي هي شعرية الحس والجسد بامتياز .
.

يهتم الشاعر – أول ما يهتم – بعيني الحبيبة ، وتتردد العين في قصائده على نحو لافت ، ولا غرو فهي التي ترسم له قدره ، وهي التي تقيده إن شاءت ، وتطلقه إن شاءت .. تسعده إن شاءت ، وتشقيه إن شاءت .
.
وتبدو العين في شعره ذات علاقة بالصوت ، فكحل الحبيبة ” يشهق في عينيها ” كما أن الشاعر يبادل هذا الصوت الذي في عيني حبيبته ، بصوت آخر يصدر من عينيه ، حين يقول :
آت وفي عيني وقع قصيدة … يشدو بها السمار في الأهواد

علي الصميلي

.
وهو فوق ذلك يهدي لعيني حبيبته جملة من الأصوات ، منها ” أنينه المرتعش ” وكذا ” همسه الذي يضرج به الليل ” .

.
وتبدو العين في شعره ، ذات علاقة بالطعوم ، ففي عيني حبيبته يكمن ” عذب سنينه ” ، كما أن عينها هي المدام ، لذا هو يُهدي هاتين العينين جملة من الطعوم ، ولكنه كالعادة يختار مفردة طبيعية ، فيغلفها بالمحسوس ، على نحو من قوله : ” لعينيك هذا النجم أحلى قلادة ” وقوله : ” لعينيك هذا البحر … أصبه … بثغرك شهدا … ” .
.

وتبدو العين في شعره ذات علاقة بالملموسات ، حيث يتجلى الشوق في عينيها جمرا ، وحيث يطلب الشاعر منها أن تأخذه إلى عينيها كحلا ملتهبا ، كما أنه لا ينسى أن يهدي لها الليل كحلا مضرجا بلمسه والتياع شؤونه .
.

وتبدو العين في شعره ذات علاقة أيضا بالمشمومات ، فكحلها يتعتق ويلتهب حتى يسيل مسكا وعنبرا ، وأما الشاعر فليس في وسعه إلا أن :
يشم منها رفيف المسك يلمسه … كشهقة الكحل في أعيانها النجلى

.
ومن أجل عيني حبيبته هذه يجتاز المسافات ، ويمد أشرعته في البحار ، ويحمل فؤاده المشتاق ، محملا بصبواته ، وأشواقه الملتهبة ، ولأجل هاتين العينين ، يرسل دموعه على محياه ، فيسقي بها الليل السادر في قسوته وغيه .
.
ومثلما اهتم الصميلي بالعيون ولوازمها ، اهتم كذلك لا أقول بالأنف ، وإنما بالمشمومات ، التي أثارها في ذاكرته عطر حبيبته ، وهو دائما ” يشم منها رائحة المسك ” فيقول :
يا حبيبي فديت عطرك إني … صرت بعد اللقاء محض شظايا

.
ويقول :
يارشة العطر هذا الليل متكئ … على ذراعي ولا يدري بنجوايا
.

وحيث إن حبيبته عاطرة ، فإنه يأمل منها أن تأخذه إلى عالمها ، الذي ذاب مسكا وعنبرا ، فتجعل منه عطرا كعطرها :
خذيني إلى عينيك كحلا معتّقا … تلهب حتى سال مسكا وعنبرا
.
ويقول :
وهل تزرعين الفل في صدر عاشق … تلفَّح بالأشواق حتى تصحَّرا
.
وحين لا تفعل ذلك فإنه لا يملك إلا أن يستثير رغبتها في الفعل ، فيصرح لها بأن قلبه إنما هو من جنسها الفاغم والعاطر :
هل تشعرين بنبض قلبي إنه … رشات عطر بل حديث ودادي
.

ويقول :
عليك بقلب نزفه أغرق الدنا … تعتق فيه الشوق روضا معطرا
.
ويقول :
أعيدي بسمة عند التلاقي … تعطر فرحتي رفقا برفقِ
.

ويتردد الفم ولوازمه كثيرا في شعر الصميلي ، وقد يُذكر صراحة عبر مفردات : الفم ، والثغر ، والشفاه ، وقد يُكتفى منه بالأفعال كـ : الصيام ، والابتسام ، والتقبيل ، والتذوق ، واللثم ، والقول ، والشدو ، والامتصاص ، وقد يصب الشاعر تركيزه على المطعومات كـ : العذب ، والحلو ، وربما ركز على السيولة : كالانسكاب ، والانصباب ، والتدفق ، والهميان ، وربما اهتم بالأشياء التي تسيل : كالنهر والنبع والمطر والبحر والعسل والدموع والمدام ، ولعل أبرز ظاهرة فنية يمكن ملاحظتها في هذا السياق ، هي الجمع بين لوازم الفم ، ولوازم العين ، أو بالأحرى خلق التراسل بين هاتين الجارحتين ، حين تصبح العين مرة تقبِّل ، ومرة تسقي بدموعها ، وحين تغدو كأسا لعذب السنين ، أو للمدام ، كما أن الشاعر قد يجعل – كما أسلفت – المطعومات هدية يقدمها للعين بإزاء ما تفيضه العين عليه من جمال وروعة :
لعينيك هذا البحر عشقا أصبه … بثغرك شهدا صادقا ويقيني
.
تلي هذه الملامح الفنية ظاهرة خلق التراسل بين الفم والأذن ، حين يصبح الفم يمتص ليس المطعومات وإنما المسموعات ، على نحو من قوله :

يمتص من شهدها موال اغنية … ويسكب اللحن في وجناتها المثلى
.

وفي هذا السياق يحضر القول ، والشدو ، والموال ، واللحن ، والأغاني ، والقيثار لا باعتبارها مسموعات وإنما باعتبارها مطعومات :
يسافر الشعر في خديك يرسمها … قيثار عشق كما معشوقك الاحلى
.
والخد أيضا من المفردات التي اهتم بها الشاعر ؛ لذا فالشعر يسافر في خدي الحبيبة ، ليسقيهما باللحن والثناء الذي يستحقانه ، وقد نرى الشاعر نفسه يسافر في خدي حبيبته ، فيتوه مرة ، ويهتدي أخرى ، ليرسم من ثم على صفحة خدها لهفة عارمة ، وشوقا جارفا ، وفي هذا السياق نلاحظ ظاهرة فحواها التقاء عدد من المحسوسات على مساحة الخد ، إذ يصبح هذا الأخير ظرفا للمرئيات والمطعومات والمسموعات ، دل على هذا قول الشاعر :
” وأرسم في خديك لهفة عاشق ”
.

وقوله :
يمتص من شهدها موال اغنية … ويسكب اللحن في وجناتها المثلى
.

والأذن أيضا اهتم الشاعر بلوازمها ، فهو يذكر الغناء ، والألحان ، والوشوشات ، والشهقات ، والهمهمات ، والهمس ، والشدو ، والأنين ، والمناداة ، والصهيل ، وليس تكمن الغرابة إلا في أن يلجا الشاعر – حين يُحدث الحب في صدره زلزلة واضطرابا – إلى الصوت ، ثم يربط بينه وبين الحركة والسكون ، فغياب الصوت الجميل .. غياب اللحن .. غياب الشدو .. غياب الغناء ، هو سر الرجفات ، والزلزلات ، والاضطراب ، الذي يعانيه الشاعر : :
أسعى إليك وفي يدي قيثارة … اشدو بها وأسير سير العادي
آت أنا وهواك رجفة أضلعي … ومشاعري يا حب فيك تنادي
آت وفي عيني وقع قصيدة … يشدو بها السمار في الأهواد

.
كما أن حضور الصوت الجميل هو سر السكون :
وكوني كما يهوى الغرام وغنني … بصوتك ألحاناً تعيد سكوني

.
ويقول :
فعودي لي كوشوشة لروحي … تحلق بي إلى آفاق صدقِ
.
ولعل أبرز ظاهرة تتعلق بالصوت هي تداخله مع المشمومات والمرئيات ، لواقع أن الحواس فقدت وظائفها عبر الحالة الشعرية هذه ، يقول الشاعر :
يشم منها رفيف المسك يلمسه … كشهقة الكحل في أعيانها النجلى
.

ويقول : ” لعينيك هذا الليل كحلا مضرجا بهمسي ” .
.
ويقول :
اقبليه مضرجا بدمائي … وبشوقي وهمهمات شقايا
.

ومادام الصوت قد اختلط بالمحسوسات الأخرى ، فأصبح يُشم ، ويُلمس ، ويُرى ، إذن لا بأس أن يهديه الشاعر ليس لأذني حبيبته ، وإنما لعينيها :
لعينيك يا أخت الضياء حنيني … وصولة حرفي وارتعاش أنيني
.
ولا بأس أيضا من أن يصبح الصوت مركوبا إلى هذه الحبيبة :
هل ترقصين إذا علمت بأنني … بالقرب منك على صهيل جوادي
.
ولو تأملنا قليلا لوجدنا أن كل ما تقدم إنما يتعلق بوجه الحبيبة .. جبينها ، وحاجبيها ، وعينيها ، وأنفها ، وثغرها ، وخديها ، وأذنيها ، وبلوازم هذه الجوارح ، والشاعر في أثناء الحديث عن حبه وشوقه ولهفته ، يستدعي مفردات الجسد هذه ، ولكنه يجردها من وظائفها ، فيجعل – من جهة – تراسلا بينها في الوظائف ، ويجعل – من جهة أخرى – تراسلا بين محسوساتها حين يحل بعضها مكان البعض الآخر ، أوحين يختلط به ، على النحو الذي يسند مهمة إدراك المحسوس إلى غير حاسته ، وهذه الظاهرة التي تميزت بها شعرية الصميلي ، هي التي شحنت لغته بطاقة من الجمال والكثافة والإيحاء .

.
ولكن ماذا عن بقية أعضاء الجسد ؟ وكيف يهتم الشاعر بها ؟ وكيف ينظر إليها في سياق تجربته الوجدانية والفنية ؟ .
.

في معرض الإجابة على هذا السؤال نستقرئ أشعار الصميلي ، فنجد أنه لا يتجاوز الوجه ولوازمه ، وكذا الصدر ولوازمه ، أي أن حبه حتى وإن بدا حسيا ، فإنه حب تجلله الطهارة والنقاء ، وإذن لا غرو أن يهتم الشاعر في سياق الحديث عن هذا الحب بـ : الأغصان ، والأكمام ، والصوم ، والشهد المصفى ، والمسك ، والضياء ، والصباح ، والنسيم ، والنبع ، والبدر المنير ، والفل المعروف بنقائه ، وبياض لونه ، ولا غرو أن يهتم بمفردة الصدر – حين يهتم بها – فينسبها إليه ، حين يطلب من حبيبته أن تزرع الفل في صدره ، وحين يطلب منها أن تسكب النبع في فمه ، لأن صدره قد ضاق ، ويظهر الصدر في تجربة الشاعر متصحرا ، تلفحه الأشواق ، ولذا فهو – أي الشاعر – تواق للري ، ولزراعة الفل في صدره ، ولعلي أشير إلى المعنى الكنائي الذي يتخفى ، فزراعة الفل يقصد بها الشاعر أن يأخذ حبيبته بالأحضان ، والمرأة تعلق الفل عقدا على صدرها ، وحين يحضنها الحبيب فإن العقد لشدة الاحتضان يصبح كأنما قدر زُرع في الصدرين ، ولكن الصميلي لا يتورط في رسم هذه الصورة المباشرة ، وإنما يكني عن طلب الاحتضان ، وعن طلب أن يرتوي من صدر حبيبته ، بزراعة الفل في صدره ، وسكب النبع في فمه ، فيقول :
وهل تزرعين الفل في صدر عاشق … تلفَّح بالأشواق حتى تصحَّرا
.

ويقول :
خذي النبع شوقا واسكبيه على فمي … فقد ضاق صدري في لقاك تصبُّرا

.
وفي معرض الحديث عن الصدر لا ينسى الشاعر ذكر الجوارح الأخرى ، التي لها في الصدر مآرب شتى ، كالأنف التي تتوق إلى رائحة الفل ، والفم الذي يشتاق إلى ماء النبع ، والعين التي تتلهف إلى مواطن الجمال .
.
ومما يجب الانتباه له ، هو أن الشاعر يتوقف عند هذا الحد الكنائي ، فلا يتجاوزه ، وإن كان في الواقع لا يبرح الصدر متحدثا ، ولكن ليس عن شيء سوى الأضلاع والقلب والدماء ، أما الأضلاع فهي أضلاع الشاعر ، حيث للشعر وللنار صولة في حناياه ، تجعلها دائمة الاضطراب ، وأما القلب فقلبه ، حين تعلق بالحبيبة ، فأغرق نزفه الدنا ، وعانى الشتات :
عليك بقلب نزفه أغرق الدنا … تعتق فيه الشوق روضا معطرا

.
ويقول :
هل تشعرين بنبض قلبي إنه … رشات عطر بل حديث ودادي

.

وتتعدد أسماء القلب في تجربة الصميلي ، فمرة يسميه خافقا ، ومرة يسميه فؤادا ، وحين يكون خافقا فإنه يعاني الاضطراب والشتات والتبعثر ، وأما حين يكون فؤادا ففي أغلب المواقف يقدمه الشاعر قربانا لحبيبته :
هلا وهلا كنت بعض سعادتي … وبقاء حلم تستبيح فؤادي
.
ويقول :
خذي من فؤادي نبضه وهدوءه … ولتجعلي عمري لعمرك معبرا
.
ويقول :
لعينيك أجتاز المسافات حاملا … فؤادا به شوقي إليك رهيني
.
ولعل هذا التقرب بالفؤاد مرده إلى أن الشاعر يعتقد جازما أن حبيبته ، هي التي ستوقف النزيف ، وهي التي ستلم الشتات ، وستنقذ الفؤاد من أشواقه ، ولوعاته ، وآلامه ، لذا يقول :
أين المفر وكل عمرك في يدي … ورد وأنت على الفؤاد سلام
.
ولعل ما يمكن قوله في نهاية هذه الجولة في رحاب شعرية الدكتور علي الصميلي ، هو أن الدافع الذي يشحن هذه الشعرية بالقدرة على التدفق هو حب يجد سلوته في المحسوسات التي تتوزع جوارحها ما بين الوجه والصدر حصرا ، ثم إن الشاعر لا يتعرض لهذه الجوارح إلا مجردا إياها من وظائفها ، ولا يتناول محسوساتها إلا في إطار من التراسل الخلاق ، واللغة التي يحرص على براءة لفظها ، وسمو معناها .

 

 

شاهد أيضاً

بطاقات عيد الفطر 2020

 

أجمل الشعر في وداع رمضان

في وداع رمضان (قصيدة) الشيخ عبدالله بن علي خَلِيلَيَّ شَهْرُ الصَّوْمِ زُمَّتْ  مَطَايَاهُ        وَسَارَتْ وُفُودُ  العَاشِقِينَ  بِمَسْرَاهُ فَيَا شَهْرُ لا  تَبْعَدْ  لَكَ  الخَيْرُ  كُلُّهُ        وَأَنْتَ رَبِيعُ الوَصْلِ يَا طِيبَ مَرْعَاهُ مَسَاجِدُنَا   مَعْمُورَةٌ   فِي    نَهَارِهِ        وَفِي  لَيْلِهِ  وَاللَّيْلُ  يُحْمَدُ   مَسْرَاهُ عَلَيْكَ  سَلامُ   اللَّهِ   شَهْرَ   قِيَامِنَا        وَشَهْرَ   تَلاقِينَا    بِدَهْرٍ    أَضَعْنَاهُ   قصيدة في …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: