الرئيسية / أخبار ثقافية / الصالون الأدبي سيدي عبد الرحمن الشوفاني .عبد الكريم برشيد سؤال الحفل والاحتفال لسعيد بنفرحي

الصالون الأدبي سيدي عبد الرحمن الشوفاني .عبد الكريم برشيد سؤال الحفل والاحتفال لسعيد بنفرحي

 

عبد الكريم برشيد سؤال الحفل والاحتفال

السعيد بنفرحي

أيها السادة الأفاضل

الاسم العلم قد يتحلى بأل، وقد يتخلى عنها، وهو في كلتا الحالتين، كما هو في علمكم، معرفة, غير أنه في حالة التخلي  يكون علما فقط. وفي حالة التحلي يكون علما وصفة. فسعيد علم والسعيد علم وصفة. وال هي للمح الأصل، كما يقول علماء الصرف، أصل الكلمة : السعادة, وهذا اللمح للأصل أدركته وأحسسته في أمكنة متفرقة مشهودة، ولحظات منتثرة معدودة ؛ منها هذه اللحظات البهيجة والمبهجة.

أيها السادة الكرام

أنا السعيد بتواجدي معكم، في هذه القلعة الحصينة التي خرجت من رمادها كالعنقاء بعد تخريبها سبع مرات كما تقول الحكاية الشعبية. وأنا السعيد. بحضوري في هذا الصالون الأدبي سيدي عبد الرحمان الشوفاني نقيب الشرفاء الشوفانيين والوطني الغيور بهذاالرياض العامر الذي كان وما زال، وسيظل، بحول الله وقوته، مقصد الوطنيين والعلماء والمثقفين والشعراء وشيوخ الملحون. وأنا السعيد بالمساهمة بشهادة متواضعة في حق قامة شامخة في المسرح المغربي والمغاربي والعربي في نفس الوقت.

 

عبد الكريم سؤال الحفل :

عبد الكريم من الأعلام الدينية، وهو من الأعلام المركبة تركيبا إضافيا، وذلك بإضافة عبد إلى الكريم. ولقد كانت الأعلامُ المصدرة بعبد في الجاهلية كلُّها تعكس أثر البيئة الجاهلية وعبادة الأوثان، التي كانت معروفة وشائعة مثل عبد العزى، وعبد اللاث…حتى جاء الإسلام وخالفها وغيرها …وذلك بإضافة عبد إلى اسم من أسماء الله أو صفاته مثل عبد الوهاب، وعبد الباقي، وعبد الكريم. الأساس في هذا التحوير، كما يبدو، هو المغايرة والمخالفة بحيث أن الاسم القديم وقع تجديده.

إن العبودية للكريم تفرض من ضمن ما تفرض :

  • إبداء الرأي وتصحيح المفاهيم لأن من كتم علما ألجمه الله تعالى يوم القيامة، بلجام من نار” لهذا وجدنا مكرمنا يبدي رأيه في ما يقرأه بموضوعية وبجرأة مما جر عليه الكثير من الانتقادات لدرجة أنه لولا الزوابع النقدية التي واكبت تجربته منذ أواسط السبعينات إلى اليوم، لما انتهت هذه التجربة إلى ما انتهت إليه اليوم من شيوع وذيوع وانتشار في داخل المغرب وخارجه، بل لما حَلَّقنا حوله اليوم نحتفي به ونحتفل معه.
  • الدعوة إلى حرية الرأي واحترامه  أي الولاء لمبدأ الاختلاف والمغايرة. لهذا نجده كثيرا ما يردد القول العربي الشهير : لا تقل للمغني غني.
  • الإيمان بالاختلاف والحوار  فهو لا يجادل إلا بالتي هي أحسن، ويدعو إلى الاحتفالية بالموعظة الحسنة. والاختلاف والحوار مظهران من مظاهر الديموقراطية، والمسرح فن ديموقراطي بامتياز لأنه قائم على الحوار من البداية إلى النهاية.
  • إعطاءُ كل ذي حق حقه، ومقاومتُه لعدم الاعتراف بالسبق والريادة . يتجلى هذا في وفائه للرواد المرحومين الطيبين الصديقي ولعلج، والمرحوم عبد الصمد الكنفاوي، ومحمد الباتولي، وثريا جبران… فهو في كل دراساته وتصريحاته الإعلامية ؛ الإذاعية والتلفزيونية والصحفية يذكرهم، ويثني عليهم، ويقتبس منهم، ويحاورهم، ويمحضهم الود.
  • بهذا وغيره تتحق العبودية لكريم.الكرماء جل وعلا فهو “رحيم يحب الرحماء، وكريم يحب الكرماء وعليم يحب العلماء”  ومكرمنا، أيها السادة الأفاضل، اجتمعت فيه كل هذه الصفات فهو عليم ورحيم وكريم. ولا شك أن هذا ما كان يتوسمه فيه والده، رحمة الله عليه، لما اختار له من الاسماء عبد الكريم.
  • والكريم، كما هو معلوم، صفة مشبهة للموصوف بالكرم، والكرم نقيض اللؤم. ومكرمنا لا يعرف لؤما، لكن راوده شيء من الشؤم عند كتابة ابن الرومي سنة 75 بالخميسات حيث أجْبَلَ. ولكن في الدار البيضاء  فك سراحه فكتب لنا خالدته ابن الرومي في دور الصفيح غير أنها ستتعرض للمنع سنة 79 مرتين : مرة في الخميسات. والثانية في سلا. كما أنها لما نشرت في مجلة الآداب سببت ليوسف إدريس مشاكل مع الرقابة العراقية.
  • صاحبنا كريم والكل يشهد على كرمه المادي والمعنوي ورصيده الرمزي، قرابة سبعين عملا، شاهد على هذا الكرم.
  • والكريم الصفوح أي كثير الصفح، ومن يعرف الرجل يؤكد  هذا.
  • كما أن الكريم تعني “النفاع، من قولهم شاة كريمة، إذا كانت غزيرة اللبن تدر اللبن على الحالب، ولا تقلص بأخلافها، ولا تحبس لبنها”. وفي قول آخر الكريم تعني الشيء الذي تكثر منافعه، وقيل لشجرة العنب كرمة بمعنى كريمة، لأنها كثيرة الخير، ظل ظليل، وثمار يانعة، وقطوف دانية، وغذاء جيد، وفاكهة محببة”. ومكرمنا، أيها السادة الأفاضل، شجرة وارفة الظلال، كثيرة التمار، لذيذة المذاق، لا تشبع منها الأشداق، وكل من ذاقها راقته.. فتمارها في العد ستون،أو تزيد. بعضها ترجم إلى الكردية ك”اسمع يا عبد السميع“، وبعضها إلى الإسبانية ك”العربة“، وبعضها إلى الألمانية كالحكواتي الأخير. وبعضها درس بمدارس البعثة الفرنسية لسنوات كامرىء القيس في باريس، وبعضها يدرس بباقي المدارس المغربية كابن الرومي في مدن الصفيح. وبعضها يدرس في كثير من الكليات والمعاهد المسرحية المغربية والعربية كاسمع يا عبد السميع. ومثلت نصوصه في الكثير من الدول العربية والأجنبية، بل إن بعضها مازال يُقدم ويَلْقى إقبالا كبيرا رغم مرور أزيد من 45 سنة على صدوره مثل “السرجان والميزان” التي كتبت في 1971 وقدمها محمد بلهيسي في تازة سنة 2016. وهو مخرج احتفالي بامتياز قام بإخراج العديد من مسرحيات الأستاذ، إلى جانب مخرجين آخرين مغاربة وعرب أمثال عبد المجيد فنيش السلاوي، وحسن لمراني العلوي الفاسي، وبكر قباني العماني، ومنصف السويزي التونسي. وغيرهم. وجلها كتب بالعربية وبعضها بالعامية أو الحسانية كالصعلوك التي قدمها مسرح أنفاس.

أفلا يحق لمن أخرج عدة نصوص منها حكاية جوقة التماثيل لسعد الله ونوس، والحسين يموت مرتين وهو مأخوذ عن نص من نصوص التعازي الشيعية. وألف وأخرج السي الماضي، وسالف لونجة. ونَظَّر ونقد نظريات ومسرحيات نجد ذلك في حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي (85)، والمسرح الاحتفالي( 89/90 )،والاحتفالية في أفق التسعينات (93)، ألا يحق لمن فعل كلَّ هذا وغيرَه لما يقرب من نصف قرن في المغرب وخارجه. تحليته بالنفاع ؟

من خلال ما سبق نسجل أن كل صفة محمودة تسمى كرما،”فلذ بربك الكريم تُفْرَجْ كُرَبُك.” ولذ بعبد الكريم تعش الفرح والتعييد الاحتفالي.

برشيد ؛ سؤال الاحتفال

من الملاحظ في العديد من أعلامنا أنها مصدرة بالباء. وهذه الباء مختصرة من ابن أحيانا كما في بلحاج وهو ابن الحاج، وبلعباس وهو ابن العباس. وبلقاضي وهو ابن القاضي. وهذه المسالة اللغوية عربية قديمة فقد سمع بلحارث بن كعب، وبلعنبر …وغيرها مما نجده مبثوتا في كتب التراجم.والسير.

وقد ترد هذه الباء وهي مختصرة عن أبو كما في بلخير وهو أبو الخير، وبلقاسم وهو أبو القاسم، وفي بلعيد وهو أبو العيد.

وإضافة ابن أو أبو على هذا النحو لم يأت لغرض الكنية، ذلك أن هذا الترتيب يفيد العلمية كثيرا. فهناك الكثير ممن يسمون بوشعيب، وبلقاسم، وبلعباس…وهذه التسمية ترد في أسماء العديد من الأولياء مصدرة بسيدي كسيدي بلعباس، وسيدي بوشعيب، وسيدي بوزيد…

انتساب عبد الكريم إلى رشيد يعكس رغبة أبيه، رحمة الله عليه، في أن يتميز عن مجايليه وأقرانه. وربما حتى عن الآتين بعده. علاوة على رسم طريق لحفدته من بعده. لإيمانه ككل الآباء، بأن الاسم أو اللقب سيلقي بظلاله على أبنائه. سيكون له تأثير خفي على سيرتهم ومسارهم. وكذلك أيها السادة كان.

فالرشيد كما في المعاجم اللغوية من أسماء الله الحسنى، وهو العاقل الهادئ، والحسن التقدير، والمرشد. وهذه المعاني كلها يمكن للمتأمل المدقق في سيرة الرجل وأعماله أن يجدها ويكشف عن تجلياتها

فهو العاقل لأنه “كان يعرف كيف يٌداور التراث ويٌعالجه بمنظوره الخاص حتى صار كاتبا واسعَ الذراع، مقتدرا على إبداع مغايره، لا يستذنب ما قاله الآخرون، ولا يَتبعه، يستخرج الكلام من الكلام، ويستولد الخطاب من خطابات النصوص التراثية، ومن السرديات العربية ليحرره – بعد ذلك- من الدجى ومن ظلمة الأزمنة التي ولت ليدخله زمنا أو أزمنة إبداعية وهاجة”.

وهو الهادئ ؛ وهذا باد لكل ذي عينين. فالرجل هادئ في حركاته وسكناته وكلامه وكتابته، وهذا مما يشدك له لتنصت وتستمتع بلغته الفصيحة البليغة المليئة بالدرر. ولقد أخبرنا عن نفسه فقال بأنه صموت تزعجه الأصوات المرتفعة، ولا يسمع الا الموسيقى الخافتة.

وهو الحسن التقدير : فكر ووزان وقدر ما عاشه في الناظور ووجدة من احتفالات شعبية كحفلات الزفاف،والختان، والحلقة، وسيرك عمار، والسينما الملكي وزفزل، واحتفالات دينية كالمولد النبوي والعمارة الدرقاوية… وغيرها، فخلص إلى  كون “الإنسان كائن احتفالي بطبعه”. وأن الله خلق الإنسان من أجل أن يفرح ويسعد، كما يقول في أحد لقاءاته، وأن يكون سليما عاقلا جميلا لأن الله جميل ويحب الجمال، وبالتالي نحن عيال الله ينبغي أن نكون مثله في الفن وفي الجمال وفي الحق وفي كل القيم”. فلا أحد يبدع من لا شيء . لهذا نجده يستلهم في أعماله الإبداعية التي تنيف على الستين (60) عملا منها الزاوية، وسالف لونجا، وعرس الأطلس، وجحا فاس، وشطحات جحجوح، وعنترة في المرايا المكسرة، وامرؤ القيس في باريس، وليالي المتنبي، وفاوست والأميرة الصلعاء، وسقراط قالوا مات،وابن رشد بالأبيض والأسود…...نجده يستلهم  التراث المغربي والإسلامي والعربي والإنساني عامة . يقول في البيان الرابع للمسرح الاحتفالي إن قلت الاحتفال قلت التراث، وإذا قلت التراث فإن ذلك لا يَقْتَضيك الرجوع إلى الخلف. لماذا ؟ لأن التراث في الحقيقة حضور واستمرار، إلى ما بعد الآن، إنه شاهد على فعل التغيير شاهد على أنه لا شيء ساكن ولا شيء ثابت. فلا وجود إلا لهذا التحول المستمر والمتلاحق”.

هو الكريم، أي المرشد. ومكرمنا ايها السادة، بحكم أنه كان أول من دعا إلى دعم الإبداع المسرحي، وأول من أصدر بيانا يشرح فيه الاحتفالية، ويدعو إليها منذ منتصف سبعينات القرن الماضي كان رائدا ومرشدا ومؤثرا في كل ما جاء بعده من تنظيرات سواء الجماعية (كالمسرح الثالث المسكيني الصغير وآخرون)، أو الفردية (كمسرح المرحلة حوري الحسين، ومسرح النقد والشهادة محمد مسكين)  كما أن هذه التنظيرات قدمت بيانا واحدا في حين أن المسرح الاحتفالي توالت بياناته حتى تعدت خمسة عشر (15) بيانا وهي بيانات تحمل طابعا مغربيا أو عربيا.

هو المرشد ويمكن توضيح ذلك أكثر من خلال وقفة مع المنابر الإعلامية التي ساهم في تأسيسها أو ترأس تحريرها أو كتب فيها :

وأولها : العلم ولهذه الكلمة ثلاثة معان : 1. العلم بمعنى العلامة والأثر . والاحتفالية علامة صاحبنا وأثره المميز له. 2. العلم الشي المنصوب في الطريق يهتدى به. والرجل أصبح علامة على الاحتفالية وأصبحت الاحتفالية علامة مميزة ومتميزة في الوطن العربي بل امتد تأثيرها إلى أوربا عبر ابداعات الرجل وغيره من مبدعيها. 3. والعلم سيد القوم وصاحبنا سيد القوم في وبالاحتفالية .

وثانيها : الطليعة : نقول طليعة الجيش ونحوه اي أول ما يطلع منه، وفي الطليعة أي في المقام الأول. وعبد الكريم كان طليعيا فهو أول من دعا إلى دعم الإبداع المسرحي، وهو أول من أصدر بيانا وهو أول من نظر للاحتفالية. التي كانت أول نظرية في المغرب حاولت الاستجابة لظاهرة تأصيل الظاهرة المسرحية.

وثالثتها : الثقافة الجديدة أي الحديثة التي لم تُستعمل بعد. تٌرى لأول مرة. وكذلك كان الرجل فهو من الطليعيين أي من الكتاب التجديديين. أوليست الاحتفالية جديدة ومتجددة إبداعا ونقدا وتنظيرا ؟

ورابعها : البيان أي البلاغ والتصريح يُعلَن للجميع. ألم تتعد بلاغات الرجل وبياناته العشر ؟ والبيان أيضا التوضيح. والتوضيح لا يكون إلا إذا كان هناك جديد والرجل طليعي يحمل في جعبته دائما الجديد. ومن توضيحاته قوله محددا مفهوم لغة مسرحية شعبية : “هي لغة تكون مستمدة من احتفالاتنا وفنوننا التقليدية، وبغير الارتباط بما أَنتَجَ الوجدان الشعبي فإنه أبدا لا يمكن الحديث عن ثقافة شعبية أو فن شعبي”.

وخامسها : التأسيس أي إقامة الشيء على أساس. وفعلا الأستاذ أقام صرح الاحتفالية على أساس . يقول في حوار كان قد أجراه معه بول شاوول في 79  : “فالاحتفال عندي بديل كلمة العرض، هذه الكلمة المتداولة في السوق التجاري والتي تفيد أن يكون هناك بضاعة تعرض وأن يكون هناك في الطرف المقابل مستهلك نسميه الجمهور، وقد انحصر دوره دائما في شيئين : دفع التذكرة والتصفيق، ولا شيء غير ذلك.

فالاحتفال يعني الامتلاء، كما يعني وجود الآخرين ومشاركتهم، والمشاركة هي الأساس، كما يعني الحوار”.

أيها السادة الكرام

بناء على ما سبق قوله في هذه الورقة الموجزة في حق أب الاحتفالية نسجل أن والده، رحمة الله عليه، أصاب مقاتل القول في صميمها حين اختار هذا الاسم لابنه متمنيا أن يُلقي بظلاله عليه وعلى عقبه من بعده،(الابنة البارة نادية برشيد). وكذلك كان أيها السادة الكرام، ونحن لذلك مشاهدين وعليه من الشاهدين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الحضرة المحمدية

16-17 يناير 2019

شاهد أيضاً

البوح….الزهري /حسن بنموسى

البوح….الزهري   عسل البوح وشوق البتول وطنين حماقاتنا الأولى ولكنة من شفتيك تجنح بأحلا مي …

تقرير حول الندوة الفكرية بالمهرجان العربي التاسع للزجل بأزمور

شكلت الندوة الاساسية للمهرجان العربي للزجل التاسع بازمور والمقام من طرف جمعية المرصد الوطني للتنمية …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: