الرئيسية / دراسات / شعرية الضياع والحزن والمحبة في تجربة محمد كابي/عبد اللطيف الهدار

شعرية الضياع والحزن والمحبة في تجربة محمد كابي/عبد اللطيف الهدار


شعرية الحزن والضياع والمحبة في تجربة محمد كابي قصيدة “فراشات الليل” نموذجا عب اللطيف الهدار* الذين يعرفون الشاعر محمد كابي، يعرفون أنه على وعي حاد بالتجربة التي يخوض غمارها منذ سنوات خلت، والتي أصدر فيها إلى حد الآن ديوانين شعريين. كما يعرفون أن للشاعر أعمال أخرى سيحين أون نشرها، ولا شك. ولعل عنواني الديوانين الصادرين: “وشل الروح” و”شولة الروح” يؤشران بقوة على هذا الوعي الحاد بالتجربة التي يحياها الشاعر من داخلها، ويتماهى معها إلى حد كبير، كما يشيران بذكاء فطري وشفافية رهيفة إلى الملمح العام ذي البعد الصوفي لهذه التجربة الثرة، والتي تحضر الروح في صلبها بشكل ملفت، بدليل التنصيص عليها في العنوانين معا، مرة بإسنادها إلى كلمة “وشل”، ومرة بإسنادها إلى كلمة “شولة”، مع التنبيه إلى ما بين الكلمتين من وشائج جناسية ودلالية. ففي معجم المعاني، الوشل: الماء القليل يتحلب من جبل أو صخرة، ولا يتصل قطره، وهو أيضا، القليل من الدمع. وفي المعجم الوسيط، الوشل: الخوف والهيبة. أما “الشولة”، فهي حسب المعاجم العربية: الفصلة (علامة من علامات الترقيم). والشولة: منزلة من منازل القمر لها علاقة ببرج العقرب. وشولة العقرب: شوكتها التي تضرب بها. إبرتها. والشولة، مصدر المرة من فعل شال: ما ترفعه الناقة والعقرب من ذنَبيهما. وأيضا، الشول: البقية من اللبن في الضرع، أو بقية الماء في الإناء، أو الماء القليل. هكذا تتجانس الكلمتان بديعيا بتشابه حروفهما مع اختلاف في ترتيب الحرفين الأولين، وتتواشجان دلاليا في دلالتهما على الماء، ضمن ما تشتملا عليه من المعاني، سواء كان هذا الماء دمعا، أو ماء زلالا يتقطر من الصخر. ولا أعتقد أننا سنجانب الصواب إذا زعمنا أن الشاعر محمد كابي قصد قصدا إلى توظيف الكلمتين في عنواني الدوانين، وأسند إليهما كلمة “الروح” بكل زخمها الدلالي والوجداني والعقائدي، تلميحا منه إلى ما يضطرم في هذه الروح من تفاعلات شتى، قوية ومتمكنة، ناتجة عن تعالق مشاعر الخوف والضياع والحزن والاغتراب والتحدي والأمل والمحبة… وكلها مشاعر قد نجد لها مسوغات تأويلية في المعاني المعجمية للكلمتين: “وشل”، و”شولة”، ليس هنا مجال التفصيل فيها. والمتأمل في الديوانين معا، سيلاحظ أن الشاعر محمد كابي عمد إلى توظيف عناوين مخاتلة لقصائده. عناوين تشي ظاهريا بدلالات ذات بعد جواني شفيف، بينما متونها الشعرية حبلى بظلال قاتمة من الحزن والشجن والقهر واليأس. ومن قتامة هذه الظلال تنبعث شموس تتأجج رفضا لواقع مرٍّ ومأزوم ومأفون. واقع مفروض ومرفوض، في لغة لا تهادن ولا تستسلم، تنبذ المثالب والضعة والمذلة، وتؤمن بالتحدي والأمل وجدوى فلسفة المحبة. وهذا التوظيف المخاتل للعناوين لا يأتي عن حذلقة وفذلكة، وإنما يصدر عن إحساس غامر بقدرة المخاتلة على شحذ وشحن المعاني الملائمة لما يعج ويزدحم في الروح من رؤى وانفعالات يمليها صراع الذات الشاعرة بين واقع معاش ومدان، وواقع مأمول ومشتهى. ولعل من أبرز القصائد “الكابية” المجسدة لهذه المخاتلة الشعرية والدلالية البديعة، والتي تمنح على مستوى القراءة أفقا تأويليا ما هو بالمبهم، ولا هو بالمُسفر عن عوالم النص الشعري، قصيدة “فراشات الليل” من ديوان: “شولة الروح”. لذلك كانت القصيدة جسرا سالكا لولوج التجربة الشعرية عند محمد كابي، والوقوف على أهم تجلياتها وتمظهراتها. وبدءا، تنبغي الإشارة إلى أن محمد كابي، علاوة على كونه شاعرا، هو فنان مسرحي بامتياز تأليفا وتمثيلا وإخراجا، وواحد من رواد مسرح الهواة في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. مسرح مسكون بالحياة، ومتفاعل مع أوجاع الناس، ومندمج في قضايا الأمة، ومنحاز لقيم الجمال والتسامح والمحبة والانفتاح والعدالة الاجتماعية. كما أن محمد كابي عرك الحياة وعركته، وعانى ما عاناه جيله الحامل لوعي شقي، والحالم بغد أفضل، والعاشق للخير والجمال. كل ذلك كان له الأثر البين في المذهب الشعري الذي ذهبه، حتى صار الشعر عنده رؤية للوجود وفلسفة في الحياة. والقصيدة التي نحن بصددها تعكس بجلاء هذه الفلسفة وتلك الرؤية، فهي تحتفي احتفاء شعريا عميقا ومعبرا بكل التيمات المحورية الموزعة في الديوان. ومن غير مجازفة، أقول في الديوانين معا. تيمات تؤرق الشاعر، وتسكن روحه التواقة للسمو والنبل، ويضج بها وجدانه وكيانه، وأعني بها: تيمة الحزن والشجن، وتيمة الاغتراب والضياع، وتيمة المحبة والأمل. مع ما يتشعب عن هذه التيمات من مواقف ورؤى وتداعيات. وتكفي نظرة سريعة على عناوين الديوان ليتأكد لنا ذلك. فعلى مستوى التيمة الأولى، نجد العناوين التالية: شولة الروح، لا شئ لي، زينة أو تراجيديا سيدة القمر، المذلة، مرثية أمي، العمى الأسود، شجن… أما التيمة الثانية (الاغتراب والضياع)، فتؤشر عليها العناوين التالية: ضجيج الروح، الرسيس الأزلي، طين الخطايا، الذنب الأحمر، الربيع اليابس، الرقص في حضرة الذئاب، ضياع، تنازل، سفر، وهم، وطن المتاهات. في حين تؤشر العناوين التالية على التيمة الثالثة (المحبة والأمل): وردة في مزهرية القلب، دروس أولية في العشق، ضوء في الأفق، سلافة، سِفر الخلود، رحيق عشق لأيتومارك، على أشكالها تقع القلوب، نشوة القصيدة… وبالعودة إلى القصيدة المنتقاة لمقاربة التجربة الشعرية عند الشاعر محمد كابي، والمتميزة بصدقيتها وبتداخل عوالمها وتعالق أنساقها، فإن أول ما يوقفنا عنوانها المثقل بحمولات بإيحاءاته الدلالية المتشابكة: “فراشات الليل”. فهذه الكائنات الصغيرة، المجنحة والرهيفة، معروف عنها أن النور يستهويها، وأنها تنجذب إليه بقوة غريزية ومن غير إرادتها. وفي الغالب الأعم يصل بها هذا الانجذاب إلى أن تحترق في وهج النور، وكأن طبيعتها وتكوينها الخاص يدفعانها دفعا إلى أن تفضل الموت في النور على أن تحيا في الظلام. ومن ثَمّ كان للفراشات بصفة عامة، وفراشات الليل بخاصة، وجود موغل في الرمزية. وهذا الإيغال في الرمزية يختلف من شعب لآخر؛ فعند الأهالي الأستراليين الأصليين مثلا، ترمز الفراشات إلى الروح، إذ يعتقون أن الأجساد كانت فارغة منها، وتطوعت الديدان للبحث عنها، وبعد رحلة البحث، عادت الديدان وقد تحولت إلى فراشات. وعند الرومانيين ترمز إلى المشاعر العاطفية، وخاصة عاطفة الحب. وعند اليونانيين، الفراشات رمز للتفاؤل والخير. وعندنا، هناك من يعتبرأن الفراشات التي تحل بالمنازل تحمل معها بشارات وأخبارا سارة، حتى أنهم يسمونها “البشيرة”. أما فراشات الليل فهي ترمز لعشق النور بكل ما تحمله لفظة “النور” من دلالات ومعان ترتبط في اللاوعي الجمعي بالخير والنبل والإيمان والحياة والصفاء والعلم والإشراق … وهي أمور لا يتوانى عاشقها على تقديم التضحيات عن طواعية في سبيل تحقيقها، تماما كما تفعل فراشات الليل المنجذبة للأنوار. فكيف تحضر هذه الفراشات في القصيدة، والتي عبرها مرر الشاعر محمد كابي رؤاه للتيمات المشار إليها آنفا؟ يبدأ محمد كابي قصيدته باستهلال موجع يشرك فيه الطبيعة بذات الحبيبة الحزينة التي تشرب من سلسبيل الهوى كأس الطلا متى حل المساء وعزف بقيثارته الشجية على أوتار القلب، فتبكي السماء لحال الحبيبة، وتشاركها حزنها القاتل. يقول في الاستهلال مخاطبا الحبيبة، والحبيبة في القصيدة قد تحيل على المرأة المعشوقة، وقد تحيل على الأرض والوطن: تفتحين ذراعيك لدمع السماء وتشربين من سلسبيل الهوى كأس الطلا حين تنقر على وتر القلب قيثارة المساء. إنه يدرك تماما مدى الحزن الغائر الذي تكابده الحبيبة، حزن جبار يستهلكها استهلاكا ويسلبها حياتها. وفي المقابل يؤمن إيمانا قطعيا أن الخلاص في العشق فقط، وليس في غيره. ففي مملكته تتساوى قلوب الناس، أغنياء كانوا أو فقراء. وبه وحده تصير الحبيبة الحزينة نورا وهاجا يضيئ عتمات الروح المغتربة والواقعة بين براثن اليأس، ويستقطب فراشات الليل فيتحلل الحزن من حزنه، وتتخلص الروح من الجرح الذي حم بها. وبالعشق وحده يصير التحدي ممكنا، ويصير الغناء ممكنا، بل وفاتنا. يقول ممجدا مملكة العشق باعتبارها الخلاص الأوحد: حبيبتي، يا سيدة الحزن القاتل مملكة العشق فيها تتساوى قلوب الأغنياء والفقراء. كم يئستِ في اغتراب الروح كم يئستِ لما غاب الفرح وتدثرتِ بعواصف البيداء ! لا تهابي القدر اللعين لا تستسلمي لصوت الأنين سترقص من فرح حولك فراشات الليل وتضيئ يراعة الكحل في عينيك وقد فتنها وهج الغناء يتحلل الحزن من حزنه على وجنتيك ويهرب من أناملك جرح قد حمّ به القضاء. هكذا، وفي طفرة شعرية يتصل سابقها بلاحقها، يقرّ الشاعر محمد كابي عبر خطابه للحبيبة، أن الحزن واقع، واغتراب الروح واقع، والجرح قائم، والأنين قائم. ويقرّ أيضا، وهو الشاعر والفنان والإنسان الذي خبر الحياة، أن العشق خلاص من هذا الواقع القاتم والقائم، وانتصار عليه. متى حضر ينتفي بحضوره الغياب والاغتراب، ويحصل الاتحاد والحلول. غير أن ذلك لا يتحقق إلا في الإيمان بجدوى العشق والمحبة، ولا يتمظهر إلا في البوح الصادق. فإذا كان الشاعر يصف حالته، مخاطبا حبيبته بقوله: “وأنا الغريب عنك / وعن نفسي”، فإنه في نفس الآن، وعلى الحال ذاته، يقول معبرا عن اتحاده بذات الحبيبة، وحلوله فيها: ألبس عريك أتلحف بسواد عينيك ببياض الحياء. فهل تولد من جمرة الشفتين القصيدة؟ ومتى يحصل هذا الحلول، يكون التحدي، ويكون الإقبال على الحياة والرغبة فيها، إذ يستجيب القلب لقطرة الندى، استجابة الفراشات الليلية لوهج النور، فيحيا القلب وينتعش ويصير جنانا رحبا يحضن القادمين من دنيا الهم والغم والنكد رغم صدأ الواقع المعربد ليل نهار. يقول: أفتح قلبي لقطرة الندى فلا يعرج النهر على وحدتي كي لا أستجير بالعراء وهذا الصدأ اجتاح الليل والنهار ووزعنا خرائط لنهم الهباء أفتح قلبي للقادمين من عواصم الهم فأصاب بخميلة الأنواء.
ويسترسل الشاعر في بوحه الشفيف عبر هذا المتن الشعري المستوحى من نبض فراشات الليل، والمتداخلة تيماته بين ما هو محبط وأليم وحارق، وبين ما يدعو إلى الانعتاق والحياة والمحبة، مستثمرا بإيمان عميق فعل الكتابة باعتباره بوحا مدوّنا يشهد على مرحلة مدانة وحارقة لا تسعف في تحقيق الأمل المنشود، والأمل المنشود لا يمكن أن يتحقق إلا في المحبة، والمحبة لن تتجلى إلا في البوح، وأسمى ما في البوح ما كان مكتوبا. فعل الكتابة إذن، أول شرط في تجاوز الوجود الحارق، وهو الأرض الخصيبة التي تورق فيها شجرة المحبة وتزهر وتثمر، وهو أيضا تحدٍّ صارخ، ومعانقة للأمل. يقول: فاكتبي حرفك السري بعيدا عن عيون الكهنة واتركي النار على حجر الماء تشتعل عليها أنشودة الروح اكتبي حروف الغربة والنوى حين تطوقك القروح ودوسي على عشب قلبي لن ترسلنا حرائقنا إلى ما نريد لن تجمعنا حقائبنا على ما نريد دوسي على عشب قلبي ستنمو سنبلة الحب لتوصلنا إلى عالم جديد. ولأن الشاعر محمد كابي هو أيضا فنان مسرحي، فليس من المستغرب أن يحضر في القصيدة رائد الكوميديا؛ المسرحي الفرنس موليير. ولم يكن هذا الحضور صوريا، أو ضربا من الاستطراد. وإنما كان حضورا وظيفيا، يحمل إشارة قوية من الشاعر / المسرحي إلى أن المسرح الكوميدي، بكل رسائله وانتقاداته ومواقفه الساخرة، لم يسعف في إرواء الحنين إلى غد يتحقق فيه الحلم في وطن يمكن أن يحضن الجميع، ويمكن للجميع أن يعيش فيه بكرامة ومحبة. وطن لم يسمّه الشاعر تصريحا، وإنما لمّح إليه تلميحا، وكنّى عنه بكلمة تشير إلى أخص ما يميزه ويرمز لشموخه الذي لحقه غبن تاريخي: الأطلس. ولأن الحنين لم يُروَ عبر الكوميديا، إذ لم تكن هذه الكوميديا إلا مرايا مستعارة، فظلت الغربة تنهش الأفئدة، وظلت الوجوه، ممثلة في وجه الذات الشاعرة، منهكة ومنهارة. واستمر الحزن، واستمر القمع، واستمر الفجع، فكان لابد للقطيعة أن تحصل في وطن معلق على حبل المشنقة، ويستحق قليلا من الشفقة، لتضيق الأرض بما رحبت على الحالمين، ويتسيّد التيه، ويختلط الحابل بالنابل، وتلتبس الرؤى. يقول: لا موليير خبأنا في كوميديا الحنين ولا الأطلس أطعمنا حلما يعلو على كلوم السنين جزت الغربة رأس الفؤاد كل المرايا مستعارة وتجاعيد وجهي منهكة منهارة أضاعت الطريق إلى الميعاد ودمعي على حضن الدمع في زمن القمع أسفر عن نهر الفجيعة ويمّ القطيعة بين وطن علقوه على حبل المشنقة ووطن يستحق نزرا من الشفقة ضاقت الأرض ولا ندري من فينا التبر ومن فينا التراب؟ من فينا الورد ومن فينا السراب؟ ومع ذلك، ورغم وطأة الواقع الشديدة، بكل شراسته وأحزانه، وضغطه وأوجاعه، ينتهي الشاعر محمد كابي إلى خلاصة يقينية مستلهمة من تلك الفراشات التي تحلق في سماء الليل متطلعة للنور والضياء، خلاصة تعانق البوح عبر الشعر مجسدة في “الأغاني”، وتؤمن بجدوى القصيدة النابعة من الأعماق مجسدة في “أنشودة”، وتمجد المحبة كسبيل أوحد للخلاص ممثلة في القلب الحي النابض بالمعاناة. يقول خاتما قصيدته التي اتخذناها نموذجا لتجربته الشعرية الطافحة بالصدق، والملخصة لرؤيته لرؤيته للعالم، ولفلسفته في الحياة: باسم كل الأغاني باسم القلب وما يعاني هي أنشودة في أعماقي اكتملت أرميها في وجه السماء ولا أتركها تسقط على رصيف السهر كما تسقط خيوط الخباء. هكذا يتسلل فينا الشاعر محمد كابي، أحيانا بانسياب، وأحيانا بقوة وعنفوان، ليكشف عن واقع الحزن والضياع والاغتراب الذي تتحد فيه الذات الشاعرة بذات المعشوقة، حبيبة ووطنا، والمفروض فرضا من قوى غاشمة وقاسية لا تولي أي اعتبار للإنسان والوطن، ويتسلل بشاعرية مرهفة إلى حيث مكمن الضوء ومصدر القوة، وحيث الخلاص الأوحد، فتسطع الرؤية الوجودية الممجدة لفلسفة المحبة. ــــــــــــــــ *كاتب مغربي

شاهد أيضاً

تقرير حول الندوة الفكرية بالمهرجان العربي التاسع للزجل بأزمور

شكلت الندوة الاساسية للمهرجان العربي للزجل التاسع بازمور والمقام من طرف جمعية المرصد الوطني للتنمية …

مداخلة الدكتورة نبيلة بلعبدي في الندوة الفكرية بالمهرجان العربي التاسع للزجل بأزمور

صوت المرأة الجزائرية المقاومة من خلال الأهازيج والأغاني الشعبية الثورية   د/ نبيلة بلعبدي كلية …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: