الرئيسية / دراسات / التقنيات السـردية في قصص «الفراشة» لموسى أبورياش – د. عمر الخواجا

التقنيات السـردية في قصص «الفراشة» لموسى أبورياش – د. عمر الخواجا

عند قراءة قصص المجموعة القصصيّة (الفراشة) الصّادرة عن وزارة الثقافة الأردنية (إصدارات المفرق مدينة الثقافة الأردنية لعام 2017)  نجد أن الكاتب موسى أبو رياش قد تميّز باستخدام عدة تقنيات سـردية في قصصه القصيرة مما يدلّ على حرص الكاتب على جودة منتجه الأدبيّ والذي ظهر من خلال اختياره المتأني لمفرداته وعنايته بصحتها لغة ومعنى واهتمامه الكبير بفكرة القصة وأهدافها ومراميها؛ ما أضاف للقصّة بعداً حيويا ومكّن القارئ من التواصل مع الحكاية وأهدافها بكلّ سهولة ويسر. استخدم الكاتب أسلوب الرّاوي العالم بكل شيء في  معظم قصص المجموعة

(مطر، الفراشة، رجل الشاي، فائض عن الحاجة، اشتعالات، حمدان، مرارة الفقد، الشيخ سلام، ذبول، الملف الاصفر، ثورة الجذور، قد يعود)،  بحيث كان الكاتب – الراوي مُمسكاً بتفاصيل الحدث ومسارات شـخوصه بحكمة واقتدار ســارداً تفاصيل الحكاية بدقة متناهية مُبقيا على كافة الخيوط بين يديه فهو القادر على التحكم بالقصة بداية ونهاية يرسم شخصياته ببراعة واتقان  ويصوّر أفكارهم  ومشاعرهم الداخلية ويصف أحاسيسهم وأمنياتهم وذكرياتهم  …  ففي قصة اشتعالات نجد الكاتب يأخذنا ضمن مسار مُحدد من اشتعال النار في مصنع خالد رشاد إلى معاناته من ضيق اليد وخسارته كل شيء ومكابدته الوحدة مع وجود زوجته العقيم ثم عزمه على الزواج بأخرى طمعاً في ولد يؤنس وحدته حيث يقودنا الكاتب نحو اشتعالات من نوع آخر تتأجج فيها نار الغيرة بين الزوجة الأولى والثانية مشعلة حرائق تنهي كل أمل بحياة سعيدة (الحياة في البيت أصبحت جحيما لا يطاق نارا تأكل أحلامه وتحطم أبراجا بناها في خياله بل عاصفة هوجاء قد تدمره وتقضي عليه ص 44)
كما برع موسى أبو رياش في استخدام ضمير المتكلم فقد ظهر مُتماهياً مع شــخوصه وكأنه جزء أصيل من الحكاية والحدث ففي قصة (أشباح ص 53)  يتحدّث الكاتب عن موقفه من الأشباح التي تلاحقه مُستخدما ضمير المتكلم، فيصف لنا في البداية  إنكاره وجود الاشباح مروراً بمحاولاته المتكررة نفي هذه الطاهرة ومقاومتها بكافة الوسائل وصولاً للتسليم  بوجودهم والتعامل مع تدخلاتهم المتكررة في حياته الشخصية والعملية والزوجية ببساطة ودون اكتراث أو مواجهة ..  فهو يكفّ عن محاولاته السابقة ويعلن تجاوبه التام مع هذه الظاهرة الغريبة  … ص 59 (…. لن أطيل عليكم، لأنّ حكايتي طويلة جدا، ولكني قبل أن اترككم لا بدّ  أن أخبركم أنني على ثقة مطلقة أنني لا أعلم من يخاطبكم ويكتب لكم  هل هو أنا، أم الأشباح التي تتلبسني ؟ومع ذلك أطمئنكم أن لا فرق بيننا فهي أنا وأنا هي، وقد تسألون متى أعود أنا أنا  وهي هي ؟ هل يمكن أن يحدث ذلك ؟ لا أدري !) ..  لم يكن موسى أبو رياش مُنفصلاً عن أحداث القصة بل كان شخصاً مِحورياً تدور حوله الحكاية فهو البطل الرّاوي صاحب الرؤية  والحدث والمعاناة  … يُحدثنا بجدية تامة عن أفكاره وما يدور في داخلة من تناقضات تجعله غير قادر على التأكّد من ذاته وما يدور حوله من عوالم تختلطُ فيها الشخوص والأشباح بشكل متبادل .. أمّا في قصة (مشروع لم يكتمل ص 60) فنجد الكاتب الرّاوي يتحدّث عن وصوله لمرحلة اليأس نتيجة لتراكم الديون عليه وقلة الحيلة وعدم حصوله على أية  فرصة عمل مما يسير به نحو الانتحار .. وهنا يُظهر موسى أبو رياش قدرته الأدبية على اختزال الصورة المأساوية للوضع الاقتصادي بعبارات واضحة تحمل في داخلها كثيراً من المعاني  ذات الأثر الملموس مما يجعل من مهمة اقناع القارئ بالقرار الذي اتخذه الكاتب الرّاوي مهمة يسيرة .. فعملية الانتحار تبدو خيارا أخيرا لضيق الأفق وتعسّر الأحوال .. ومما يحسب للكاتب أنه لم يتعمد الشرح الطويل ولم يلجأ لمحاولة استدرار عواطف القارئ بل جعل من قصته بنهايتها المفاجئة كوّة للأمل ومسرحاً للنجاة فبعد أن أحكم الراوي خطته وربط حبل الموت في سقف الغرفة واعتلى نحوه بعزيمة وتصميم تحدث المفاجأة (…. وفجأة يدوي صوت انهيار وارتطام، أرى جسدي يسقط على كومة الأغراض وفوقه وحوله أجزاء من السقف المنخور الذي تهاوى، عدت الى جسدي مرغما بقوة لم استطع مقاومتها، تحسست يداي الحبل المغروس في عنقي، فتحت عينيّ ببطء وترقب، وقعت عيناي على فرجة في السطح المنهار، ولأول مرة في حياتي أرى بدرا ونجوما بهذا الجمال، كان منظرا يفيض روعة وسحرا، كان منظراً لا ينسى !! ص 63) …  لقد استطاع الكاتب من خلال هذه التقنية السردية أن يوصل للقارئ كثيرا من أفكاره ورؤاه دون مباشرة في الطرح أو سـطحية في التعبير حيث تظهر قدرته واضحة من خلال رؤيته الحادة لقيم الحرية والكرامة والشجاعة في قصة (الموت قهرا ص 84) والتي يحدثنا الكاتب فيها عن زيارته لحديقة الحيوانات وتعاطفه الشديد مع الأسد السجين والذي يمثل بالنسبة له رمزا للشجاعة والاقدام والجرأة والتحرر مبررا فرحته حينما لم يجده في زيارته الثانية مقدرا أن ذلك الأسد المهاب قد تحرر من عبودية مذلة لا تليق بمثل مهابته وشجاعته يبدو أن لدى الكاتب اهتماما خاصا بتقنية البداية والنهاية في قصصه فهو يستهلّ أغلبها بجمل مباشرة تعبر نحو الفكرة الرئيسة دون الولوج لمداخل فرعية تشتت ذهن القارئ وتأخذ انتباهه ففي قصة (الفراشة) يعبر الكاتب بالقارئ جو النص مباشرة من خلال حوار بسيط يبدأ بتساؤل يحمل في طياته دلالات الترقب والمعاناة والصبر (سألته متى تتحسن الأحوال  ؟ أجابها ببرود كعادته : قريبا إن شاء الله  ص 13)  أما في بداية قصة (حمدان) يذهب الكاتب نحو تعريف مباشر لشخصية حمدان من خلال الإشارة الى عمره ومكانته المميزة في الحي حيث يقول (حمدان في العقد الخامس من عمره، من معالم الحي الذي يسكن فيه ومن الشخصيات البارزة على مستوى المدينة ولا أبالغ إن اعتبرته معلما سياحيا لا يقلّ أهمية عن قلعة او متحف أو حديقة عامة ص 45) ..  وكما كان المبدع موسى أبو رياش موفقا في بدايات قصص المجموعة فقد كان موفقا جدا في النهايات المفتوحة لمعظم قصصه والتي أراد من خلالها إشراك القارئ في صنع حكايته ورؤيته الخاصة ولكنه لم يجعل من النهايات المفتوحة ألغازا ومتاهات بل زوّد القارئ بلمحات تشير نحو الهدف والغاية المنشودة بشكل غير مباشر كما في قصة الشيخ سلام ص 71  والتي تتحدث عن شخصية قروية أشاعت الطمأنينة والسكون بين أهل القرية بما امتاز به من خير وبركة وإيمان ودعاء .. وفي نهاية القصة  يترك الكاتب للقارئ تحديد مصير الشيخ سلام والذي اختفى فجأة كما ظهر فجأة  (.. فقال لهم أحد عجائز القرية وعيونه تذرف ان الشيخ سلام في قلوبنا وأنه لم يغادرنا إلا بجسده أما روحه فهي معنا ترفرف حولنا وتعاليمه ماثلة حية في أعماقنا ومواعظه كأنها ألقيت هذه الساعة وتدخلاته للخير وإصلاح ذات البين ما زالت منهجا يتبع فمن خرج من قلبه الشيخ سلام فليقرأ على نفسه السلام ص 76) 
من خلال العديد من المواقف والأحداث القصصية نجد موسى أبو رياش يجيد استخدام تقنية الاسترجاع محتفظا بخاصية تكثيف الحدث بعيداً عن الابهام والغموض وقد تعمد الكاتب الاقتصاد في هذه اللحظات التي يتم من خلالها استرجاع أحداث ماضية من أجل الاحتفاظ بخاصية التشويق كعنصر هام من عناصر السرد القصصي، ففي قصة فائض عن الحاجة ص 29 يصف الكاتب صاحب البقالة العجوز الذي يرغمه أبنائه على بيع بقالته التي ارتبط من خلالها بذكريات عزيزة عليه تمثل حياته وماضيه العزيز ولكنه حينما يستسلم لرغبات أبنائه يكتشف أن حياته قد أصبحت بلا معنى دون هذه البقالة فيسترجع أيامه السعيدة (أخذته الذكريات بعيدا وهو يستذكر أجمل أيام العمر، تعرف على معظم سكان الحي وخالطهم وشاركهم كل مناسباتهم وأفراحهم وأحزانهم، وكان يعتبر نفسه فردا في كلّ أسرة من أسر الحي وهم يعدونه كذلك ص 33)
موسى أبو رياش كتب قصصه الممزوجه بالواقع والخيال من خلال قدراته الأدبية المميزة حيث امتلك أدواته الخاصة والتي أنتجت لنا مجموعته القصصية الأولى (الفراشة) من خلال قصص تميزت بالإتقان والإجادة والإمتاع .

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في المجموعة القصصية (شيء عابر ) للكاتبة سمر الزعبي

بقلم: احمد محمود دحبور في احدى رسائل جبران إشارة الى أن القصة القصيرة هي : …

رواية 36 ساعة في خان شيخون

قراءة على رواية (36ساعة في خان شيخون – للروائي محمد عبد الستّار طكو)

بقلم – الروائي محمد فتحي المقداد رواية (36 ساعة في خان شيخون) وثيقة معتبرة، سلّطت …

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: