الرئيسية / دراسات / مِن خصائصِ البناءِ القصصيّ في «صولو..» لمهنّد العزب – د. مسلك ميمون/ المغرب

مِن خصائصِ البناءِ القصصيّ في «صولو..» لمهنّد العزب – د. مسلك ميمون/ المغرب

المجموعة القصصية «صولو أو بُكاءٌ مُنفرد» للقاص مهند سيف الدين العزب، جنس القصة القصيرة جداً. صدرت عن دار فضاءات للنشر والتّوزيع/ عمان 2012، صمم الغلاف نضال جمهور. وفضّل القاص أن ينعت قصصه بـ(نصوص) كان الإهداء «إلى كلّ الذين يتعثرون في دروبهم، ويحلمون أبداً بالوصول»ص/5 وجاءَ بمدخل عبارة عن قولة لأفلاطون :» كن لطيفاً لأنّ كلّ شخص تقابله يقاتل بشراسة في معركة ما « ص/7و أضاف معرّفاً برسالته: «تأمّل الوجود والبحث عن الحكمة ومشاركة النّاس هذه التّجربة « ص/9 أمّا عدد نصوص المجموعة فواحد وسبعون نصاً، وتنبني الكتابة القصصية في هذه المجموعة على أسس مختلفة:

مفارقة الحدث
هذه الخاصية ليست جديدة، بل هي من أعرق الأسس في الكتابة السّردية، ومنها ينبثق التناقض واللامنطق، والحيرة، وتشتعل نيران الصّراع، والخلاف، لأنّها تشكّل التّضاد في صورته الرّؤيويّة، والذّهنية.كما تشكّل فرضيات قد تبدو مقبولة، لخاتمة غير مقبولة، ومن جهة أخرى، فالمفارقة منذ أن كانت في مجال الفنّ والآداب عموماً وهي لغة العَقل والفطنة.لأنّها تحمل المتلقي على التّأمل، والتّساؤل…
كالذي نجده في نص « أفاق « ص/11 العسكري يطلّ على السّجين ليتفقده فلا يرى إلا زنزانة كئيبة، وسجيناً هدّته سنوات عقوبته السّجنية .. بينما على العكس من ذلك، ومن خلال شقّ في الجدار يرى السّجين «الأفق الرّحب» الذي تشكله الحرية، والانطلاق نحو اللا محدود …و يتكرر أسّ اختلاف الرّؤية في نص «أقفاص» ص/11 الزّوجة التي تركها زوجها في البيت، بعد أن أحكم إغلاقه عنها وانطلق حراً. فهو يرى الرّجولة حرية. ويرى الزّوجة أن تلزم بيتها مع إغلاق جميع منافذ الخروج . وهي غير مقتنعة بذلك، فإن كانت ترى أنّ الرّجل حرّ في خروجه ودخوله. فلا ترى نفسها زوجة سجينة، والدّليل في ذلك أنها لم تبدي احتجاجاً، أو اعتراضاً، وإن كانت نفسياً ومن حيث لا تدري، ترغب في الحرية، إذْ حرّرت طائرها من قفصه، لكنّه بقي سجين الغرفة. الشّيء الذي أوقعها في حيرة من أمرها، بين رؤيتين مختلفتين أيضاً 🙁 هل أعطته حريته أم سجنته معها ؟)

الاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصّة
لعلّ مجموعة «صولو أو بكاء منفرد « للقاص مهند سيف الدّين العزب تكاد تكون المجموعة القصصية الفريدة حسب علمي التي أولت ذوي الاحتياجات الخاصة اهتماماً ملحوظاً. فقد نجد في مجموعة قصصية ما،نصاً يتعلّق بأعمى، أو مقعد، أو أعرج… ولكن أن نجد عشرين نصاً في مجموعة حول تيمة واحدة هي الإعاقة، يصبح الأمر لافتاً..
ففي نص «سراب الارتواء» ص/15 طفل مقعد تصاحبه أمّه إلى مضمار السّباق، أخذ يزود المتسابقين بقنينات الماء البارد، لما انتهى السّباق، كانت لازالت لديه قنينات،طلبت منه أمّه أن يشرب، ولكنّه «يبتسم ابتسامة عابرة، ثمّ ينظر لآثار المتسابقين على الأرض. ويجيب أتمنى لو أكون عطشاً مثلهم .» نظرته لأثار المتسابقين وأمنيته أن يكون عطشاً مثلهم، رغبة دفينة في الوقوف على قدميه، والسّعي والجري بهما حيثما يشاء.. وتتكرّر إعاقة الحركة في نص:» إيثار» ص45 ونص: «ذهول» ص/94 بالنّسبة للاعب المقعد. وكذلك في نص: «تصورات» ص/51 ونفس الشّيء في نص: «الاتّجاه المعاكس» ص/77 المقعد الذي يدفع أصدقاؤه مقعَده مُجاملة،ورغبته مختلفة.ونفس الشيء في نص:» تعويض» ص/119 الشّاب المقعد الذي يطلق النّار على الشّجرة…
ونجد الأمر يتكرّر في نص «سريالية» ص/21 فيما يخصّ بتر اليدين « وقف مقطوع اليدين ــ ولم يعرف أيضحك أم يبكي ــ أمام متسول يمدّ يده طالباً حسنة.» مفارقة تضادية، بين سليم جسدياً يمدّ يده طالباً حسنة ممن يفقد يديه.. وتتكرر اليد المقطوعة في نص: «أحلام بسيطة « ص/73، وكذلك في نص: «الجسد الأثيري» ص/109 وبتر الأطراف بسبب لغم.
الصّورة الذّهنية
تعمد قصص مجموعة «صولو أو البكاء المنفرد» إلى خلق خطاب ذهنيّ، تصبح وسيلة الاتصال بين المرسل والمرسل إليه شفرية، أساسُها الصُّورة الذّهنية، التي تتطلب قراءة خاصّة نتيجة ما تحدثه في ذهن المتلقي من عصف ذهني ما يحَقق خاصية هامّـة من خصائص بنيـة النّص القصصيّ القصير جـداً. الذي بطبيعة نَسجـه وديباجته يتحاشى كلياً التّقرير، والمباشرة، والسّرد الوقائعي.
وهذا نلمسه بخاصّة في النّصوص المُعدّة حول ذوي الحاجات الخاصّة، وفي معظم النّصوص في المجموعة، وقد طغى عليها العامل النّفسيّ..

الشّخصية
لا شك أنّ الشّخصية تلعب دوراً أساسياً في تنمية الحدث، ولا يمكن تخيل نص قصصي من دون شخصية، لأنّ الحدث عموماً لا يصنع نفسه بنفسه. غير أنّ الشّخصية في النّص القصصيّ القصير جداً، تأخذ نمطاً اختزالياً، تمشياً مع ضـآلة حجم النّص وتكثيفه وقصره، ولقد كان القاص مهند سيف الدّين العزب واعياً بذلك، فقد جاءت شخصيات النّصوص مختلفة:
ـ على مستوى الحال والوضغية: [السّجين، المتشرّد، المغتربون] ـ على مستوى الضمائر [هي، هو،هم، هؤلاء] ـ على مستوى المهن والوظائف: [السّجان، العرافة، السمسار، المهرج، الكومبارس، القاص، سادن النار، العداء، البحارة، الصيادون، رسام، ناقد، مربي النّحل، الجندي] ـ على المستوي السّياسي: [الدكتاتور، الوزير، الحاشية، الشعب، قائد] ـ على مستوى الأشياء: [الصبارة، المرجان، الموج، الألوان، لوحة الفراشات، النبتة] ـ على مستوى الإعاقة: [مقطوع اليدين، الطفل الكفيف، الطفلة الكفيفة، الطفل الأبكم، الكفيفة، اللاعب المقعد، أصدقاء المقعد،الجدّ الكفيف] ـ على مستوى العمر: [الشّاب…الطفل، فتى، عجوز، الفتاة] ـ على مستوى الأسرة : [الأم، الأب، الزّوج، الطفل] ـ على مستوى الصّفة : [الزائر، الوحيد ] ـ على مستوى الحيوانات : [الذئبة، الذئب، الغزالة،الثّعلب، سمكات عمياء، الحوريات، فراشة، السّمك، الحوت، سمك الزّينة] ووفق ذلك تنقسم الشّخصيات إلى قسمين أساسيين في نصوص المجموعة:
1 ـ الشّخصية المغلقة، والتي تستوجب قراءة ذهنية وكمَا أسلفنا الأمر يتعلّق بدوي الحاجات الخاصّة، الذين أولتهم المجموعة عناية لافتة.
2 ـ الشّخصية المسطّحة، ونعني بها الشّخصية المنفتحة على كلّ القراءات المُمكنة، والتّأويلات المُجدية، لصفتها الرّمزية والإيحائية.

التّعبير المرئي
إنَّ التّعبير في نصوص مجموعة (صولو أو بكاء منفرد ) كتب بطريقة سينمائية. وكأنّ النّصوص أعِدّتْ للعرض لا للقراءة. فكلّ الجمل، والتّراكيب، وطريقة التّداخل، والانفصال، والتّقطيع والإلحاق، تجعل المُتلقي يُحِسُّ وهو يقرأ النّصوص كأنّه يُشاهدها مُشاهدة عينية لا ذهنية.
و لعلّ الاهتمام بما هو مَرئي في التّعبير القصصيّ قديم قدم السّرديات نفسها. إلا أنّ بعثه والاهتمام به في مجال كالق الق جداً مَردّه إلى انتشار التّجارب البَصرية المعاصرة، وما وصلت إليه الثقافة البصرية عالمياً، وتقنيات الاتّصالات الرّقمية الإلكترونية وما حقّقته من تطور مَلحوظ، حيث أصبحت الصّورة تشكّل الحدث ونموّه الدّراميّ .
إذ صارَ النّصُّ القصصيّ ليس بأدبيته المعتمدة فقط، وإنّما بصوره:(الصّورة اللّغوية، والصّورة الأيقونية، والصّورة الحَركية، والصّورة الرّصدية…) وتركيباتها، وإيحاءاتها وتضميناتها، وبالسّرد وعرضه، ولغته الإيمائية، ودلالة سميائيته، ورمزيته…
لنتأمّل نص «أقفاص « ص/13: «بعد أن يغلق زوجها عليها أبواب المنزل ونوافذه، وتبقى وحيدة، تلتفت إلى العصفور الذي في القفص، وتفتح له الباب . يظلّ يطير ويطير في الغرفة . وهي تتملّكها الحيرة، هل أعطته حريته، أم سجنته معها ؟!»
كلّ ما في النّص يُشكّل شريطاً مرئياً يعرض نفسه بنفسه. حتّى فيما يتعلّق بحيرة الزّوجة. وكأنّنا نرى ما يضجُّ في ذهنها. أو كأنَّ سؤالها المركب يتجسّد مَرئياً.
ونلمس هذا ـ كما هو في جميع النّصوص ـ في نص «سريالية « ص/21: «وقف مقطوع اليدين ــ ولم يعرف أيَضحكُ أم يبكي ــ أمام متسول يمدّ يده يطلب حَسنة.»
ثلاث صور: اثنان منها واقعيتان ظاهرتان، [وقف مقطوع اليدين] و[أمام مُتسول يمدّ يده يطلب حسنة] وواحدة داخلية ذهنية، [ولم يعرف أيضحك أم يبكي] و لكن كلّها بتعبير مَرئي سينمائي …

اللا معقول
وفي مجموعة (صولو أو بكاء منفرد) نجد نصوصاً تمْتحُ من نهج اللا معقول، ولم يكن ذلك محض مُصادفة، بل هو واقع مرير يفرض اسْتمراره التّاريخي عبر الزّمن في ألفيتنا الثّالثة. ومثل ذلك: نص «غرباء « ص/25: «عندما سألتُ العرّافة التي أراها لأوّل مرّة، لماذا تقصّين علي قصّتك؟قالت دون تردّد : لأنّي لا أعرفك .»
ـ أليس من العبث/ والسّذاجة أن تقصّ عرّافة قصتها لرجل لا يَعرفها ؟!
ـ أليس من العبث أن تنقلب الصّورة فيصبح زبونُ العرّافة هو من يَطّلع عن قصتها؟
صورة تعكس مدى انقلاب الأوضاع، واختلاف الأدوار…
و في نص «عبث» ص/27: «عندما انتحر، أطلق الرّصاصة على قلبه، وليس على رأسه، كان يريد أن تبقى أفكاره دائماً منظمة!»
ـ أليس من العبث أن يُفكر في الانتحار وهو يُفكر في نظام أفكاره؟!
ـ وهل الانتحار برصاصة في القلب يبقي فكرة من الأفكار في الرّأس؟

إنّ مجموعة (صولو أو بُكاءٌ مُنفرد) للقاص مهنّد سيف الدّين العزب تفردت في تيماتها، وبنية نصوصها،و نمط أساليبها.و تعدّ تجربة جرّيئة في نطاق هذا الفنّ المتمنّع الجميل.منَحت للعامل الذّهني، والنّفسي، والعاطفي، مساحة أتاحتِ المجالَ رحباً للخيال والتَّخييل. ما يُبشّر بقاصّ مَوهوب، يخترق هذا المجال بفنّية واعية، تحقق الاتّساق، والانسجامَ، والتّكثيف، والتّبئير، والتّنوع الموضوعاتي، وتعِدُ بالكثير…

شاهد أيضاً

عبدالله علي هادي

أزل – عبدالله علي هادي

  يذوبُ العاشقون هوى بشعري وفيكَ الشعرُ يامحبوبُ ذابا وإنْ قيسا هفا برحيلِ ليلى فإنَّ …

يوم الكرامة – غالية أبوستة

🌿 انتصار الفئة القليلة—-في معركة الكرامة الخالدة على الفئة الكثيرة المدججة بالجبروت المصفح المدجج بالأسلحة …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: