الرئيسية / فنون / “الثقافة العربية المعاصرة”في التجربة التشكيلية للفنان/عماد المقداد – حوار:فارس الرفاعي

“الثقافة العربية المعاصرة”في التجربة التشكيلية للفنان/عماد المقداد – حوار:فارس الرفاعي


1) في البداية ياريت تحكيلنا عن نشأتك ، العمل ، التعليم ، وبداية شغفك بالفن .
..
ج1) بحكم عمل والدي في الكويت تركت دمشق مسقط رأسي وعمري سنة واحدة فنشأت في الكويت في وسط أسرتي الكبيرة أخوالي محبي الفن ..

ـ تعلمت في مدارس الكويت وأحببت الرسم على مقاعدها الدراسية طفلا ..
وعدت لأرسم جدران نفس هذه المدارس بعد 20 عاما ..

وليس هذه الصدفة الوحيدة بل اختياري كان لدراسة الكهرباء والإلكترون في عودتي الأولى لدمشق لاتمام دراستي ..
وبداية حياتي العملية كان في الرسم مع بداية التسعينيات ..

وحين عدت لدمشق بعد التقاعد من السفر بعد 20 سنة أخرى .. فتحت محلا للتمديدات الكهربائية وموادها .. وقامت الثورة لتعيدني للعمل بالرسم لاجئاً في الأردن .. وتصحح مسار حياتي الإبداعية ..

(( فأدركت أن قدر الإنسان يتبعه مجبراً )) .

2) كيف كان تأثير الحرب عليكِ كفنان وإنسان وما هي ظروف لجوئك .؟
..
ج2)
تقاعدت من الكويت قبل أحداث الثورة بسنة .. في الـ 2010 واشتعلت مشاعر التعبير الفني عن الحدث مع بدايته باللوحات المساندة للثوار في منطقتي .. ومنها بأحجام كبيرة .. وخرجت من جنوب دمشق مع الآلاف المؤلفة .. نحو ريفها الغربي بعد اشتداد الحصار ومن ثم بعد حصار آخر نحو الجنوب السوري حيث منزل والدي ومدينتنا التي ما انفكت واشتعلت فيها وطأة الحرب الداخلية لظروفها الخاصة ..

ثم خرجت بعد 6 تنقلات داخلية خطرة .. إلى الأردن ومخيم الزعتري وعشت تجربة المخيم و أنشأت موقع الكاريكاتير عن الثورة .. ونشرت رسوماتي في مختلف صفحات الثورة في المنطقة الجنوبية ..

وكانت المرحلة اللاحقة المهمة هي إنشاء المرسم الخاص بي بمساعدة بعض الأصدقاء والجيران في عمان لأقف على قدمي من جديد وأعيل أسرتي المكونة من 6 أشخاص .. بعد أن عانيت كإنسان ما عاناه أفراد شعبنا ..

وبدأت مرحلة الفن التشكيلي بأنواعه .

(( الخلاصة أن الحرب أخرجت كل المكنونات الفنية الإبداعية إلى سطح الوجود .. وفجرت ينابيع العطاء بلا حدود .. وأظهرت قدرات جريئة لم يكن يعلمها في نفسه الفنان الهادئ بطبعه )) .

3) هل يمكن الحديث عن مراحل معينة في تجربتك التشكيلية وما هي ملامح وسمات كل مرحلة من هذه المراحل ؟

ج3)
ـ مرحلة الطفولة والمدرسة وتعلم التشريح والمنظور والشغف بكل الأبعاد والتشكيلات الفنية .. وبروز الخصائص الإبداعية متميزا عن باقي الطلبة .. والمشاركة بمعارض المدرسة ..

ـ يافعا مرحلة تعلم الظل والتأثير .. وهي مرحلة الانتشار والطموح وثبات الموهبة واستمرارية ممارسة الهواية ..

ـ شابا الإنطلاق في فضاء المساحات الواسعة للجداريات الكبيرة والمسارح والتي منحتني حرية الحركة والطاقة والعطاء .. وخلط اللون وتعلم التقنيات والإحساس باللون والبحث عن الذات .. وهذه أطول فترة وهي فترة إنتاجي وبناء ذاتي ومعرفة الناس بي .. واستمرار عشق الفن .. بدأت منذ بداية التسعينيات ..

ـ وفي مرحلة متقدمة قريبة وبعد سنة الـ 2010 ..
جاءت مرحلة التركيز وثبات التحديات نحو عطاء من نوع جديد حيث الاتجاه نحو اللوحة التشكيلية بأبعادها الفكرية والنفسية والثقافية ودراسة المدارس الحديثة وبدء تجارب من نطاق أوسع .. وفضاء أبعد .. فبدأت أولى محاولاتي في المدرسة التعبيرية والتأثيرية
بعد تجاوز الطبيعية .. وفي عملي بالنسبة لجداريات الأطفال التعليمية نحيت نحو تجديد الشكل والقالب والأفكار .. وكسر جمود لوحة الطالب نحو آفاق وفضاءات تأثرت بتجربتي التشكيلية .. فكان تأثير متبادل بين اللوحة والجدارية ..

ـ ثم بدأت دراسات متعمقة في التجريد الطبقي وتشريح اللوحة إلى طبقات وأبعاد زمنية ..
و دراسات في خصائص العلاقة بين الخط المنحني والخط المستقيم ..

4) ماهي التقنيات التي تعمل عليها وأيها أقرب إلى ذاتك وإمكانياتك الفنية ؟

ج4)
مع التقدم في العمر وازدياد الخبرات في تكنيك العمل ودراسة جميع المدارس التشكيلية لا بد لأي فنان من التفكير بوضع بصمته الخاصة التي تعتبر انعكاس لثقافته ..
ما يشغل بالي اليوم هو تطوير التكنيك الفني في التجريد ليتجاوز مرحلة المراوحة الحالية .. وقد يأخذ هذا وقته ..

وأفكر أيضا من حيث المضمون بكيفية طرح الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة لمواكبتها الحدث السياسي وهموم الناس في المهجر وهموم طمس هويتنا الشامية وإحلال هويات دخيلة مكانها نتيجة التغيير الديمغرافي الحاصل نتيجة التهجير القسري ..
كيف أستطيع التعبير عن هذا في مدارس التشكيل الحديث والتجريد الطبقي .. أو ابتكار حالة متطورة تعبر عن هذا الواقع وتكون قريبة من ثقافة عامة الناس وفهمهم .

ـ والأقرب إلى ذاتي هو التجريد الطبقي .. أشعر بالتحليق بعيدا في عوالم فلسفية تنبثق من الرصيد المعرفي والنسيج الثقافي ..

أشكل من خلاله وشائج من الحوارات اللامتناهية في فضاءات الإبداع .

5) في لوحاتك منظومة حوار مع التراث السوري القديم بمختلف عناصره ومعطياته ومخزوناته الجمالية ما الذي يمكن أن تقدمه هذه التجربة في زمن النهم الاستهلاكي واللاجدوى برأيك ؟

ج5)
الطرح الإبداعي بعيدا عن الإستهلاك والطوباوية .. وبشكل دراماتيكي يسعى لتناول ملامح الأطياف التفاعلية بين الإنسان ومحيطه ..

ويتناول العلاقة التكاملية بينه وبين مسار تكوين بيئته ونسيج حياته المحسوسة ومحيطه التفاعلي الوليد ..

بعد تطور هذا العلاقة التكاملية يشعر الإنسان بحاجة لإعادة صياغة أحلامه بالتفكير في استنباط اللمحة الجمالية البريئة في ماضيه وإعادة صياغة حاضره معتمدا عليها بالعودة لمفردات ذلك الزمن .. فيدعوه التراث وهو نوع من الحنين ممزوج بحالة من القيم الجمالية والأخلاقية الموروثة .. نسعى دائما لتثبيت هذه اللمحة الجمالية وإيصالها للأجيال الجديدة التي لم تعاصر هذه المفردات ..
وقد قمت فعلا بعمل معرض تراثي في مدينة التراث السلط ..
قدمت فيه الأزياء التراثية والحارة والبيئة التراثية بمختلف أزمانها .. وقدمت أنواع الخطوط العربية القديمة كالخط النيسابوري وغيره .. ولاقى المعرض تجاوب طيب .

6) تسعى إلى تحقيق ما يُسمى بالنسبة الذهبية ومركزية التكوين الفني في لوحاتك -كما يرى الناقد عبد الرحيم جداية-
السؤال ما هي المقولات التي تريد إيصالها دائماً عبر فضاء اللوحة إلى المتلقي ؟

ج6)
المقولات تتنوع بين إظهار القدرة على أداء تشكيل صرف يعتمد على أعلى حالة من التجانس والتناغم بين مختلف أنواع الكتل والأشكال والأحجام من ناحية الخطوط .. وعلى الضفة الأخرى من الناحية اللونية أسعى لأعلى نسبة من التناغم اللوني سواء درجات اللون الواحد أو توزيع الألوان الحارة والباردة بنسب تعطي انطباع مريح لعين الرائي ..
هذا بالنسبة للتجريد الصرف الذي يتمحور حول الخط والعمق واللون ..

وهناك البعد الرابع وهو العمق الثقافي في اللوحة .. أحاول إيصال ثقافتي لتكون اللوحة بالإضافة للمتعة البصرية .. متعة ثقافية تلامس وجدان الناس وعقولهم وعواطفهم في نسيج إبداعي متكامل .

7) لديك لوحة تجريدية بعنوان طبقات الزمن حدثنا عن فكرة هذه اللوحة ودلالاتها الفكرية والفنية وظروف انجازها ؟

ج7)
تقنيا هي من المدارس الحداثية وهي نتيجة للدراسات التي أجريتها بعمق على التجريد الطبقي التكويني .. حيث الحالة الطبقية تحيط بنا من كل النواحي ..
فمجتمعاتنا أصبحت طبقات متعددة متراكمة متضادة متفاوتة :
– طبقة غنية وطبقة فقيرة
– طبقة مثقفة وطبقة سطحية
– طبقة متعلمة وطبقة جاهلة
– طبقة طموحة وطبقة مهترئة
– طبقة حداثية وطبقة رجعية
وهكذا..

تتسابقان في خطين متوازيين لا يلتقيان ولا تنتهي هذه الفجوة ..
وبمرور الزمن تزداد الفجوة ويزداد الشرخ ..
فيجلس الإنسان عاجز عن الحل كلما خطا خطوة للأمام .. يجد قدمه الأخرى ما زالت في المنحدر تتدحرج للخلف .
والزمن يسير ..
..
ظروف إنجازها كان ليلة رأس هذه السنة حيث المراجعات الفكرية .. والاستغراق بالتفكر في أحوال الناس والمجتمع ..
ومحاولة اختراق الزمن للبحث عن الحلول .

8) ما يميز الفن عن اللافن شيء ما ، وحالة ما ، البعض يسميها خروجاً عن حالة المألوف والبعض الآخر يسميها عملية خلق جديدة .
أين يقف الفنان عماد المقداد ما بين الخلق والخروج عن المألوف ؟

ج8)
عصب نجاح أي فنان هو حجم قدرته على الإستمرارية في الخلق والابتكار .. وهذا يشكل حالة مضادة لما هو مألوف وعادي لدى الناس .. فيخرج بذلك عن الرتابة والروتين .. البعض يقدم السطحية ويكون خروج عن المألوف أيضا .. ولكن غير قابل للاستمرارية .. ولن يشكل وجدان الناس ..
الاستمرارية تحتاج تنوع ثقافي قريب من أحوال عامة المجتمع .. يعتمد التنوع الثقافي لدى الفنان على خبرته وحصيلته العمرية وقوة تجربته .. سواء الثقافة الفنية أو السيكولوجيا الاجتماعية أو السياسية أو الدينية .. و بالنسبة لي انقسم ذلك بين الصدف القدرية .. وبعض المجهود الذاتي .. فلله الحمد طرقت الكثير من هذه المجالات فدرست الموسيقا والمقامات وآلة العود وتداخلت حياتي العملية بالاحتكاك بمختلف شرائح المجتمع فشكلت تجربة ثرية لي .. والصدفة كانت بطبيعة نشأتي في أسرة دينية فجدي لأبي كان عالم وخطيب معروف في دمشق ..

والثورة علمتنا كل دهاليز السياسة ..

بالنسبة لي لم يبق إلا أن تتخمر هذه الثقافات وتعطي أُكلها بمرحلة متقدمة .. تحتاج الكثير من التجارب .

ولدي إيمان وطموح بصناعة مدرسة جديدة تنبثق من ثقافتنا ورؤانا الاجتماعية قد تتبلور بعد 10 سنين على سبيل المثال وأنا في غير عجلة ..

وربما بعد انتصار ثورة المجتمع على الظلم .. يُفتح أمامنا أبواب جديدة وإمكانيات أخرى تحقق أحلامنا .

9) ماهي انشغالاتك الفنية الآن ومالذي تطمح إليه على الصعيد الفني والإنساني ؟

ج9)
ـ أولا عملي في الجداريات التعليمية في المدارس مستمر ولله الحمد .. وهذا يساعدني في المحافظة على اللياقة الفكرية والجسدية والتقنية .. ويجعلني كذلك قريب من الناس والأطفال خصوصا ..

ـ أسعى جاهدا لأنجز مشروع فني أدبي يخص الطفل .. وأحشد له كل الطاقات .. سأفصح عنه لاحقا بإذن الله ..

ـ أخطط لمعرض قادم يتجاوز هذه المراحل التي نعيشها في الحاضر إلى طرح قضايا مستقبلية تخص مجال بحثي معين أحاول أن أعبر عنه وألخصه في اللوحات .. وأحاول أن أواكب تطوير تقنياتي ليتلاءم مع حجم الأفكار التي ستطرح والتي ستشكل حالة من الدهشة والحوار حول الأفكار التي سأطرحها ..

ـ أرسم الطبيعة باستمرار لإرضاء ذاتي وإرضاء عشاق هذا النوع ومحبي اقتناؤه .

ـ وعلى الصعيد الإنساني أحاول باستمرار خلق توازن نفسي داخلي راضي بكل شيء .. و يستطيع العيش باستمرارية في ظل المتغيرات اليومية والقضايا الصادمة التي نعيشها كل يوم .. وبتطوير داخل الفنان ليرقى للإنسان بعيداً عن الأنا والإعجاب الذاتي .. إلى محاولة العمل الجاد لتشكيل وجدان الناس بصمت عبر نشر المواضيع الفنية والأدبية التي ترقى بالذائقة المجتمعية .. وتحارب الجهل والتطرف عبر عدة صفحات على مواقع التواصل الإجتماعي ..

ـ كلمة أخيرة :
ـ في الختام لا يسعني سوى أن أتقدم لكم بالشكر على هذه المساحة التي أتحتوها لي وهذا الحوار الراقي الذي يقدم الفنان بالشكل اللائق وطرح الأسئلة الفكرية العميقة وبعيداً عن السطحية .. دمتم بخير ..وأتمنى أن أكون قدمت المفيد .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


حوار:فارس الرفاعي

شاهد أيضاً

الفكر الخلاق في أدب وثقافة الشاعر علي الفاعوري بقلم الأديب محمد الحراكي

………..الفكر الخلاق……… في أدب وثقافة الشاعر ( علي الفاعوري ) الأديب . .. العربي . …

رؤى الملك عبدالله الثاني بمعرض للفن التشكيلي

دعت جمعية نحاتي الخشب ممثلة برئيسها الفنان(ابراهيم الديات) عدد كبير من فناني الأردن التشكيليين و …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: