الرئيسية / دراسات / كل أرض تنبت الحبَّ وطن – قراءة في رواية الطريق إلى الزعتري
الطريق إلى الزعتري
الطريق إلى الزعتري

كل أرض تنبت الحبَّ وطن – قراءة في رواية الطريق إلى الزعتري

 

 كل أرض تنبت الحبَّ وطن

قراءة في رواية الطريق إلى الزعتري  للروائي محمد فتحي المقداد – بقلم الشاعر محمد طكو

 

( كل أرض تنبت الحبَّ وطن )

كل أرض تنبت الحب وطن
كل أرض تنبت الحب وطن – محمد المقداد

هذا ما أنهيت به يا صديقي روايتك مستحضراً شيئاً ما من ذاكرة الفلسطيني محمود درويش. وكأنك تجري مقاربة بين اللاجئين هنا وهنا. فمن مخيّم إلى مخيّم ولا ندري أينا أقدر على العودة.

فتودّعنا على مشارف الزعتري إيذاناً بحياةٍ جديدة تبحث فيها عن أرض تنبت الحب.

فلمن تركت كل مافي ذاكرتك؟!

وكمفارقة بسيطة بداية كون المخيم دار اللاجئ الأولى بعد وطنه.

اللاجئ هو الشخص الذي يهرب من بلده إلى بلد آخر خوفًا على حياته ، أو خوفا من السجن أو التعذيب ، وبتعدد أسباب اللجوء تتشكل أنواع اللجوء الحرب، الإرهاب والفقر.
واللاجئ لديه مجتمعه الذي يعيش فيه و يختلف بمكوناته عن مجتمع المواطن العادي . حيث تعتبر أهمها الذاكرة البعيدة القريبة ، وما حمل معه من الوطن ( من أغراض ومفاتيح ،،، ) والمخيم ( بكل ما يمكن أن يقدمه له أو يحرمه منه وكل ما فيه )
إن كانت هذه مكونات مجتمع اللاجئ فما دلالتها في روايتك يا صديقي

لعل ذاكرة اللاجئ هي التي لا تتركه لنومه حتى وإن نام زارته فأعادته إلى ماضيه ومن خلال ما مررت به أحداث أدركت  أن الذاكرة والحنين إلى الوطن لعبا كثيراً وصورا مشاهد عديدة في سلسلة أحلامه .
والذاكرة تكون كلها مبكية بعيداً عن الوطن بالرغم من اختلاف أدواتها أو مواقفها .

وهناك في ذلك المخيم وكغيره من مخيمات اللجوء متسعٌ من الوقت للصمت ومتسع من الحزن للبكاء. ومتسع من الفضاء لضيق الرؤيا. فلماذا جعلت من قلمك مرآة تعكس لنا صوراً ملونة بشتى الألوان منقوشة في ذاكرتك؟!

لعلي كغيري حاولت أن أدخل هذه القرية الحالم أهلها بالحرية .

غير أن لافتة استوقفتني عندها كثيراً : قرية ( موج ) ترحب بكم .

ولماذا موج ؟!

كان لا بد لي من أن أحمل معي بعض ما يقيني تقلبات هذا الموج وأن أكون حريصاً على ذاكرتي. ولا بد هنا من الإشارة إلى أنك كنت ترسم الموج كما يجب فكل من في القرية كان موجة بمفردها، وليس من الضروري أن يكون الموج كله على نسق واحد. وهذه نقطة تحسب لك فأن تصوّر الواقع من نقاط مختلفة كان أمراً غاية في الصدق والشفافية . فمن غير المعقول أن نقول أن شعباً في الأرض على قلب رجلٍ واحد وخاصة في حالتنا العربية . فثائر حكيم وثائر مغامر وخائف ومخبرٌ ومنافق تراه يميل كيفما مالت الريح. وبين كل هؤلاء ارتقت الرواية شيئاً فشيئاً واشتد الصراع ودارت رحاه، وبالتدرج المنطقي تغيّرت الأحوال ، وبعد سلمية الثورة تدخلت آلة القمع واستخدم النظام ما كان من البديهي أن يستخدمه ضد شعبٍ  تركه يتغلغل في المجتمع حتى أصبح للجدران آذانٌ أو في كل بيت مُخبر.

العيون المُراقِبة والأجهزة القمعية وطريقة تعاملها الاستفزازية أو الوحشية مع المجتمع كانت مرسومة بشكل يوضّح الواقع المأساوي لما يجري بعيداً عن المجاملة والنفاق المجتمعي.

لذلك … كيف يا صديقي سنرجع للوراء ؟!

فنحن لا نستطيع أن نعيد الزمن دقيقة واحدة إلى الوراء . فكيف نعيده عاماً أو سبعة أعوام أو أربعين عاماً ؟!

ذاكرتنا فقط تعيد لنا ما كنا عليه لتحرجنا بماضينا أمام حاضر أبنائنا.

في الحقيقة لم أستطع أن أجد في روايتك  نقطة لم يُحرَج فيها رجال القرية الكبار من ماضيهم، وخاصة عندما ثار الأطفال وتبعهم الشباب، فلا بد حينها من ثورة تشد الجميع. بالرغم من كل الموت الذي حاصرهم كان لا بد من ثورة .

ولعلك تقمّصت شخصية المحامي الذي ما برح يؤرّخ الحوادث بشكل متقن حتى ظننتك تجلس في القاهرة تحدثني عمّا جرى .

وهنا لا بد من العودة إلى مجمل الشخوص والقول بأنك كوّنت مجتمعاً متكاملاً قائماً بذاته بين المثقف والفلاح والعامل العادي والزوجات والأبناء والتقى البعض وافترق البعض في روايتك. لماذا تركت لنا كل هذا الحب والحزن وكل هذا الأمل.

 

ونعود لأهل القرية يا صديقي ولا يمكن أن نقارن هجرة الإنسان إلا بهجرة الإنسان.

فالغالب أن كل حي يهاجر بإرادته إلا الإنسان فإنه يهاجر لظروف أقلها الفقر وأشدها القهر، وما أقسى قهر الرجال.

يا الله ما أقسى أن ترى شجرة زيتون تحرس ما تبقى من الدار ، وتفتقد أهلها وأرجوحة كان الأطفال يتسابقون إليها.

لماذا يا صديقي تركت هذه الشجرة في وسط تلك القرية؟!

أكان لها أن تدافع عن الأرض أم تنبت الحب أم تطالب الجميع بحق العودة .

ولماذا تركت في تربتها خاتم أبا فندي الموروث كابراً عن كابر؟!

لنعدْ إلى الأمام قليلاً ريثما يتنفس الطريق وتلتقط الحقيقة أنفاسها.

هناك ما بعد موج باتجاه الزعتري يمكن اختصار كل شيء.

الشاعر محمد طكو
الشاعر محمد طكو

كثافة القافلة المهجّرة في طريقها إلى الحدود الأردنية، الخوف والهلع الذي خيّم على الجميع ، وهذا التصوير الجميل لهذه الساعات الثقيلة على القافلة كلها جعل من المشاهد واقعاً يبكي ويدمي. ليتغيّر الواقع مع اجتياز الساتر الترابي ومن حوران إلى حوران اختلف المشهد حيث رسمت أبطالاً يستقبلون الجميع بلهفة وحب، استقبال الأبناء لأهلهم وقد هيؤوا كل شيء. وهنا لم تبالغ بل قدّمت بطاقة شكر بأسلوب روائي وهذا أقل الواجب لتمضي ببطلك الأول وعائلته ليقف على باب المخيم مخيم الزعتري ليدخل عالماً لا يدري ما فيه وما يكون وراء تلك اللافتة.

صديقي العزيز:

عندما خضت في غمار هذه الرواية وجدتك قد مضيتَ مع الأبطال بنفس واحدة وكأنك وقفت على مسافة واحدة من الجميع تشكل من خلال هذا العمل فسيفساء مجتمع يفتش عن الحياة إذا ما استطاع إليها سبيلاً.

في كل الأعمال الأدبية هناك الكثير من الأصوات الداخلية للأبطال التي يتيح لها الكاتب التعبير عن نفسها وعن ثورتها ، وهناك الكثير من أبجديات الحب التي لا تلبث أن تتنفس تنبض من خلال أسطر الرواية .

وهناك من يتسلل من بين دفتي الرواية يخبرنا عن كل ما حدث وهو الزمن كما استشهدت بمقولة طاغور ( الزمن أشرف النقاد )

و كل أرض تنبتُ الحبَّ وطنٌ

ولعل القادم أجمل

 

طالع  منشورات وقصائد  الشاعر محمد عبدالستار طكو

من هنا

 

 

وأحدث القصائد المنشورة في صحيفتنا

من  هنا

 

 

تابعنا على

فيس بوك

تويتر

شاهد أيضاً

محمد فتحي المقداد

القائد المنهزم – قصة قصيرة بقلم/ محمد فتحي المقداد

القائد المنهزم قصة قصيرة بقلم/ محمد فتحي المقداد لم أستطع معاندة تطفّلي على الصديقيْن الجالسيْن …

محسن الرجب

الطريق إلى الزعتري في سطور .. للروائي محمد فتحي المقداد بقلم .. محسن الرجب

الطريق إلى الزعتري في سطور .. للروائي (( محمد فتحي المقداد ))       …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: