الرئيسية / قصص / حِرصُ الجنة قصة قصيرة – هند العميد
هند العميد
هند العميد

حِرصُ الجنة قصة قصيرة – هند العميد

هذه القصة حقيقية لموقف من حياتي، اهداء لروح حبيبتي ونور عيني أمي الغالية.
🌹🌹🌹🌹🌹🌹

حِرصُ الجنة

قَلقٌ وخَوفٌ وعَينانِ ترتقبان السَّاعَةَ الَّتِي تَعَدَّتْ الثَّانيَةَ عشرةَ بَعدَ الظُّهْرِ، ذِهَابٌ وإيَابٌ اِحْتَلا استقرَارَ جَسَدِهَا، تَمْتَمَةٌ ولسَانٌ يُردِّدُ أدعيةً تسألُ اللهَ فيها ألا يَمَسَّ الشَّرُ ابنتَها ، إنَّها ” عَاليةُ ” ابنةُ الثلاثين ربيعًا ، طويلةُ القَامَةِ ، بيضاءُ الوَجْهِ ، حَسْنَاءُ كَحُورياتِ القصصِ الخَيَاليَّةِ ، زوجةٌ لرجلٍ عَسْكَريٍّ ، لم يكنْ يمتلكُ مِنْ قُدرةِ الفَصْلِ مابينَ حَياةِ الانضباطِ فِي المُعَسْكرِ وتَطْبِيقِه عَلَى زَوجَتِهِ وأطْفَالهِ فِي البَيْتِ ، لِذَا كَانَ الإهمالُ والتُّهَمُ المُجْحِفَةُ نَصيبَها فِي كُلِّ عَارضٍ قَدْ يَمُرُّ فِي أحَدِ أيامِها، ولأنَّ الوقتَ قَدْ دَخَلَ عَلَى الواحدةِ مساءً ، وبَدَأ الدوامُ المسائِيُّ للفصلِ الآخرِ مِنْ طُلابِ المدرسةِ الإبتدائيةِ ،

كان ذلك كافيًا أنْ يَدُقَّ عِنْدَ “عَاليةَ ” نَاقوسَ الخَطَرِ والخَوفِ عَلَى ابنتِها ، وجاشتْ بها عاطفةُ الأمومةِ ، فَطارتْ بها أقدامُها بِخُطًى مُتسَارعَةٍ نَحْوَ المدرسةِ ، تَسيرُ وكَأنَّ كُلَّ شيءٍ قَدْ اتفقَ عَلَى أنْ يكونَ ضِدَّهَا : طولَ المسافةِِ ، تَلاشِي الوقتِ بسرعةِ ، أفكارَها التشاؤميةَ التي راحتْ تضربُ أركانَ رأسِهَا، أجْوبَةَ الطلابِ الذِينَ يجوبونَ الشوارعَ قاصدين منازلَهم لإنهائِهم دوامَهم الرسمِيَّ وهم يَهزُّونَ رؤوسَهم يمينًا وشِمالا نَافيّن رؤيتَهم لها أو معرفتَهم بمكانِهَا في ذلكَ الحينِ، وأخذتْ ووجْنَتُهَا تُحَمِّرُ خَوفًًا وحُبًّا وحِرْصًا ، تَلَقَّفَتْ كُلَّ مُعَلمَةٍ تُصَادِفُ طريقَها بالأسئلةِ وبحروفٍ مُتعلثِمَةٍ : هَل رأيتِ ابنتي اسمُها ( هِنْدُ ) في الصَّفِّ الأولِ (ب) دوامُها صَبَاحِيٌّ ، لَمْ تَحْصدْ اهتمامًا يُوازي ذرةً مِنْ خَوفِهَا بِمَا حَلَّ بِابنتِها البِكْرِ وهِيَ فِي أولِ أيَّامِ العامِ الدِّرَاسِيِّ ، ولَمْ تَجِدْ سِوى جوابٍ يحملُ التَّنَصُّلَ مِن المسئوليةِ : اذهبِي إلى الإدارةِ لعلكِ تجدينَها تنتظُركِ هُناكَ ، لَمْ تكنْ تلكَ الإجاباتُ تُطفِئُ سَعِيرَ قلبِها، فهِيَ التِي اعتمدتْ على ” بَاصِ ” المدرسةِ بأنْ ينقلَهَا في المكانِ والزمانِ المتفقِ عليهما ..

بَلغتْ الأمُّ ( عَاليةُ ) أعْتابَ المدرسةِ وهِيَ تَكادُ تُجنُّ ، كُلُّ مَنْ رَأى تحليقَها بينَ هذا وذاكَ ، قالَ فِي سِرِّهِ بأنَّها لو وجدتْ ابنتَها حَيَّةً تُرزقُ ستقتُلها على ما أوصَلتْها عليه مِنْ حالٍ ، لَمْ تَكنْ أروقةُ المدرسةِ أجمعُها تَحملُ أملا فِي أنْ تكونَ الطفلةُ تلعبُ فيها أو حَتَّى تجلسُ باكيةً تنتظرُ قدومَ أهلِها، ثُم هَرولَتْ الثلاثينيةُ نَحوَ شُعبةِ الفصلِ التِي تدرسُ فيها الطفلةُ ( هِنْدُ )، تُجيبُ المعلمةُ للدوامِ المسائِيِّ بالترحيبِ بَعدَ طرقاتِ البابِ التِي دَوَتْ بأركَانِ الفصلِ ،

حِرصُ الجنة - هند العميد
حِرصُ الجنة – هند العميد

وتستمعُ لتمتمةِ الأمِّ : مرحبًا سِت، أنا والدةُ هِنْدَ .. وهِىَ طالبةٌ في الصباحِي ، هل رآها أحدٌ مَن الطلبةِ عِندَ خُروجِها من هذا الفصلِ ؟! يَصُرخُ أحَدُ الطلابِ مُصَارعًِا الضَّجَةَ الَّتِي تَغزو الفصلَ بفعلِ العددِ الكبيرِالذِي يدرسُ عَلَى مَقاعدَ متلاصقةٍ ومتراصةٍ بشكلٍ متسلسلٍ لكثافةِ سُكانِ تلك المنطقةِ ، وقلةِ توفُّرِ الخياراتِ مِن المدارسِ الأُخرى،هُنَا فتاةٌ نائمةٌ سِت وهِي مريضةٌ بالحُمَّى ووجهُها أحمرُ كالبَنَدورةِ ، يقولُها ضَاحكًا ببراءةِ الأطفالِ دونَ أن يَعِيَ بأنَّ ذلكَ الخبرَ كافٍ لأنْ تقتحمَ الأمُّ الجموعَ للأجسادِ الصغيرةِ التي يَعجُّ بهَا المكانُ كطائرةِ حربيةٍ تَعْصِفُ بسرعتِها كُلَّ من يواجهُها، لِتحملَ طفلتَها بفرحةٍ عارمةٍ ، وكأنَّها وجدتْ إبرةً بينَ كَومةِ قشٍّ ، مُعاتبةً للمعلمةِ مِنْ عَدمِ انتباهِها لوجودِ طفلةٍ دخيلةٍ لا وجودَ لاسمِها بينَ أسماءِ قائمةِ فصلِها.

هنـــد العميـــد/العـــراق.

 

 

 

طالع قصص الأديبة هند العميد من هنا

من هنا

 

 

وأحدث القصائد المنشورة في صحيفتنا

من  هنا

 

 

تابعنا على

فيس بوك

تويتر

شاهد أيضاً

حديث غزة – منصر فلاح

  لأجلك يا ذرى المجد العتيد أهيم اليوم بالعشق الأكيد . أمرغ حرف قافيتي وأهذي …

محمد الربادي

تلاوة الحنين – محمد الربادي

  حار عقلي في هموم المتعبينا سال دمعي في دروب الحالمينا حين أتلو في حنيني …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: