الرئيسية / تهنئة خاصة / شهادة عبد اللطيف الهدار في حق عبد الرحمان الغندور يوم تكريمه

شهادة عبد اللطيف الهدار في حق عبد الرحمان الغندور يوم تكريمه

نص الكلمة التي قالها الأديب عبد اللطيف الهدار في حق الصديق الحميم سي عبد الرحمان الغندور بمناسبة تكريمه في الدورة الرابعة لمتلقى “مبدع ومدينة”. تنظيم: جمعية شروق الأصيل
سي عبد الرحمان الغندور، أو القديس العارف .
رأيته لأول مرة رؤية العين في ليلة شعرية عطرة، في سطح مقهى “كارما” الأدبي تحت سماء مدينة البهجة؛ مراكش الحمراء، بدعوة كريمة من الفرع المحلي لشبكة القراءة بالمغرب التي هو أحد مؤسسيها، وكاتبها العام الفاعل والمؤثر. رأيته.. فأثار فضولي بقامته الرشيقة الفارعة، وبأناقته الرفيعة الراقية، وبمحياه السمح البشوش. وأثارني أكثر بسمته الوقور، وجلسته الهادئة، وسكينته الرزينة التي تخفي أسفارا من الخبرات والتجارب، وبحارا من الحكمة والاستبصار. وحين أتى دوره، وقف الرجل بشموخ المتواضعين الصادقين، وأخرج أوراقا من جيب سترته الداخلي، وران على الجمع هدوء ملائكي، وهبّ تحت سماء مراكش نسيم عليل، وصدح الرجل بصوت قوي ونبر رخيم، وأنشد قصيدة عذبة وعميقة تمجد المحبة، وتبارك الإنسان المتسامي عن الحقد والضغينة والمكر. فكانت القصيدة كوة ضوء مشعة أنارت لي دواخل الرجل، ودلتني تلك التي يسمونها بالحاسة الأخرى، أو بالحدس، إلى أني إزاء إنسان عارف ذي نفحات ربانية، يعشق الإنسان من حيث أنه إنسان، ويتخذ من المحبة فلسفة ومنهاجا، ومن كان كذلك لابد من أن يكون ساميا في أحاسيسه، راقيا في أفكاره، مستنيرا في مذاهبه، بصيرا في رؤاه، نبيلا في تعامله، أصيلا في مواقفه، شهما كريما في إنسانيته، مع ما يترتب عن ذلك من خصال الإخلاص والعفة، والترفع عن صغائر الأمور، والإحساس بالمسؤولية، والانتصار للحق وللمظلومين والمستضعفين والمغلوبين على أمرهم، والتمسك بالأمل مهما كانت الظروف، ومهما قست الحياة. وكذلك كان سي عبد الرحمان، وأكثر. وفي ذلك صدقت تلك الحاسة، أو ذاك الحدس. مرّ ذلك كشرارة خاطفة أنارت دواخل الرجل دفعة واحدة. ومرت تلك الليلة الشعرية في بذخ روحي ووجداني شفيف. واستضافنا بعدها الصديق خالد فارسي، عضو الفرع المحلي للشبكة، في بيته العامر رفقة عصبة من الخلان. وانشرح القلب بوجود سي عبد الرحمان. وتعارفنا. وتجاذبنا أحاديث ومواضيع وحكايات.. وتباعا، استأذن الخلان، وبقيت مع سي عبد الرحمان قلبا لقلب. وانزوينا في شرفة البيت، رفقتنا قهوة قانية وسجائر شقراء، وانجذاب رباني هيأته الأقدار. وقضينا الليل كله في حديث ذي أشجان لا تنتهي. تحدثنا عن تاريخ النضال الوطني الحديث، ورجالات هذا التاريخ الأفذاذ الذين صادقوا الوطن والمواطنين، وما بدلوا في صدقهم شيئا. تحدثنا عن المنعرجات الصغرى والكبرى في مسارات هذا النضال، وعن الأحلام التي نشأت عظيمة وانتهت مهيضة جهيضة. وتحدثنا عن الأحزاب والنقابات والعمل الجمعوي، وعن الإعلام الرسمي والحزبي والمستقل… ولأن الحديث ذو شجون، ولأني في حضرة قديس عارف، ومثقف حكيم، كان لابد للحديث أن يتلون بألوان من الفنون والمعارف. فكانت قطوف دانية زاهرة من الشعر والرواية والفلسفة والاجتماع، ومما لست أذكره.. كان سمرا أخوانيا فيه إمتاع ومؤانسة، وفيه انتفاع ومثاقفة، وفيه من الدفء غايته، ومن المحبة شهدها، ومن التواصل إسراءات ومعارج. واكتشفنا، لحسن طالعنا، أننا من فصيلة واحدة. ووجدتني مريدا سعيدا في حضرة شيخ حميم من طينتي ولحمي ودمي، تهت عنه ذات انعراجات كُتبت في اللوح المحفوظ، وكُتب عليّ أن ألقاه في ليل مراكش وتحت سمائها، وكان الصدق جسرا متينا امتدّ بيننا. وأتينا على آخر رشفة، وعلى آخر سيجارة. وهلّ نهار جديد بهيج على مراكش البهجة. وخرجنا والخلان في جولة قصيرة، ثم استقل سي عبد الرحمان قطاره إلى فاس العالمة، وعدت إلى حيث كنت أقيم في بلدة ابزو الوديعة. وفي اليوم الموالي رنّ هاتفي، وأتاني صوته عبر الأثير. حميما أتاني. فخما أتاني. طافحا بالمحبة والصدق والحبور.. واقرأني عميق وعبيق السلام، وأسمعني قصيدة ترشح جمالا ورشاقة وعطرا، وحين أنهاها قال: هي هدية لك، وللعاشقين. وتنشقتُ حينها بشائر الفتح المبين. ومن يومها، وسي عبد الرحمان الغندور أخضر في القلب، مشرق في الروح، يهفو القلب للقياه، وتفرح العين لرؤياه، وتزهو الجوانح بحضنه، ويسمو العقل بجواره وحواره. ثم كانت لقاءات ولقاءات. ووصالات وحوارات وتفاعلات. وكانت مملكة صغيرة وحميمة للمحبة صحبة ثلة من الأتقياء الأنقياء الأصفياء، مما يضيق به المقام، ولايسعف بوصفه الكلام. وكنا، وما زلنا، حميمين حقا وصدقا. وكنا في السهر والسمر والقمر، وفي الخضرة والزرقة والماء والشجر، وفي أمورأخرى كثيرة تسمو بالبشر. فظنوا خيرا ولا تسألوا عن الخبر. والذين يعرفون سي عبد الرحمان، يعرفون أنه طاغي الحضور من غير تكلف ولا ادعاء، يسري خفيفا رشيقا إلى القلوب. ويعرفون أنه دمث الأخلاق، حاضر البديهة، صاحب دعابات وقفشات وطرائف ومستملحات وحكايات. ويعرفون أنه مثقف موسوعي وعضوي، ومناضل شرس، وإنسان حر، ترك الدنيا خلفه، وعانق قلبه وعقله وصدقه، فلله دره مذ أن كان وإلى أن يلقى ربه.

شاهد أيضاً

البوح….الزهري /حسن بنموسى

البوح….الزهري   عسل البوح وشوق البتول وطنين حماقاتنا الأولى ولكنة من شفتيك تجنح بأحلا مي …

تقرير حول الندوة الفكرية بالمهرجان العربي التاسع للزجل بأزمور

شكلت الندوة الاساسية للمهرجان العربي للزجل التاسع بازمور والمقام من طرف جمعية المرصد الوطني للتنمية …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: