الرئيسية / قصة شاعرة / القصة الشاعرة .. بين مسايرة حداثة الواقع ومغايرة المألوف الإبداعي –  د. أحمد صلاح كامل
د أحمد صلاح كامل
د أحمد صلاح كامل

القصة الشاعرة .. بين مسايرة حداثة الواقع ومغايرة المألوف الإبداعي –  د. أحمد صلاح كامل

 

تأتي القصة الشاعرة كنموذج إبداعي فريد يشير على قدرة  الأدب على مسايرة حداثة واقعه والاشتباك معها ، وليس من المصادفة أن نجد في كل عصر من العصور الأدبية هذه المحاولات الحثيثة التي تسعى إلى ربط الأدب بنبض عصره والتعبير عن تطلعات إنسانه ، وإن كانت فكرة الحداثة على مستوى النقد الأدبي قد ارتفع الحديث فيها مؤخرًا إلا أنها فكرة قديمة قدم الإنسانية ، فلكل عصر حداثته ، ولكل إبداع محاولاته  لمسايرة حداثة عصره ، هكذا وجدنا الرجز  في العصر الجاهلي وصدر الإسلام  يستقل عن الشعر ويصبح مهنة وحرفة لها سماتها البنائية المغايرة عن الشعر التقليدي ، وهكذا وجدت المقامات الأدبية كجنس أدبي جديد في العصر العباسي ، فتجاور فيها الحكي والسرد مع الشعر العمودي ، في مواكبة لطبيعة التطورات التي طرأت على المجتمع العربي المنفتح على حضارات فارسية وهندية ورومية جديدة عليه .

وفي العصر الحديث ظهرت الكثير من الفنون الأدبية كالمقال والقصة والمسرحية والرواية وفن كتابة السيناريو ، وكلها فنون أدبية أوجدتها حتمية مسايرة حداثة الواقع وتطوراته ، ولأن حركة الحياة متماوجة ومتدفقة ولا تتوقف عن التغير والتطور كان لابد للأدب من مسايرة هذه الحركة والتناغم معها ، وإلا لصار الأدب شيئًا متحفيًّا لا قيمة له في تشكيل وجدان الإنسان المعاصر لأنه حينها سيكون منقطع الوشائج والصلة بهذا الإنسان ، وفي هذا السياق تطورت هذه الأجناس في تناغم مع حداثة عصرها وواقعها فظهر لنا شعر التفعيلة (الشعر الحر) في تجاوب مع كثير من أصداء الإبداع العالمي ، وفي الآونة الأخيرة ظهر لنا ما يعرف بـ ( الأبجرامات ) أو ما يسمى بالقصيدة الومضة ، كما ظهرت القصة القصيرة جدًّا ، وكل هذه فنون أدبية مستحدثة تعبر عن التكثيف وسرعة الإيقاع وهما سمتان غالبتان على عصرنا الحالي بما يكتنفه من إيقاع لاهث وثورة في الاتصالات والتواصل ونقل المعلومات والثقافات بشكل رقمي مذهل .

على هذا النحو جاءت القصة الشاعرة كمولود أدبي جديد يتناغم مع واقعه وحداثة عصره في توافق شديد الخصوصية إذ عبر عن واقعه العربي دون التأثر بأصداء أدبية خارجية ، خرج من رحم واقعه وتاريخ أدبه الطويل من غير أن يتصل بآداب غربية أو شرقية ، ولأنه ابن واقعة العربي بسمات لا تعرف تهجين الآداب الأخرى ، ربما كان هذا سببًا للهجوم عليه ، فالقصة الشاعرة ليس لها ظهير غربي يساندها وتستمد منه الدعم ، فهي خلق عربي خالص النقاء ، ذلك لأنها وليدة معاناته وأزماته .

لقد شهدت منطقتنا العربية منذ العقدين الأخيرين من القرن الماضي الكثير من الحروب والصراعات التي كان لها آثارها السلبية على واقعنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، ومن قبلهما شهدت نكبة فلسطين في منتصف القرن ، كل هذه الأحداث ألقت بظلالها السوداء على الواقع العربي ، ومن رحم هذه الظلال خرجت القصة الشاعرة في تجاوب مبدع مع واقعها العربي فرأينا نماذجها تعبر عن محنة هذا الإنسان المأزوم بواقعه وتصدح بآلام شعوب المنطقة ولنتأمل قصة

( الثورة الكبرى)  للشاعرالقاص المجدد محمد الشحات محمد مبتكر هذا الجنس الأدبي :

“عادتْ ذكرى النصر ، ولكن في تقويم النكسة..، لم يتناقض زمن ، أو كانت بعضَ هلاويس “ترامب” التاجر، لم ترفع شمسٌ حاجبها ، أو يفتح بحرٌ أشرعةَ الأرض الثكلى بالفيروز “السيناوي” والقدس الشرقية ، باتَ الإرهاب سجينا في حلب أو بغداد ، بني غازي.. تيران ، صنافير وأطلس موسى.. ترسيم الخط الفاصل عولمةً راح يصبّ الجزية في البيتِ الأبيض، يَقْتات هدايا السّحْتِ مساء الجمعة عبر مواقع الإنترنت، وفي قاعة حكام المستقبل.. أشلاء الفكرة لم ترْضخْ في رأسِ الطائر ، بل ثارت أوراق الميدان على عطفة نورا .. خرج الجوعى ، كتب السادة تقرير المشرْحة الأولى.. ظهر الدستور على الحائط ، واحتفل الفيس بثورة مارك الكبرى ! ”

وبعيدًا عن مناقشة البنية الفنية لهذا العمل فالملاحظ انه نتاج لهذا الواقع المأزوم لم يتسع له السرد بشكله الكلاسيكي ولا الشعر بشكله المعهود ، وهذا ما نلاحظه في قصة معتز الراوي (مفاوضة) :

” في جلسةِ اللا أمنِ حاخامُ المواثيقِ انتشى من وصلةِ الفيتو ‘ ارتقى لسحائبِ النوويِّ .. ‘ أسفارٌ على خطبِ الإمامِ تهددُ النصفَ الأخيرَ “لسورةِ العصرِ” ..، استراحَ الموطنُ المفقودُ لاسمٍ أنكرتهُ الركعةُ الأولى.. معَ اللاشيءِ سرًّا فاوضَ الأشلاءَ في الـ.. ”

القصة الشاعرة معبقة بزخم هذا المأزق الوجودي العربي في سرد شعري لا يخلو من التحليق في فضاءات دلالية مشعة وثرية بإحالاتها النصية وإشاراتها التاريخية ،

هكذا تشير موضوعات ومضامين القصة الشاعرة إلى فرادة نشأتها العربية وإلي تلك الحتمية التي أوجدتها كجنس أدبي قادر على مسايرة عصره بكل آلامه وتطلعاته ، وليس مصادفة أن نجد هذا الجنس الأدبي الجديد يأتينا من سوريا بقلم محمد طُــكُّـو ، حاملًا كل هموم شعبها الممزق بحرب أهلية في  قصة شاعرة بعنوان ( أنَاْ أُمُّهُ ) :

” راحَتْ تُفَتِّشُ في حَقيبَتِها القَديمَةِ عَنْ بَقايا وَرْدَةٍ.. كانَتْ عَلى مِنْديلِ طِفْلٍ ذاتَ يَومٍ ..، حينَما قالَ المُجَنَّدُ عِنْدَ أَشْواكِ اللّجوءِ : تكلّمي… فَتَلَعْثَمَتْ يَوْمَ انْتِصارِ الوَهْمِ في زَمَنِ الرَّدى. واسّاقَطَتْ دُرَراً عَلى هذا الثَّرى .. ، حَتّى يَمُرَّ العابِرون بجفنها ..، واللَيلُ كُحْلُ الأُمَّهاتِ الفاقِداتِ جَميعَ مَنْ كَالزَّهْرِ مَرُّوا مِنْ هُنا ..، كَالسَّوسَنِ البَريّ إِذْ حَمَلَ الرَّبيعَ إلى الدّيارِ وصارَ يَبْكي وَحْدَهُ ، أو راحَ يَنْزِفُ بَعْضَهُ، كالياسَمينِ يَمُرُّ مِنْ شَفَقِ الصّباحِ …، يَزيدُنا فَرَحاً..، وَنَجْهَلُ حُزْنَهُ…، والأَرْضُ هذي الأرْضُ أمٌّ ..، عِنْدَما تَرَكَ الجُّنودُ قَميصَ طِفْلٍ ..، قَدْ تَلَطَّخَ بِالدِّماءِ وَكانَ صِدْقاً ما رَأْتْ .

وَأَعادَ جُنْديُّ الحُدودِ سُؤالَهُ بـِ : تَكَلَّمي …. ، رَفَعَتْ لَهُ المِنْديلَ دونَ تَرَدُّدٍ : أَنَاْ أُمُّهُ.. أَنَاْ أُمُّهُ .. أَنَاْ أُمُّهُ. ”

هكذا تمثل مضامين القصة الشاعرة دافعًا لوجودها المتفرد الهوية والخالص النسب لقضاياها العربية ، والقصة الشاعرة في ذات الوقت ما هي إلا نتاج لهذا الواقع العربي المتأزم بصراعاته الداخلية والخارجية ، والمنشغل بمآسيه المتتابعة ، هذا على مستوى الفكر الذي وجدت من أجل الدفاع عنه ومسايرته ، أما على مستوى البنية فتأمل النماذج السابقة يقودنا إلى بون شاسع بين آليات القصة الشاعرة وغيرها من أجناس الأدب وفنونه ،

وللقصة الشاعرة خصائص يمكن أن نستخلصها من خلال نماذجها السابقة وهي :

  • القصة الشاعرة جنس أدبي فريد ارتضى أن يكون قصًّا مختلفًا عما ألفناه في القصة القصيرة والرواية ، وارتضى أن يمزج بين القص بخائصه الجديدة وبين الإيقاع والموسيقى ، بل جعل للإيقاع والموسيقى خصائص مختلفة عما ألفناه في الشعر .
  • تمايز هذا الجنس الأدبي الجديد واتخذ شخصيته من اعتماده على الحكي أولاً ، ثم من اتكائه على الإيقاع والموسيقى بخصائصهما الجديدة ، وهذا الامتزاج المقصود في وعي المبدع كفيل أن يزيل أي التباس يسوي بين القصة الشاعرة وغيرها من الأجناس الأدبية الأخرى .
  • نتج عن هذا الامتزاج المقصود خصائص بنائية ميزت هذا الجنس الأدبي الجديد عن خصائص غيره من الأجناس الأخرى ، ولكي يكون حكمنا مبنيًّا على التطبيق كفرضية لازمة للتدليل على ما قدمناه من أحكام فلابد أن نستعرض أهم خصائص البناء الفني التي تميز (القصة الشاعرة) كجنس أدبي متفرد بذاته  والنماذج السابقة تقودنا إلى أربعة ملامح مائزة  ومغايرة للمألوف الأدبي في الأجناس الأدبية الأخرى وهي :
  • سلطة الخيال والتداعي المعرفي

تبدو  آليات السرد في القصة الشاعرة خاضعةً للسيولة الشعرية ولسلطة الخيال ، فتمتزج عناصر السرد وتتماهى لتخلق ما يشبه الحالة الشعورية المشبعة بالإيحاءات ذات الفيض الدلالي المتعدد ، ولا تقدم نصًّا يرتكز على الآليات المعهودة للسرد ، فليست الشخصيات شخوصاً بل يسيطر الخيال ليُأنسن الأشياء ويمزجها بالزمان والمكان ، وتنثال الأحداثُ داخل القصة الشاعرة تبعا للتداعي المعرفي والشعوري .

  • اتكاء السرد على الإشارات النصية والإحالات التاريخية

يجوز في آليات سرد القصة الشاعرة مالا يجوز في غيرها ، فالإيجاز والاقتصاد هما المسيطران على البناء والتركيب للجملة السردية ، والسيولة الشعرية والخيال يقتضيان أن يكون تركيب الجملة مشعًّا في دلالته وموحيًا في استحضار معانيه ، لذلك تعول الجملة السردية في القصة الشاعرة كثيرًا على المخزون التراثي فتعتمد في سياقها على الإشارات النصية والإحالات التاريخية متجاوزة بذلك عبء الإطالة والإطناب ، ومستحضرةً لتياراتٍ مختلفةٍ ومتعددةٍ من الوعي والاستيعاب الدلالي لدى القراء ، لتخلق حالةً متجددةً من إعادة بناء النص ، وهذا الأمر يبدو واضحاً في النماذج السابقة للقصة الشاعرة .

  • سطوة الموسيقى على توترات السرد

عندما تخضعُ الجملةُ السردية لنسقٍ وإيقاعٍ موسيقيٍّ سائد فأنَّها بالضرورة ستتحلل من خصائصها في ما قبل الموسيقى ، وستكتسب خصائصًا جديدة للموسيقى دور في صناعتها ، وبالتأكيد فإن هذا التفاعل الفني بين الموسيقى وآليات السرد سينتج عنه إخضاع آليات السرد للنسق الموسيقي السائد وليس العكس ، وعليه سنجد حالة من التشابك بين الجمل السردية في القصة الشاعرة ، وهذا ما يسمونه اصطلاحا التدوير الموسيقي ، كما سنجد أن القصة الشاعرة ذات نفس شعري واحد ممتد من أولها إلى آخرها .

  • البعد الأسطوري للسرد

تتخذ آليات السرد في القصة الشاعرة شكلاً غرائبيًّا يدخل المتلقي إلى فضاء ضبابي متشعِّب ويضعه في جوٍّ أسطوريٍّ متسارع القفزات من خلال اعتماد هذه الآليات السردية على تراشق الحواس وأنسنة الأشياء ومن خلال استناده على الزخم التصويري ، فنصبح أمام علاقات تركيبية جديدة وغير مألوفة في البناء اللغوي للجملة يتولَّد عنها إيحاءات أكثر جدة ودهشة عن تلك التي نراها في القصة القصيرة ، لتصبح القصة الشاعرة حتمية إبداعية وأمثولة فنية تسعى لأن تصبح مرآةً تنعكس عليها صورة هذا العالم المتخم بالتشابك والتناقض والصراع واللامعقول ، على هديًّ وإدراك لهذه الآلية السردية الجديدة يمكننا أن نقرأ معاً القصة الشاعرة في نماذجها السابقة .

هذا الشكل المتفرد في المضامين الفكرية وفي البنية الفنية كان له أكبر الأثر في بزوغ القصة الشاعرة كجنس أدبي جديد بملامحه المسايرة لحداثة الواقع والمغايرة للمألوف الإبداعي .

شاهد أيضاً

حديث غزة – منصر فلاح

  لأجلك يا ذرى المجد العتيد أهيم اليوم بالعشق الأكيد . أمرغ حرف قافيتي وأهذي …

محمد الربادي

تلاوة الحنين – محمد الربادي

  حار عقلي في هموم المتعبينا سال دمعي في دروب الحالمينا حين أتلو في حنيني …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: