الرئيسية / دراسات / قراءة في ديوان :عطفا على خصر الكمان لبوعلام دخيسي .مصطفى فرحات

قراءة في ديوان :عطفا على خصر الكمان لبوعلام دخيسي .مصطفى فرحات

جمعية شروق الأصيل .قراءة في ديوان :عطفا على خصر الكمان للشاعر بوعلام دخيسي للشاعر والناقد الأستاذ مصطفى فرحات في حفل التقديم والتوقيع المنظم من طرف جمعية شروق الأصيل خلال المهرجان العربي للشعر في نسخته الثانية عندما يكون القصيدة دليل العارفين
قراءة في ديوان عطفا على خصر الكمان
للشاعر بوعلام دخيسي

يقول الشاعر في قصيدة “لست ككل الشعراء”:
قل للناس أنا غير الناس
……………….
كان ومازال الشعر عصاي
إذا قصرت ساقي
كان الصاحب في الرحلة
كان الزاد. (ص/ 73).

المنصت للتجربة الشعرية في ديوان “عطفا على خصر الكمان” للشاعر بوعلام دخيسي سيلاحظ أنها تنبثق من جذور مركزية ثلاث تتعالق فيما بينها لتبني علاقة وحدة لا تنفصم، ومنها يتأسس الجدع لينبت أغصانا تتفرع في شتى الاتجاهات لتتنفس الضوء، فتنمو فوقها براعم طرية وأوراق فالثمار بألوان وأشكال ومذاق متنوعة هي عصارة هذه التجربة.

هذه الجذور الثلاث هي: الذات والعالم والشعر. وستحاول هذه المقاربة أن تتبع كل واحد منها على حدى لنرى إلى عمقها وتجلياتها ورهاناتها وتفاعلها فيما بينها لتشكل وحدة متكاملة يكون الجامع بينها الرؤيا الشعرية التي تحكم تجربة الشاعر في كليتها.

الجذر الأول: الذات الشاعرة في علاقتها بنفسها

تكررت لفظة «شاعر/شعراء” (09 مرات). حضورها شبه الباهت تفسره تواتر مفردات أخرى مرتبطة بها كالشعر والحرف والكلمة… كما سنرى في الجذر الثالث. وكأن الشاعر يلغي الذات الشاعرة ويعلي من قيمة الشعر، وهذا منطقي إذا ما اعتبرنا أن المقول هو الذي يدل على القائل وليس العكس. (فليس كل من نطق مجازا أو تشبيها أو استعارة هو شاعر).

تعيش الذات الشاعرة في الديوان بأبعاد متعددة، منها ما هو باطني/جواني. ومنها ما هو خارجي/براني. وسنلقي الضوء على البعد الأول مؤجلين الحديث عن البعد الثاني لارتباطه بتجربة الجذر الثاني في هذه المقاربة. وسنركز على ثلاث حالات وجودية تحيا فيها وهي:

الحالة الأولى: الاغتراب

يعتبر الاغتراب ظاهرة عامة في الشعر العربي الحديث، ولكن يبقى كل شاعر يحمل غربته الخاصة به، ويعبر عنها بأسلوبه الخاص. وتبدو ذات الشاعر في حالة اغتراب مضاعف: الاغتراب عن ذاتها، والاغتراب عن عالمها، وهو ما يدفعها إلى البحث المستمر عن هويتها المفقودة والضائعة. يقول في قصيدة “صوت الغياب”:

ما زلت أبحث في الحروف
لعلني أجد الدليل
على وجودي المنكر. (ص/103)

يتضاعف الإحساس بالغياب عندما تفقد هذه الذات بوصلة الزمن لتصبح كل الأزمنة زمنا واحدا سرمديا يمتد بلا بداية ولا نهاية، بل يفقد هو الآخر كينونته ليصير اللازمان. إنه رغبة الذات المحبطة في الخلود وتطلعها إلى الأبدية. يقول في قصيدة “ربما”:

لست من زمني
ربما.. !
أو بلا زمن
ربما.. !
ربما أخطأ القلب دورته..
دق في غير موعده
ربما.. ! (ص14)

الحالة الثانية: الحزن

هذه المراوحة بين الكينونة في الوجود واللاوجود هو ما يؤجج احتراق الشاعر وحيرته واغترابه، ويولّد لديه الشعور بلا معنى هذه الكينونة. وإن شاءت أن يكون لها معنى، فهو اليأس والضياع. وبالتالي تحمل الألم. وعبر الشاعر عن هذا الوضع المأسوي بمفردات تؤشر على تأصله في ذاته مثل الحزن (16 مرة)، الدمع (16 مرة)، البكاء (4 مرات).. ليتعمق الإحساس بالجرح والمعاناة. في حين تحضر المفردات الدالة على الأمل بنسبة أقل، منها: الماء (7 مرات)، الريح (مرتين) والنهر والنبت والزهر…ليبقى الخلاص بعيدا وقد يأتي أو لا يأتي. يقول الشاعر في قصيدة “لي من الحزن ما يكفي”:

لا موانع عندي
سأكتب شعري بالدموع (ص/24)

إن إرادة الألم ومكابدته هي خاصية الصوفي، ففيها يتحقق مراده، وتلك مأساة العارفين.

الثالثة: العشق

الحب ناقة الشعراء والمحبين لله. به يقطعون فياذات في الذات عندما تعوي فيها رياح القحط والجذب والبوار.. وحده العشق من يمنح لهذه الذات إمكانية تجاوز محنها: محنة الهوية والكينونة والمعرفة الناقصة لتصل إلى من منابع المعشوق، تروي شغفها وشوقها، وتتعرف على نفسها فتتصالح معها وعالمها وتتجاوز جهلها وتزول حيرتها وقلقها. وتتكرر ألفاظ بعينيها للدلالة على هذا الشغف مثل: “الشوق” (10 مرات). “الفؤاد/القلب” (11 مرة). “الحب/المحبة” (14 مرة). “الهوى” (6 مرات). إضافة مفردات لها ارتباط بنفس الحقل الدلالي كالعشق والغرام.. إنه الحنين للقاء المحبوب والتوحد معه. يقول الشاعر في قصيدة “هامش الأشياء”:

الحب قال الفيلسوف
وقد تقدم سنه في العلم
خارطة النجاة. (ص/53).

إن الشاعر يعلي من مشاعر المحبة والعشق باعتبارها أرقى أنواع العواطف التي تشكل العلاقة بين الحبيب والمحبوب وكلما كان هذا الأخير بعيدا كلما تأججت هذه العواطف. إنها تقوم على المفارقة والاغتراب.

الجذر الثالث: عالم/عوالم الذات الشاعرة

قد نفعل الممكن والمستحيل لننجو ونحقق الخلاص لأنفسنا من عالم يشعرنا بأننا لا ننتمي إليه فنحترق بعزلتنا ونتحملها على مضض لكن العالم لا يأبه بمعاناتنا، إنه يلاحقنا ويطاردنا ويقتحم علينا خلوتنا. وقد تصفرّ صورة الخارج وتبهت، لكنها سرعان ما تستعيد نظارتها وألوانها الفاقعة. والشاعر لم يستطع أن يتخلص من الخارج فتتردد مفردات تدل عليه ك “الأرض” (6 مرات). و”الوطن” (10 مرات). و”الطير” (08 مرات). و”الحجر/الصخر” (06 مرات) إضافة إلى موجودات أخرى كالشمس والبدر والزهر والنور.. هذا الخارج يحضر ليعمق معاناة الشاعر. يقول في قصيدة “لي من الحزن ما يكفي” معلنا التزامه بقضايا أمته:

سأصرح بالممتلكات فلا تعجل
وسأكتب وطني
يا سارق وطني وستخجل. (ص/31).

ويحضر الخارج كمعالم وظواهر تدعوا للتأمل فيها باعتبارها مؤشرات ودوال تحيل على حقائق خفية يسعى الشاعر إلى استجلائها فيرتدي عباءة الصوفي ليسأل ويتساءل في ما وراء المرئي ليقينه أنها تتضمن في جوهرها بذور حقائق الوجود الكبرى التي تنكشف للعارفين الذين يملكون المعرفة الصحيحة، والرؤيا الذكية الثاقبة. وهكذا يرى الشاعر أن للماء لسان، وللخر ذاكرة، وللأرض قدمين، ولليل قلب، وللغيم عين… يقول في قصيدة “هامش الأسماء”:

الأرض أول من مشت
…………
الأرض أول من صحت
…………
الحلم أكبر كاذب
………..
أصم هذا الصخر
كيف ي
حفظ للحضارات التي عبرت
تفاصيل الكلام. (ص/47).

إن الأشياء والظاهر المرئية من زاوية رؤيا ومنظور الشاعر لا قيمة لها في حد ذاتها بل قيمتها في ما تمثله من رموز وإشارات ودوالّ تشير إلى معاني رمزية تشكل جوهر الوجود.

الجذر الثالث: الشعر والذات الشاعر

تتكرر المفردات المرتبطة بالشعر على امتداد التجربة الشعرية إن لم تكن جوهرها، وبنسب متفاوتة. فنجد “الكلمات/الكلام/القول” (11 مرة). “اللحن/القافية” (09 مرات). كما وظفت كلمات في نفس المنحى “النظم” و”البيت” و”الشطر” و “القريض” و”النص” (مرة واحدة). وتبقى المفردات الأكثر هيمنة هي: “الشاعر/الشعراء” (09 مرات). “الحروف” (23 مرة). “الشعر/أشعار” (54 مرة).. هذا التواشج بين الشعر والذات يعكس حجم تعلقها بالقصيدة، ويؤشر على ارتباط وجودهما معا. فتحقق كينونة الذات واكتمال معرفتها لا يكون إلا بالشعر وفي الشعر. وبالتالي لا معنى اعتبار الشعر مجرد كلام موزون ومقفى وله معنى. بل هو طريق المعرفة التي تدلنا على الحقائق الباطنية، بفعل التخييل والمكابدة نتوصل إليها، وبفعل الإيقاع والصورة الشعرية نعبر عنها. فبالشعر تصبح هذه المعرفة مرئية وقابلة للإدراك عبر حواس غير تلك التي تعودنا أن ندرك بها ذواتنا وعالمنا. يقول في قصيدة “صوت الغياب”:

ما زلت أبحث في الحروف
لعلني أجد الدليل
على وجودي المنكر (ص/103).

والشعر كتاب الشاعر المقدس الذي يتلوه ويقرأ فيه صلواته، ويمده بالطاقة الروحية لتجاوز محنه. وكما رافقه في حياته، وكان السند والنور الذي أضاء ويضيء له عتمات الوجود، فأمنيته أن يرافقه وهو يغادر هذا الوجود. يقول في قصيدة “ألم أقل لكم..؟”:

ببالغ الحـــــــزن أنهي أنني مت وأن دفنــي غدا، فليخبـــر الصمت
وليقرإ الشعر ترتيلا على جسدي بما تيسر، يكفــي القــــارئ البيت
وليتخذ كفنا هذا الغــــلاف على ديوان شعري وعنواني الذي كنت (ص/35).

كلمة حول الشكل

المضامين التي شكلت بؤرة التجربة الشعرية كان لا بد لها أن تتمظهر في أشاكل معينة، وهي ما نسميها عادة بالظواهر الفنية التي ساهمت في بناء دلالات النص وجمالياته. وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى جملة من هذه الظواهر التي طبعت التجربة الشعرية وهي:

1. تبني الشاعر لقصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية بشكل مستقل أو المزاوجة بينهما في نص واحد كما هو الشأن في قصيدة “ألم أقل لكم..؟” وهو دليل على قدرة الشاعر على تنويع إيقاعاته الخارجية بحسب ما تقتضيه التجربة الشعرية، كما أن تعايش الأشكال (الحداثي والتقليدي) تجعل هذه التجربة مرتبطة بالأصول ومنفتحة عن الجديد.
2. من المظاهر الفنية المثيرة للاهتمام ظاهرة التناص. فالشاعر يثري التجربة الشعرية من خلال استحضار نصوص تراثية تحيل على الشعر والدين والتاريخ والأسطورة وترتبط بتجربة الاغتراب والنفي والحياة والموت والوجود.. ونذكر على سبيل التمثيل وليس الحسر:

2/أ. توظيف الشعر: جاء في قصيدة “أوراد شاحبة”:
لكم عيد ولا عيد لديّا ولا قبل تصبح يا يديا (ص/63)
وهو مطلع يذكرنا ا بمطلع لقصيدة المتنبي وهو يعيش تجربة الاغتراب في بلاط كافور الإخشيدي بمصر وهو:
عيد بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم لأمر فيك تجديد.
لاشك أن تشابه حالتي الشاعرين النفسية والاجتماعية اقتضت هذا التوافق والانسجام على مستوى الإبداع.
2/ب. توظيف الأسطورة: في قصيدة “هامش الأسماء”. وهي قصيدة تأملية في الحياة والموت/الوجود والعدم ومحاولة استقصاء البدايات عبر محاورة الظواهر الطبيعية، وهي نفس الوضعية التي وجد فيها جلجامش نفسه وهو يبحث عن عشبة الخلود في مواجهة قدر الموت. وعندما يموت صديقه أنكيدو لم يعرف كيف يواريه الثرى بعد أن تعفنت جثته فكان الغرب دليله. يقول الشاعر:

الطير يخشى أن يسافر وحده
شهد الجريمة وحده
أفتى ببطن الأرض للموتى
ورفرف عاليا. (ص/48).

كما وظف الشاعر القصص القرآني كقصة موسى وسليمان وأهل الكهف والنبي يونس… ولا بدّ من الإشارة إلى غنى النص بالجمل والصور المشبعة بالنفس الديني من مثل: (- ليلة القدر لا تختم بالفجر- سبح للقيوم الحي- الآية والكرسي – سافرت بالروح نحو العرش تسأله القبور…)

على سبيل التركيب

ديوان “عطفا على خصر الكمان” تجربة شعرية تقدم نفسها بتميز داخل فضاء لالشعر العربي عامة والشعر المغربي خاصة ولتحقق هذا الرهان شقت لها سبلا خاصة على مستوى الشكل والمضمون:
أ- على مستوى: تحمل رسالة مرتبطة بتجربة روحية عميقة فيها كثير من المعاناة دون أن تنفصل هذه التجربة عن الواقع الذي لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال لأن الإنسان في نهاية الحكاية جسد يشغل حيزا في المكان والزمان، ويرتبط بعلاقات معقدة بينه وبين ذاته ومحيطه الاجتماعي ـ الإنساني، والطبيعي ـ الفيزيائي.
ب ـ على مستوى البناء: زاوج بين الشكلين الحداثي والتقليدي موظفا إيقاعات ذات بعد روحاني صوفي، فهناك إيقاعات خفيفة تحيل على الرقص الصوفي الذي يتخذ الدائرة شكلا للعرض، وبطيئة تدعونا إلى التأمل والسفر للمناطق الخفية في كينونتنا. إضافة إلى انتقاء الألفاظ المشحونة بالإيحاءات الدينية والوجدانية تبعث الحنين والشوق إلى الماورائيات والحقائق التي تخفي نفسها بعناية..

وقد وفق الشاعر بوعلام دخيسي في كسب رهانه وهذا ليس بغريب عن شاعر يجمع بين الموهبة والمعرفة والتجربة.

المصطفى فرحات
ابزو : 01/04/2018.

مع تحياتي

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: