الرئيسية / مقالات / علاقة الفلسفة بالشعر:التقاطع والتنائي.(*) محمد رمصيص/المغرب

علاقة الفلسفة بالشعر:التقاطع والتنائي.(*) محمد رمصيص/المغرب

علاقة الفلسفة بالشعر:التقاطع والتنائي.(*)
محمد رمصيص/المغرب.
ثمة عدة مداخل ممكنة لمقاربة علاقة الفلسفة بالشعر ومنها:مدخل مساءلة الغايات المقصدية من كل حقل معرفي (الإمتاع أو الإقناع او هما معا).ثم شرفة مساءلة صورتا الفيلسوف والشاعر في وجداننا الجمعي. وعتبة ثالثة من خلال مساءلة أدوات اشتغال كل واحد منهما.
1-في اختلاف النسقين معرفيا.
يختلف الشعر عن الفلسفة في وضعه العقل كأداة لإنتاج معرفتها في مأزق.فالشعر يقترح أدوات جديدة للمعرفة وهي الحدس والتنبؤ كأداتين لإنتاج المعنى.الشعر بالنتيجة ليس معرفة مباشرة فهو يلعب مع المجهول وبه ومن خلاله.. يستدعي الماوراء بالاستشراف.فبتوسل الشعر الرؤية الاستبصارية والخيال يكون الشاعر قد استحق صفة الرائي.علما أن الخيال كان مبخسا بالنظر للعقل إلى حدود القرن الثامن عشر.. ومع فلسفة عصر الأنوار تراجعت هذه النظرة له حيث كان يعتبر أداة مفضية للخطأ.. ومنذ تلك اللحظة صار الخيال مادة خصبة للتحليل النفسي بل وصار علاجا ووسيطا لخلق توازن نفسي وإلا كيف نفهم الذهاب للمسرح والسينما والشعر.فالذهاب للمتخيل أسس لثقافة الخروج بنية التطهير الأرسطي.
لكن إذا كان الشعر معرفة ظنية فهذا يعني أنه معرفة غير قابلة للرصد العلمي الدقيق.فالشعر بسبب عدم انتظام إنتاجه وتكراره بدقة في زمن محدد يصعب وصف ظاهرته وتفسيرها فضلا عن التنبؤ بها والأحرى الحكم عليها.وإذا كانت وظيفة الشعر هي إنتاج الجمال بصرف النظر عن تطابقه أو تنافره مع الواقع.ألا يحيلنا هذا على التعريف النتشوي للشعر باعتباره أعلى مراتب الزيف والكذب وإرادة الخداع وهنا يبعد عن الفلسفة تماما. وإذا اعتبرنا الشعر منتوجا جماليا هل هذا يخلصه من النفعية.وإذا كان الشعر يتقوى بالمراس والدربة ألا يسقط هذا الشاعر في التكرار والحال أن الإبداع يتأسس على التجدد والاختلاف..إن ما تعجز الفلسفة عن الإجابة عنه وتعلق البحث فيه إلى حين يأتي الشعر بمجازه وأقنعته ورموزه مراهنا على التأثير العاطفي بينما غاية الفلسفة هي الإقناع استنادا على العقل و الاستدلال.لكن مع ذلك على الشاعر أن لا ينسى أن وظيفة اللغة هي الخيانة فنحن لا نعبر إلا في حدود الكلمات التي نعرف في حين ما نحس به هو أكبر بكثير مما نعرف من الكلمات.كما أن اللغة التي نعبر بها شيء جماعي بينما الأحاسيس شيء فردي تماما والمسافة كبيرة بين الاثنين.ترى هل تلبي لغتي المحدود قول ذاتي وأين أنا بين ما أقول وأصمت عنه؟بل إن الحالة الشعورية حالة كلية ومتصلة وتجربة الكتابة عنها متقطعة بل ومتخللة بالنسيان والمحو والمكبوت الأمر الذي يعني استحالة تطابق التجربة بالكتابة.لكل هذه الاعتبارات نفهم استبعاد أفلاطون للشعراء من مدينته الفاضلة لأن آليات التعبير ووسائط التبالغ غير مضمونة المعنى ومنها المجاز والرمز والخيال والقناع ..آليات تواصلية في نظر الفيلسوف ماكرة ومخادعة ولهذا سيتكرر هذا الشك الأفلاطوني في التخييل والشعور والإبقاء على التفكير المنظم والواضح مع الكوجيطو الديكارتي”أنا أفكر إذن أنا موجود”مع إسقاط الشعور والحس العاطفي المجرد…
وفضلا عن كل هذا تعطي الفلسفة الأولوية لسؤال ماذا أقول؟بينما الشعر يعطي الأولوية لكيف أقول؟لكن رغم كل هذه الاختلافات تلتقي الفلسفة بالشعر في السياق الإغريقي مثلا في الانطلاق من نفس النقطة ومخاطبة نفس الجمهور .أقصد بدلك الساحة العمومية (l agora) مكان مخصص لاقتسام المعرفة ودمقرطة الوعي..مكان شبيه بخيمة النابغة الذبياني وإن اقتصرت خيمته على الشعر وانفتحت ساحة المدينة الإغريقية على السؤال السياسي والفلسفي والجمالي..
نخلص إلى استنتاج تركيبي مفاده أن متعة الفلسفة تكمن في الشك وطرح السؤال لكن متعة الشعر تبدأ بالتصديق لأنه لا يمكننا الاستمتاع بالشعر قبل أن نصدقه لنتأمل هذه القصيدة ونعود لمقارنتها بمقولة فلسفية.يقول كريم العراقي في قصيدته”معطفي”
لما استعارت معطفي
فورا تغير موقفي
يا برد أينك من دمي؟
أنا شعلة لا تنطف
الكل من حولي هتف
برد رهيب وارتجف
وأنا عن الكل اختلف
في داخلي دفء خفي
فهي استعارت معطفي.
يا معطفي ما أسعدك
قربي وما أبعدك
حاولت أن لا أحسدك
يا ليتني أنا معطفك.
وبخلاف هذا المقطع الشعري الذي يراهن على الإمتاع تحضر المعادلة العلائقية بغاية الإقناع:
كل إنسان فان
سقراط إنسان
سقراط فان.
ويتضح جليا على هامش هذين النموذجين أنه كلما ارتفع منسوب التصديق كلما مارس الشعر تأثيره.في الفلسفة العكس تماما كلما حضر الشك واشتدت ضراوته كلما زاد توهج السؤال.
2-أما المدخل الثاني فالقصد به صورتا الفيلسوف والشاعر. أعتقد أن أول صورة للفيلسوف تقفز للذاكرة هي صورة سقراط الذي أدى الثمن غاليا بانتصاره للحكمة حيث أعدم بشرب السم لكنه مع ذلك ظل مبتهجا بالحوار الفلسفي حتى آخر أيامه.وإذا كانت أثينا قد توفقت في إعدام جسد سقراط فإن روحه الفلسفية تغلغلت فيها من خلال فكر تلامذته..ففكر سقراط كان أكبر من أن يحاصر لأن وظيفته كانت هي توليد النفوس العارفة وتجنيبها فخ السفسطة..علما أن سقراط لم يكن يعتبر خصمه هو الحاكم أو رجل الذين بقدر ما نصب من الجهل عدوه الأول والأخير تماما كما أن القبح خصم الشاعر.كان الحاكم خائفا على منصبه أكثر من خوفه على إفساد عقول الشباب. وكان سقراط خائفا على مآل الإنسان فدبرت له تهمة هي أقرب إلى الحاكم ورجل الدين منه ..لكن منطق الصراع رجح كفة الحاكم ومنذ تلك اللحظة التراجيدية صارت الفلسفة عدوة مضطهدة من السياسة.فقط يشترط المقام هنا تجديد السؤال حول فعل إقدام سقراط على تناوله السم.ألم يكن متهورا بشربه وترك المدينة في غربة عن الفلسفة،أم أنه فعل ترجم شجاعة قتل خوف المفكر في عيون الحاكم؟سؤال نتركه مفتوحا كما هو جرح الفلسفة.مع وجوب التشديد هنا أن سلطة الفيلسوف مستمدة من الأرض وسلطة الحاكم ورجل الدين مستمدة من السماء..لهذا نجد الفيلسوف بما أنه محرض على المعرفة غير مرغوب فيه تماما كما هو تحريض الشاعر على الجمال والحياة.لكنهما وإن اتفقا من حيث الهدف فإنهما يختلفان من حيث أدوات الاشتغال.وبالعودة إلى موت سقراط يلاحظ أنه ذكر نثرا من طرف تلميذه أفلاطون ولم يخلد شعرا ربما لأن الحدث جلل لا يستوعبه أي رثاء مهما كبر.وتجدر الإشارة هنا أن سقراط نفسه لم يترك كتابا وكأني بلاوعيه كان يقول أن وظيفة الفلسفة هي تعلم فن الحياة.نخلص إلى أن الفيلسوف يقدم أداة التفلسف ونقصد بذلك:السؤال والحوار والحجاج والمناقشة بينما الشاعر يعطيك العالم البديل أو كونه الشعري مكتملا وهو غير معني أو ملزم بالكشف عن كيفية وصوله لذلك.
أما صورة الشاعر في وجداننا الجمعي فتحضر غالبا صورة هوميروس الشاعر الأعمى الذي عاش مابين القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد وإن كانت حياته موضع جدل وشك.شاعر جعل من الموت الجماعي والحرب لحظة شعرية من خلال الإلياذة والأوديسة.تحفتان تطرح علينا أكثر من سؤال:أولا كيف لشاعر ضرير أن يصف أدق تفاصيل الحرب؟وكيف لذاكرة أن تحفظ ستة عشر ألف بيت شعري.بل وكيف توفق في جمع الشعر والحرب في هذا الحيز الممتد..علما أن الشعر ينتصر للحياة والحرب يفضي للموت.ربما لتوثيقه للحرب أعتبر مؤرخا أكثر منه شاعرا.ثم هذا السؤال الوجودي الذي لا يفارق قارئ هوميروس:ما جدوى كتابة الحرب ونزيف الموت مستمر؟ترى هل يمكن اعتبار الشعر وسيلة للحلم بالسلم والسلام وشجب القتل.ربما كان وصفه مثلا لسهم يخترق اللحم الآدمي،وصف سهم يتربص بحياة الأبرياء يحمل بعض المقاتلين على التفكير ألف مرة قبل الرمي به على الخصم.
ونفس المسار المأساوي لصورتي الفيلسوف والشاعر يتكرر في الثقافة العربية يكفي استحضار ابن رشد(ق6ه)الفيلسوف الذي جمع القضاء والطب والفلك والفقه وانتهى به السياق للنفي..إن النهاية المأساوية لهذا الفيلسوف تعيد للأذهان فجيعة سقراط.فيلسوف انتصر بدوره للعقل فكان الثمن حياته.رفض التصور اللاهوتي الأشعري التقليدي ورد على الغزالي ومن معه ولهذا بالذات اعتبرت الفلسفة الرشدية بالغرب تمهيدا للعلمانية.فعد عند الغرب أهم شراح كتب أرسطو ومن ثم تأثيره في الفكر المسيحي(توما الاكويني)واليهودي( موسى بن ميمون)..ونظرا لأهمية ابن رشد فقد ذكر بالاسم في الكوميديا الإلهية لدانتي وكتب عنه لويس بورخيس قصة تحت عنوان”بحث ابن رشد”وأنجز عنه يوسف شاهين فلما سينمائيا سنة 1997( المصير).ونظرا لجدة طرح ابن رشد العقلاني نفاه المنصور الموحدي لأحواز مراكش حيث مات ودفن بقرطبة..علما أن المنصور نفسه ظل يدرس الفلسفة خفية من الفقهاء المتطرفين الذين رفضوا عقلة العلوم الدينية.وفي نفس البنية الثقافية العربية تحضر صورة المتنبي الذي عاش النصف الأول من القرن الرابع الهجري حيث يعاب عليه أنه كرس معظمه لمدح السلاطين والأمراء وإن كان أحيانا يبدأ بمدح ذاته لكن مأساته تكمن في أنه قتل بالشعر الذي كتب.بالنتيجة لا ابن رشد ولا المتنبي انتهوا للحذف بما خطوه من أثر كتابي..نهاية تحيلنا من جديد أن فعل المعرفة فعل مكلف جدا و باهظ الثمن منذ قصة الخلق والطرد من جنة عدن إلى الآن..الموت بهذا المعنى ليس حدثا بيولوجيا ولكنه حدث تراجيدي في حياة الفيلسوف والشاعر لأنهما من خلال الكتابة بحثا عن الحياة فوجدا نفسيهما وجها لوجه مع الموت..
3-في تباين أدوات الاشتغال بين الفلسفة والشعر.
يتوسل الحقلان المعرفيان معا تقريبا نفس الأدوات:الرمز والقناع والأسطورة والسؤال والحيرة لكن كل يوظفها لهدف مختلف عن الثاني.ولنأخذ مثلا دهشة الفلسفة فهي دهشة تساؤل بينما دهشة الشعر فهي دهشة إعجاب ..كما أن دهشة الشعر مقرونة بالغريب والمختلف أما دهشة الفلسفة فتحضر حتى مع المعتادة كسقوط تفاحة نيوتن على الأرض ومع ذلك كانت مدهشة له ومستدعية للسؤال :لماذا سقطت للأسفل وليس للأعلى؟تبقى الدهشة حسب أرسطو هي أصل التفلسف ولحظة حضارية انتقل فيها الإنسان من الميتوس إلى اللغوس.وفضلا عن كل هذا دهشة الفلسفة متبوعة بسؤال خلافا لدهشة الشعر المتبوعة باستمتاع.في الأول هي فعل، في الشعر هي رد فعل..بالنتيجة دهشة الشعر جمالية ودهشة الفلسفة معرفية.والمتعة بطبعها مدمرة ومحاصرة لكينونة الفرد الملتذ.. فما أن يجد الفرد نفسه في رحابها حتى يفقد التوازن لهذا يلزم دوما أخذ مسافة معها،فالشعر بمنحه المتعة يستدعي الاطمئنان وحيثما حلت السكينة وجد التقديس وحيثما ساد الشك حضر القلق الخصب المنتج للسؤال.
نفس التباين نلمسه في توظيف الأسطورة: فهي في الفلسفة نمط تفكير حول نشأة الكون ولحظة معطاة من تاريخ الحضارة والإنسان أما في الشعر فهي أداة لتخصيب خطاب القصيدة وبناء رؤية الشاعر.إن الشعر عندما يتوسل التأثير بالرمز والقناع والمجاز فهو يكتب القصيدة باللاوعي ويسمعنا ذاك الآخر الموجود بداخلنا ولا نستطيع أن نراه إلا بهذه الوسائط التبالغية.ومع ذلك تبقى نقط التماس بين الشعر والفلسفة واضحة يكفي مراجعة أشعار أبي العلاء المعري التي بنيت في العمق على تأمل فلسفي يساءل جرح الموت والتيه وسؤال المصير والمآل.وقس على ذلك أعمال هولدرين وشارل بودلير..هولدرين الذي كان يسميه هيدكر بالشاعر المفكر….
——————
(*)نص المداخلة التي تقدم بها الباحث في ندوة المهرجان العربي للشعر في نسخته الثانية.28/7/2018

L’image contient peut-être : Mohammed Ramsis, texte

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: