الرئيسية / دراسات / الطريق إلى الزعتري في سطور .. للروائي محمد فتحي المقداد بقلم .. محسن الرجب
محسن الرجب
محسن الرجب

الطريق إلى الزعتري في سطور .. للروائي محمد فتحي المقداد بقلم .. محسن الرجب

الطريق إلى الزعتري

في سطور ..

للروائي (( محمد فتحي المقداد ))

                        بقلم الشاعر / محسن الرجب

…………………….
عندما بدأت في تقليب صفحاتها مُبحرًا في جمال سردها، و فضاءاتها الرحبة، و ما اكتنفها من آلام و آمال، رشحتُ نزيفًا داميًا من  لهيب سطورها، و جمر حروفها.
و ما كنتُ أحسبُ أنها ستأخذ مني كل هذا الجهد و العناء، و أنا الذي عايشتُ، و عاينتُ الكثير من مفاصل فصولها، قبل أن أخطو خطوَ بطلها و غيرهُ هرباً وفرارًا من القتل و التدمير، الذي كاد أن ياتي علينا في  أوقات كثيرة،  في هذا المعترك الذي لم  يكن أحد يعلم حق اليقين إلى أيّ نفق سيأخذنا.
أنظر إلى هذه الرواية بعين الناقد  الذي يحاول أن يُظهر جمالياتها، و يقوّم المعوج إن وُجد، و لأبين مقدار عُمق فكرة هذا البناء، الذي أظنه من الخوالد في مسيرة الأدب الروائي،؛ فالحياة صورٌ مُتكرّرة ما بين مقدمة، وعرض ونهاية..

الطريق إلى الزعتري
الطريق إلى الزعتري

الكثير من الروائيين  قديما و حديثا نزحوا إلى خيالاتهم الخصبة؛ فتمكّنوا من نسج ما يعتلج في دواخلهم من مشاهد وحكايات الحرب والدّمار ؛  جاءت من حيث النتيجة  سجلًا  ثابتًا  شاهدًا على مرحلة مفصليّة من حياة الشعب السوريّ.

نحن أمام شخصيّة حقيقيّة بيّنة على رؤوس الأشهاد، شخصيّة واقعيّة استطاعت من خلال ما عانت، و تألّمت، أن تمزج الواقع بالخيال؛ فأنتجت عملًا فريدًا بما امتلكت من أدوات؛ فجاءت الرواية هذه درةً مخبوءةً في صدفٍ بحريًّ ثار بها الموج؛ فقذفها إلى شواطئ المقروء؛ لتكشف المستور، و تُميط اللثام عمّا حدث بالفعل من مآسٍ و جِراح ودموع وآلام و أحزان.
الرواية جاءت على شكل رسالة من ستة فصول، او أجزاء؛ استطاع الكاتب من خلالها أن يُحصي القدر الأعظم من صورها المؤلمة و آلامها من خلال مشاهدها، و ما احتوته من أهوال، مستشهداً بالزمان و المكان، اللّذيْن احتويا على ثُلّة من الأصدقاء، كلهم من بلدة واحدة (( موج )) نهلوا  من مدارسها تعليمهم حتى الثانوية، ومن ثم انتقلوا إلى الجامعة، وفرقتهم الحياة كلُّ حسب اتجاهه و اختصاصه، لكنهم بقوا محافظين على نقاء صداقتهم، وكانت لقاءاتهم كبوصلة اشتياق كل أسبوع حسبما ما تيسّر لهم من وقت فراغ.

(( أم محمد .. جواهر )) هذه الشخصية التي افتتح بها كاتبنا طريقه إلى الزعتري كانت متفردة عن باقي الشخوص، بمحوريّها من حيث التأثيث الزّمنيّ، و ذلك بالعودة إلى الوراء مدة من الزمن كركيزة مترابطة برمزيّتها، اتكأ عليها كاتبنا.

حيث عاد بنا إلى فترة الاستعمار الفرنسي و ما سببه أيضا من قتل و دمار و تشريد ثم انتقل بنا بدرب متصل الى حرب تشرين؛ فأم محمد جواهر هي ابنة الشهيد الذي قضي خلال الاستعمار الفرنسي، و زوج الشهيد الذي ضحّى بروحه في حرب تشرين لعام 1‪973م.
إضافة إلى هذه الشخصية، كان هناك ثلاثة أبطال  هم المحور و المحرك و المؤثر الرئيس في هذه الرواية
((المحامي خالد الذي درس الحقوق في جامعة دمشق)) و تخرج و عمل في مهنة المحاماة في درعا.
(( الاستاذ احمد الذي درس اللغة العربية و عمل مُدرّسا في بلدته موج، و هو ذو شاعرية جميلة )) كان له الأثر الكبير في إثراء الرواية بشواهد شعرية، ألهب بها شعور البعض، بما احتوته من مواضيع آنذاك،
و آخرهم البطل الحقيقي للرواية، و الذي رافقنا حتى النهاية إلى مخيم الزعتري ((محمد ابو فندي نجل السيدة جواهر ام محمد)) الذي درس في معهد تجاري و عمل لدى احدى الدوائر الحكومية، ثم ما ليث أن قدم استقالته، للإشراف على أرضه والقيام بزراعتها، و انتقلت معه هوايته القديمة في تربية الحمام، التي كانت سائدة في تلك الأيام في معظم القرى.
جدّه و أبوه الشهيدان في ساحات الشرف، فالاستعمار و الاحتلال و ان اختلفت التسمية لا فرق بينهما، من حيث القتل و التدمير و التشريد.

اضافة إلى شخصية مُحرّكة للحدث، ومحور اهتمام رجال القرية عمومًا، (( أبو رستم رجل الأمن في المنطقة))، و الذي كان موزّعا ما بين آداء واجباته، و ما بين علاقاته الوطيدة مع أهل القرية.

و هناك آيضًا البائع المتجول الذي اختلف الظن فيه أهو بائع فعلًا، أم هو يعمل لصالح جهة أمنية أخرى. إضافة إلى يعقوب المنسي، الذي يقول قولة الحق و لا يخشى أحدًا. و هناك آخرون.

إذن نحن أمام أبطال حقيقيين، و آخرين ضيوف شرف طال المقام بهم أم قصر، اعطوا لمشاهد الرواية كمالًا و جمالًا.

استطاع كاتبنا أن يُمهّد لنا بمقدمة حملتنا، و سارت بنا إلى عرض أوّلي ميسر أسَرَت به  ألبابنا، ثم ما لبث أن  درج بنا إلى تفاصيل أكثر دقة، من خلال الأمثلة التي طرحها في ذاك الحراك؛ فتتوالى الأحداث، و تضيق مساحات الانفراج، وتزداد الأزمة تعقيدًا على كلا الطرفين؛ فتتدخل قوى خارجية تزيد المشهد ضراوة و اشتعالاً، و ما كانت غاية هذه القوى إلّا تدمير هذا البلد بكل ما يملك من اقتصاد، و طاقات، و بُنى تحتيّة بأساليب خداعة مكّارة، انطوت على الكثير من أقوال وآراء الطرفين؛ فلم يكن بالإمكان آنذاك العودة ألى الوراء، و الكلّ يظنّ نفسه على جادة الصواب.
الرواية جاءت بألفاظ ليّنة هادئة تخترق القلب؛ فتثير العبرات من هول ما تحمل من آلام و جراح و قتل و تدمير و تشريد.
ولم يهمل الكاتب دور المرأة التي جعلها ندُّا للرجل، سواء بسواء في الأزمات لِتُدلي بدلوها في الحياة خاصة في هذه الظروف.

الزمان والمكان سارا بتواز جنبًا إلى جنب في السرد الروائيّ، و لكلٍّ منهما أفق يختلف عن الآخر؛ فالزمان متواتر في استمرارية منتظمة، أما المكان؛ فهو متنقل ما بين مساحات شاسعة، صلة الوصل به أجهزة هاتفية، استطاع العلم الحديث أن يجعل منها سلاحًا، أحدّ من السيف، و أسرع من البرق.

هناك جزئيات اقتنصها كاتبنا بحنكة الروائي المُتمكّن، أهمّها عندما بيّن لنا الطريق إلى الزعتري، وما اكتنفه من أخطار و خوف و رهبة في نصفه الآول، و ما بين ما اكتنفه من أمن و أمان في نصفه الآخر، و مثال ذلك استقبال الضابط الأردني للمحامي خالد.
إضافة إلى خاتم الجد،  الذي دفنه أبو فندي عند جذر شجرة الزيتون، قبيل تركه لبيته، وهو يشق الطريق إلى الزعتري، طلبًا لملاذ آمن  له ولأسرته. هناك في مخيم الزعتري. ففيه  أمل مؤكد بحياة آمنة. ولو مؤقتًا، آملًا  بالعودة القريبة لبيته وقريته.
و أضاف أيضًا بعض الشرح عن أحوال المخيم في بداية تأسيسه، و ما كان يعاني من مشاكل تمّ حلها فيما بعد ..
و أجمل ما في الرواية تلك الحسرة التي اكتنفت قلب الروائي عندما أراد إنهاء روايته، بأسئلة مخاطبًا المجهول: عندما سأل و قال: (( لا أدري على وجه التحديد هل سيكون لكلماتي هذه الحظ الكافي لأن تكون الشاهد على البداية؟ و هل سيكون لها شرف كتابة النهاية ….. )).
الرواية من حيث النتيجة هي شاهد حي على أحداث وقعت فعلًا،  مع خليط من نسج الخيال، و هي وثيقة تاريخية.
و من الجدير بالذكر أن يكون لها مكانًا في متحف التاريخ، و شواهد الأيام.
………………….

شاهد أيضاً

أحمد عبد الرحمن جنيدو

القُدْسُ تَحْتَ القِيْدِ – أحمد عبدالرحمن جنيدو

قصيدة من ديواني الجديد(إنّها حقّاً) القُـدْسُ تَـحْـتَ القِـيْـدِ نَامَتْ تَـرْسِـفُ. دَمُـهَـا النَّـقِـيُّ مِنَ النَّخاسـَةِ يُـرْشَـفُ. …

قِصَّةٌ قَصِيرةٌ مجنونةُ حَيِّنَا – هند العميد

مجنونةُ حَيِّنَا كانتْ أكثرَ العاقلين حكمةً ورشدًا ، هكذا كانتْ تراها أحرفُ القصيدةِ ، وصورةُ …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: