الرئيسية / قصص / على رَصيفِ انْتظار – سَفّانة إراوي

على رَصيفِ انْتظار – سَفّانة إراوي

لم يكن الحال ملائما للعتاب وقد تم اللقاء أخيرا، فلتُغتنم الفرصة لتجديد الأواصر، ولتُترك للعتاب مساحته الشافية لكل غليل، الساعية لاحتوائه في متسعها وأركانها وحواشيها.. لكن، في فرصة يُؤرَّخ موعدها في أجل مسمى حاسم، وليكن القدر خير موجِّه ودليل..

أما كان على النسيم أن يظهر قبل هذا؟ أما كان عليه أن يختار مكانا أكثر ملاءمة للتقريع من محطة علبة عمومية يطلق عليها مجازا – لقليل شبه لها بمراكب الإنس- “حافلة”؟

يأتي منسجما وتعب الألحاظ المستأنسة بالغروب، متأملاً، كروح فنان يستقبل الطبيعة بسمتها المتأنق بحلل الإبداع والدقة، لتلهمه ما يُغرقه في تلمُّح خطوط رسمٍ، أو ترنيمة معزوفة، أو قوافي قصيدٍ، ناضحاً بشاعرية الحب في أصغر التفاصيل!

وما آلمها من تفاصيل للطبيعة، عندما تتفيؤ هذه ظلال التعب الإنساني ملتاعا بتنهداته، وركضه، وهمومه؛ مكتوبة تارة في قصص الميدان المادي التائق لشهوة الخبز وألوان مشتقاته، وتارة في قصص استجدائه الرحمة لقلبه وقد أضحى العالم ساحة معركةٍ شعواءَ، لا ينضِب معين العنف فيها..  أبدا!

 – ” وهل عليّ إلا أن أكون متأملاً يا أنتِ؟ وأن أتخذ ميدان المعارك وجهة هلوساتي المستنهضة للهمم، المؤلفة للقلوب، الماسحة برفق الأمل على الأكتاف والأعناق المشرئبة؟! أم أنكِ لا تستسيغين إلا شرفة أطل عليك منها مع ريح المساء البارد، فتأنسين بخاطر الانفراد بي، كأني لكِ وحدك؟!”

 – ” وكأنك لا تحس بمعاني غيرتي إلا عندما يكون خطؤك قد تعاظم بغيابك الطويل.. وعوض أن تأتي معتذرا متساميا بألق الحكمة التي تجمعنا، تختبئ بدهاء في كبريائك التي تستمدها من غيرتي، وتشعلها بفتيل اشتياقي وأناتي.. فتترك للأنفة أن تعبث بشاعريتك.. أم أنك تظن الاعتذار ضعفا؟!

 

لا عليك، ها أنت ذا ترى العتاب وقد أخذ مساحة كنا نأمل تأجيلها.. قلي بربك الآن إذن، ما الذي جاء بك؟

 

هل تراك يا نسيمُ قد كنت شاهدا معي على أصنافٍ من سائقي هذه “الحافلات”، ووقر في صدرك ما آلمك من هَمّ الناس وهم ينتظرون الساعة والساعتين وأحيانا أكثر، يرقبون من يهرب منهم متبجحا بقدرة وظيفته أمام إنسانية متهالكة على الرصيف، أو من يعلمون عنهم -بطريق ما- بأنهم يتخذون طرقا غير تلك المنسوبة لمسارهم ليختصروا دروب المدينة الشاسعة، فيأمنوا هرج الرعاع الذي لن يكون أسمج منهم.. وإن كان على حساب ركاب ابتعدوا عن محطات النزول، وفيهم العجزة والمرضى والمتعبون!

وقد يتنبؤون لصنف آخر من أولئك الذين يصلون محطات النهاية مساء، فينتظرون اجتماع بعضهم لقليل فرجة ومتعة، حتى إذا ما بقي في الوقت ما يكفي فقط للرحلة الليلية الأخيرة، هبوا واحدا تلو وآخر لنجدة المحطات التي يئس المنتظرون فيها قبل زمن، وولوا إلى بيوتهم بسيارات الأجرة ساخطين!..

إن مظاهر اللامواطنة كثيرة في هذه المدينة يا صديقي، وإن استرسلت في عدها ووصفها ما عدت الليلة إلى مأواي ولا تورطت في مزيد سخط على مثل هؤلاء، ولا وجدت ما أكتب في مذكراتي بسخاء مهموم محموم!

فلتنصفني يا صديقي بشيء أو فلتدعني.. فلم يعد في النفس حيز لمزيد انتقاد.. “لقد هرمنا” لأجل عدالة الله في الأرض، ونحن بعدُ في مستهل عشرينيتنا!”

 – ” لا داعي لأن أعرج على عتابك إذن، وقد تنبّهتِ لفلسفتي في الكبرياء وتفهّمتِني.. من دون ريب!

وأمّا المواطنة يا صديقتي، فلله ما أشقاها وهي تستنجد بالإخلاص والصدق من الآباء التلاميذ الذين زعمت حرصها فيما مضى على أن يكونوا قدوة لأبنائهم الموظفين.. ونسيت أن غِشّا تقنويا ماديا تنامى في قلوبهم لا يمكن إلا أن ينتج نموذجاً مشابها، كل ما في الأمر أنه متقنع بسمت الوظيفة!

إنه من مسلمات أزمة التخلف يا عزيزتي؛ ألّا يكون سائق الحافلة، ولا الأستاذ، ولا الطبيب، ولا الباحث، أو المدير، أو الوزير، أو… إلا نتاج المنظومة التي بلورنا بها التلميذ الأب الذي كان يستعمر ذاته يوما بألق الأنانية المشتعلة في كيانه لاستشراف المستقبل..

وليس من خطوة أكبر أثرا من استعادة أبينا التلميذ في وعيه وحرصه، وهو ما يحتاج حشد كل القنوات في السبيل الهادف لذلك.. وليس هذا بالخافي عن أحد، ولكنّ فتورا لا يزال يلازم وطنك لا يعلم إلا الله مرده!

 فهل عساكِ إلا ماضية متلمحة أوجه السعادة فيما لك، فتجتهدي على قدر أنفاسك، وتتركي يأسا مثبّطا متعِبا.. يا صديقة؟ !”

 

هل أعجبك ما قرأت ؟!

%d مدونون معجبون بهذه: