الرئيسية / دراسات / ورقة نقدية لقصّة “ردّ لي وجهي” – بقلم رشدي بن صالح سعداوي

ورقة نقدية لقصّة “ردّ لي وجهي” – بقلم رشدي بن صالح سعداوي

 

للكاتبة لمياء نويرة بوكيل- تونس الفائزة بالمرتبة الأولى مكرّر في مسابقة صلاح هلال الأدبيّة للقصّة القصيرة في العالم العربي الدّورة 17 لعام 2018(1)

الكاتبة حديثة العهد بالكتابة الورقيّة، حيث اكتفت لسنوات طفولتها وشبابها بمخطوطاتها الذّاتية، قلمها و كرّاسها و مطالعاتها و مشاهداتها و أحلامها…(2). ثمّ أتمّت دراستها و امتهنت تدريس اللّغة العربيّة فزاد تعلّقها بحرفها بين علوم اللّغة و بيداغوجيّتها و عالم الأطفال(3). لتخوض تجارب النّوادي و الصّالونات والجمعيات الأدبيّة على غرار اتّحاد الكتّاب التّونسييّن فرع سوسة و مطارحات ثقافيّة لمدينة سوسة و صالون الزّوراء الأدبي بمساكن(4).

و مع إطلالة مواقع التّواصل الاجتماعي، الفايسبوك أساسا، دأبت على مشاركة أصدقائها ما يجود به قلمها من خواطر و قصص مكتملة الحبكة و البناء(5).و انتظمت لما يزيد عن السّنة على النّشر أسبوعيّا، و لا زالت، ضمن باب سمّته “حديث الأربعاء” والذي تفاعل معه قرّاءها تفاعلا ملفتا للنّظر(6).
كما نشرت لها نصوصا على مواقع الكترونية على غرار جريدة الدّيار التّونسيّة و موقع أنتلجنسيا للثّقافة و الفكر الحرّ و موقع حورية الأدب و موقع
(7). WordPress.com
و في شهرأفريل 2018، و بمناسبة معرضي تونس و سوسة للكتاب، أصدرت مجموعتها القصصيّة الأولى، سفر في قبضة اليد، عن دار زينب للنّشر والتّوزيع(8). احتفي بها و بمولودها فاستضافها راديو طبلبة و إذاعة تونس الثّقافيّة و راديو تطاوين(9). كما كتبت الصّحافة الورقيّة عن إصدارها على غرار جريدة الأنوار التّونسيّة(10). ونشر عن مؤلّفها في مواقع الكترونية مثل حورية الأدب و مؤسّسة الوجدان(11).
ليأتي تتويجها الأوّل عن قصّتها “ردّ لي وجهي” الفائزة بالمرتبة الأولى مكرّر في مسابقة صلاح هلال الأدبيّة للقصّة القصيرة في العالم العربي الدّورة 17 لعام 2018(12).
“ردّ لي وجهي” هي القصّة الخامسة عشرة من مجموعتها “سفر في قبضة اليد” و مبوّبة في ثاني رحلة والتي أسمتها السّوق و ترد بالصّفحة 83 إلى الصّفحة 86 من الكتاب.
و من العنوان تبدأ رحلة الرّمز و الترميز عند الكاتبة و رحلة التّأويل عند القارئ. فالكاتبة شعارها كما هو مصرّح به على صفحتها الشّخصيّة بالفايسبوك ” لا خير في نصّ لا يسرق منك دهشة أو بسمة أو دمعة ،ولا يثير فيك فكرة” . أي أن يا أيّها القارئ أعدّ زادك فسأرحل بك بعيدا.
“ردّ لي وجهي”: الرَّدُّ هنا إعادة اعتبار، قرار بالانعتاق. الوجه، عنوان كل شيء، وجه الشّخص، وجه الحقيقة، وجه الدّار، وجه المدينة… هو الحامل لبصمتك التي لا تتكرّر و لا تحاكى. إذا، إن صدق حدسي و قبل أن نرحل مع القصّة، نحن سنكون بصدد قضيّة جوهريّة إن لم أقل مصيريّة عنوانها الهويّة فرديّة كانت أو مجتمعيّة أو كونيّة.
“استوت في جلستها قبالة مرآة عريضة…” هي جملتها الأولى، تحمل عقدتين، تاء المؤنّث الدّالّة على المرأة، و المرآة. نادرا، ضمن السّياقات السّردية المعاصرة، أن تقرأ نصّا يلقي بك في بحر عقده من البداية. المرأة برمزيتها التي تمتدّ من التي نعرفها بجنسها إلى التي حملت و تحمل معاني الوجود و الحياة بكل مناحيها و ما فيها بكينونتها و فلسفتها و تعقيداتها و اشكالاتها. و المرآة، ذلك الشيء الذي يعكس حقيقة نتساءل أحيانا أهي الحقيقة أم لا. للمسألة عمق تحليلي نفسي خاض فيه هنري ݡالون و روني زازو و جاك لاكان و دونالد وينيكولت و فرنسواز دولتو. بدؤوا بسيمائية الكلمة صورة المرآة:
IMAGE
مصدرها لاتيني:
IMAGO
فقاموا بتجزئتها على النحو التّالي:
I MA GO
I : أنا
MA : لي
GO : الذّهاب
فكانت سيميائية الكلمة الذهاب نحو الذّات. ومن هنا استنتجوا أهمّية و خطورة صورة المرآة حتّى أنّهم خصّوا الطّفل بمرحلة في نموّه سمّوها مرحلة المرآة تتشكّل من خلالها صورته عن ذاته و محيطه و عن الآخر. اختلفوا في خصائصها و تفصيلاتها لكنّهم أجمعوا على أهمّية دورها في بنية شخصيته المستقبلية(13).
إذا كاتبتنا واجهتنا من البداية بمشهد يبدو في ظاهره عاديّ، بسيط و لكنّه في رمزيته و عمقه التّحليلي النّفسي يذهب بالقارئ بعيدا. امرأة، في مكان عموميّ، يتّضح فيما بعد أنّها عيادة طبيب، و تحديدا طبيب تجميل. و كلّ ذلك ضمن سياق سردي تشويقي لنكتشف المكان تصريحا في آخر النصّ:” بدأ عدد السّيّدات في المصحّة يتناقص…”. و لم تبخل علينا كاتبتنا، في سياق تحديد المكان والذي يعتبر معطى مفصليّا في تحديد وجهة القصّة، بمراوغة محبوكة أوحت لنا فيها من خلال مقطع سرديّ حواريّ يزيد على الصّفحة أنّنا بصدد تجمّع نسائيّ منزليّ في عيد ميلاد. أمّا زمن القصّة فلا وجود له، و أحسنت الكاتبة إذ لم تحدّده فالمطلق الزّمني يجعل من القضيّة المطروحة ذات أبعاد وتأثيرات بالغة الخطورة و لا متناهية.
الشّخصية الرّئيسيّة امرأة، في المطلق، لا عمر لا لون لا اسم لا جنسية. و أحسنت الكاتبة في اختيارها فهي تعطي بعدا كونيا للشّخصية و من خلالها للقضيّة المطروحة. هي لم تتحدّث عن الشّخصية في عمومها بل خصّت الوجه تحديدا بحديثها. الوجه حامل الهويّة والتّفاصيل والأقنعة المتعدّدة. أحسنت الكاتبة الوصف حين تحدّثت عن الأوجه، الوجه الحقيقي والوجه المفترض و وجوه الأخريات. تفصيلة وردت ضمن هذا الوصف مرّرتها الكاتبة بذكاء شديد “… صور وجوه و أجساد خرافية الأشكال و الجمال، هضاب مرتفعة و تلال و سهول منبسطة…”. الفهم الظّاهر للقصّة ما تفشّى لدى النّسوة من إقبال على تغيير تفاصيل و ملامح وجوههنّ و أجسادهنّ بجراحة تجميلية تهبهنّ صورا و أشكال مبتكرة تزيدهنّ في رأييهنّ جمالا. بطلة القصّة انساقت ضمن التّيّار الجارف ثمّ تراجعت و رضيت بوجهها صارخة “ردّ لي وجهي”. هذا ظاهر القصّة، لكن إذا عدنا إلى ذلك المقطع الوصفي الذي أوردت فيه الكاتبة متحدثّة على وجه المرأة و جسمها عبارات: هضاب، تلال، سهول… ألا يوحي لنا ذلك بأنّ القضيّة أشمل. ألا تكون و من خلال المرأة، التي هي مصدر الحياة، قضيّتها في مجملها حقوقها و كرامتها و إنسانيتها؟ ألا تكون قضية المنزل الذي فقد وجهه و تغيّرت ملامحه؟ ألا يكون معمار المدينة؟ ألا يكون وجه الأرض حيواناته و نباتاته المستنسخة، أراضيه المصحّرة، بحاره و أنهاره الملوّثة؟ ألا يكون الكون و طبقة الأوزون المثقوبة والاحتباس الحراري الذي ألغى الفصول؟ قد تكتشفوا أنتم أيضا مكامن في هذه القصّة. الخلاصة أنّه فيما يخصّ موضوع القصّة، و بطرح محبك و ذكيّ جعلت الكاتبة من قضيّة اجتماعيّة محدّدة مجالا للتّوسّع إلى درجة طرح الموضوع طرحا وجوديّا كونيّا.
بعض الملاحظات العامّة أسوقها قبل أن أختم:
-العنوان “ردّ لي وجهي”، الكاتبة هنا عنت الطبيب فأوردت الفعل في المفرد. كان الأجدى أن تورده في الجمع “ردّوا لي وجهي” فمشرط الطّبيب ما هو إلّا أداة تنفيذ و القضيّة أعمق، مجتمعيّة حضاريّة.
-المقطع الحواري بدا لي من طرفه المحاور للبطلة طويلا حيث اكتسى صبغة خطابيّة لو جزّأ كان يكون مقبولا أكثر.
قصّة محبكة و ذكيّة كأغلب قصص الكاتبة، لمياء نويرة بوكيل. لعلّ هذه الورقة تتيح لكم مزيد البحث في قصصها و التّعرّف عليها.


المراجع:
(1)
https://www.facebook.com/%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9-%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD-%D9%87%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%88%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-703151919703081/

(2)
نويرة بوكيل، لمياء: الرّسالة، سفر في قبضة اليد، زينب للنّشر و التّوزيع، تونس، 2018، ص 25-28.
(3)
نويرة بوكيل، لمياء: يرى بقلبه، بلبل خارج العشّ، فقاعة الصّمت، عمر، غربة، سفر في قبضة اليد، زينب للنّشر و التّوزيع، تونس، 2018، ص184-196.
(4)
https://www.facebook.com/unionecrivainsousse/

https://www.facebook.com/%D9%85%D8%B7%D8%A7%D8%B1%D8%AD%D8%A7%D8%AA-%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D8%B3%D9%88%D8%B3%D8%A9-169103693860361/

https://www.facebook.com/%D8%B5%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8%D9%8A-%D8%A8%D9%85%D8%B3%D8%A7%D9%83%D9%86-183700075465119/


(5)

(6)

(7)

رشّـة عطـــر…/بقلم:لمياء نويرة بوكيل/تونس

https://www.intelligentsia.tn/%d9%86%d9%80%d9%80%d9%88%d8%b1%d8%a7-%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d9%86%d9%88%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%a8%d9%88%d9%83%d9%8a%d9%84/

زعمة حلوّة بقلم لمياء نويرة بو كيل

أجمل نساء الدنيا(الحلقة الأولى:موسم الأفراح)بقلم لمياء نويرة بوكيل/تونس
(8)


(9)


(10)

(11)
لمياء نويرة بوكيل وإطلالة غلاف بكرها” سفر في قبضة اليد”

قريبا صدور المجموعة القصصية للأستاذة الرائعة لمياء نويرة بوكيل ” سفر في قبضة اليد“ مبارك وبالتوفيق الدائم
(12)

(13)
Jacques Lacan, Le Stade du miroir comme formateur de la fonction du Je : telle qu’elle nous est révélée dans l’expérience psychanalytique, Presses universitaires de France, 1949.
Françoise Dolto & J.-D. Nasio, L’enfant du miroir, Paris, Payot, 2002. (ISBN 2-228-89601-2)

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: