الرئيسية / دراسات / حَجَرُ الضّوْء قراءة في لوحة للفنان التشكيلي المغربي ” أبوأميمة العنيز ” بقلم : نورالدين حنيف …

حَجَرُ الضّوْء قراءة في لوحة للفنان التشكيلي المغربي ” أبوأميمة العنيز ” بقلم : نورالدين حنيف …


أشْتَغِلُ في دِيواني الشّعْري الْفصيحِ الْمُرْتقَب على منْظومَة الْحجَر – إنْ كانَ للْحجَرِ منْظومَة – فاكْتشَفْتُ كمْ هُو قاسٍ وَ راقٍ أنْ نرْكَبَ وَعْرا … وأنْ ننْحتَ في الْجلامِيدِ بحْثاً عنْ جذْواتٍ منْ ضوْء … وَ حمدْتُ اللهَ أنّني لمْ ولنْ أكونَ الْمهْووسَ الْأوّل والْأخيرَ في امْتِطاءِ الصّلابَة … فقدْ وجَدْتُ فنّاناً بحجْمِ السّؤالِ الْحارِقِ لِوسادَاتِ الدّعَةِ والْاِرْتِخاء والسّكون ” فؤاد العنيز أبو أميمة ” هذا الْبوهِيميّ الْأخيرُ الّذي يقْبِضُ هوَ أيضاً على حجَر ، يَرومُ رَشْقَهُ في وجْهِ الظّلام .

والْفرْقُ بينِي وَ بيْنَهُ ، أنّهُ ارْتَقى بالْحجَرِ منْ سيماءِ الْحرْف إلى سماءِ التّشْكيل ، معَ اسْتثْمارِ ذكاءِ الْإشارَة ، فنالَ الْفنّانُ بذاكَ أجْرَ الْأصْباغِ وثوابَ الْبِشارَة … فِيما قَبَعْتُ أنا في أتونِ الْمقُولِ ، ألُوكُ الْكلِمَة في قلْبِ الْحجَر بحْثاً عنْ حجَرٍ لا يُشْبِهُ الْحجَر .

وَ لقَد سافَرْتُ في عالَمِهِ بينَ لوحَةٍ وأخرى ، مُرْتَحلاً في لوْحاتِهِ بيْنَ عالَمٍ وَ آخَرَ ، فاسْترْعى انْتِباهِيَ ذاكَ الْحجَرُ الْمُتمَكّنُ منْ سَدِيميّةِ الْخطابِ حينَ يَعلُو الْخِطابُ التّشْكِيليّ على سُلْطانِ الْألْفَة الْبَليدَة ، والْعادَة وَ الْاِعْتياد … وَ حِينَ يُصْبِحُ للْمادّةِ شكْلٌ هَيولانِي يتكلّمُ بِلغَةِ الظّلّ والضّوء ، معْجونَيْنِ بِثقافَة اللّونِ حينَ اللّونُ يَخْرُجُ منْ قَبْضَةِ الطّلاءِ الصّناعي ، الْمتحوّل في مشْكاةِ هذا ” الْبوهِيميّ ” إلى حِنّاءَ لا تقْليدِيّة ، حِنّاءَ ناعِمَة عالِمَة بِآلياتِ تَسَرّباتِها بينَ تلافِيفِ الظّلّ والضّوء واللّون …

فلْنَنْظرْ إلى ما نَدّعِي منْ قِراءَة لهذا الزّخْمِ الْمُشاكِسِ ذاتَهُ فِي جُرْأة فنيّة تخْتَرِمُ الْأشْكالَ الْمُحجّمَة والْأجْسادَ الْمباشِرَة لِتفْتِكَ بِالْمعْنى على مَقاصِلِ اللّامعْنى :

وَ فِي غَيْرِ اسْتلْهامٍ لِ ” سالْفادور ” ، وَ بِبَصْمَةٍ ” فؤادِيّة ” مغْرِبيّة موغِلَة في الْأصالَة ، يَشْتَبِكُ السّرْياليّ مع الزّخْرَفَة الذّكيّة مع الْخطّ الْعربيّ لِتشْكِيلِ عالَمٍ موْسومٍ بلَعْنَةِ الْبحث ، في حرَكيّة دائِبَة ، ترومُ النّحْتَ في جَسَدِ الْحجَر لاسْتِخْراجِ الْمُمكِناتِ الْوجوديّة واللّامُمكِناتِ ، و الّتي تتأرْجَحُ بيْنَ احْتِمالٍ وَ إمْكان … بيْنَ نقْصٍ واكْتِمال … بيْنَ وهْمٍ وَ واقع … بيْنَ رؤيَة وَ رؤْيا …

في هذا الْعالَمِ الْموْسومِ بِالْعجائِبي ، تنْفَلِتُ أيْقوناتٌ ، أوّلُها إنْسانٌ فاقِدٌ للظّلّ ، بِغيْرِ أفُق ، وعلى غيْرِ أديم ، ودونَ تقاسِيمَ تَفْضحُ هُويتَه … وجْهُه للْحجَر وَ ظهْرُهُ للْمجْهول … يتدثّرُ وَ لا يَتدثّر … بِذراعٍ تنْخَرِطُ في خِيمِياءِ الْحجَر … تغْرَقُ في بَطْنِهِ المُتَصلّبَة … تقْتَبِسُ منْهُ امْتِدادا أسودَ … في غَيْرِ حوارٍ ، وفِي صَمْتٍ خُرافيّ …

وَ ثانِيها ، حجَرٌ ثلاثِيّ التّمسْرُح ، شاغِلٌ للْمسافاتِ … واحِدٌ سماء … وَ ثانٍ يَتَوسّطُ اللّوحَة في إمكانِ الْقبْضِ … وَ ثالِثٌ يتسَفّلُ أرْضا لا كَالْأرضِ … وأديماً لا كالْأدِيم . وجودٌ مهَيْمنٌ على مساحاتِ الْالوانِ كما هُوَ مُهيْمِنٌ على ساحاتِ النّفس … في وقاحَةِ الْأصْفَرِ و صَراحَتِهِ الْفاتِكَة ، حيْثُ يتّخِذُ اللّونُ الْأصْفَرُ الْمتزَوّجُ لَعْنَة الْأسودِ الْمتنازِلِ عنْ سوادِه ، بُعْدَ السّلْطَة الْمُسَيّجَة لِحرًكِيّة الْإنْسان .

وَ ثالِثُها ، زَخارِفُ تنْسُجُ عالَمها الْحِنّائيّ منْ أشْكال هنْدسِيّة تتَمرّدُ على صَرامَةِ الدّقّة والْقِياساتِ الصّارِمة ، لِتتشَكّلَ مُعَيّناتٍ وَ مُثلّثاتٍ مَفْتوحَة وَ مُؤطّرَة بِأذْرُعٍ انْسِيابِيّة تسْتعْصِي على الْقبْض ، كما تَسْتعْصِي على سُلطانِ الْاسْتِيعاب السّطْحي لأبْعادِ الْخطاب … وَ لِكيْ تدْخلَ متاهَاتِ الْغُموضِ ، فإنّها تتوسّلُ كلّ الْألوان ، في سِياقاتٍ متنَوّعَة ، وَ في غيْرِ سيمِتْرِيّةٍ تدّعِي ضبْطَ مِيكانِزْماتِ التّدفّقِ الصّباغِي في كفّ هذا الْفنّان الْمشاغِبِ ، والّذي اخْتارَ لعْبَةَ السّؤال بَدَلَ لُعْبَةِ الْإجاباتِ الْبليدَة .

وَ رابِعُها ، مجْهولٌ عَرفَ السّيد ” أبو أميمَة ” كيفَ يُوزّعُهُ بذكاءٍ نوْعيّ في سَديمِ ” الْماحول ” … الْأولُ خلْفَ أيقونَةِ الْإنسانِ في رؤْيةٍ تدْخلُ في اللّاإمْكان ، كما سبقتِ الْإشارَة … وَ الثّاني ، أمام ، حيثُ لوْنُ الْأسودِ بِدلالاتٍ عميقَة ، تَشِي في خُلاصَةِ التّخْرِيجِ ببُعْدِ الْأفقِ الْغامِضِ الْحامِلِ لألْفِ إمْكان … وبيــْنَ اللّاإمْكانِ وَ الْإمْكانِ ، انْفَصَمَتْ رؤْيَةُ الْإنسانِ بِدليلِ إحْجامِ الْفنّانِ عنْ تنْوِيرِ الْمتفرّجِ على لوْحتِهِ داخِلَ تقاسِيمَ واضِحَة ، بِرأسٍ تمْتَحُ مادّتها منَ الضّوء ، وتُكسّرُ توقّعَنا لِمفْهومِ الْإنسان .

وَ خامِسُها ، أيْقونَة الْخطّ الْعربيّ ، بثلاثة أحْرُفٍ متّصِلَة { الْحاء – الْجيمُ – الرّاء } بِألوان مخْتلِفَة ، في قصْدِيّةٍ جميلَة ، تخْتارُ منْ مِساحَاتِ اللّوحة بُؤْرَة الْوسَط ، داخِلَ كَيْنونَة الْأصْباغ ، كما داخِلَ كيْنونَة الْإنسان … معَ تَمْويهٍ تلْقائي لِحرْفِ الرّاء ، الْباهِتِ تجَلّيهِ وَ الْمتماهِي معَ امْتداداتِ الزّخْرَفَة ، في عملِيّة اتّصالٍ وانْفِصالٍ ، حفاظا على هُويّةِ الشّكْلِ وَ حِفاظاً على الْاقلّ الضّرورِي منَ الْتّداخُل .

وَ سادِسُها ، وَ سابِعُها ، وَ ثامِنُها … وَ أوّلُها ، وَ آخِرُها … أيْقوناتٌ متعدّدة ، متجلّية ومتمَفْصِلَة على الْقمّاش ، وأخرى رافِضَة للدّخولِ في لُعْبَةِ الْإجابات … تارِكَةً عُنفوانَ اللّوحَة يتكلّمُ بِلُغاتِهِ الْمُلْغِزَة عبْرَ ذكاءِ اللّونِ والظّلّ … منْ كفّ ، تتّخِذُ منَ الْحجَرِ فلْسَفَة تؤطّرُ مشْهَدَ الْإنسان وهوَ يَعِيشُ ” الْماحَوْلَ ” في لبْسِ الْحياةِ وَ وضُوحِ الْحياةِ ، وَ هُزْءِ الْحياة … وكأنّني بالسّيد ” أبو أميمَة ” يرِيدُ أنْ يعْزِفَ لنا بلغَةِ الْأصْباغِ مَعْزوفَة الْوجودِ الْمسَيّجِ بالْقسْوة ، حتّى لا تَرْكَنَ الذّاتُ الْإنسانيّةُ إلى وَتَرِ الدّعَةِ وَ الْارْتخاء … وَفي هذا السياقِ ، أطْلُبُ منْ أخي ” أبو أميمَة ” أن أقولَ لهُ : أنتَ جميلٌ وَ مشاكِسٌ وعَميق … وَ إنّكَ بِهذا السّفَر الْماتِعِ في بوْتَقاتِ الْألوان ، تُذكّرُني بالشّاعِرِ الْقدِيم ” تَميمُ بنُ مُقبِل ” وَ هوَ يقولُ :
ما أطيبَ الْعيش لوْ أنّ الْفتى حَجر – تنْبو الْحوادِثُ عنْهُ وَهو مَلْمومُ

نون حاء

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: